/
/
/
/

ثمة سؤالان مباشران وجها لي كوني من العاملين (المخضرمين) في الادارة الاقتصادية العراقية، شهدت فيها البلاد شتى الحروب والحصارات والأزمات في سلسلة افقدت العراق أربعة عقود من التنمية والازدهار الاقتصادي، فالسؤالان هما:
1. هل تستطيع امريكا مصادرة اموال العراق ...وتفقدها الحماية؟
2. هل يبدأ العراق منذ الان متمثلاً في الحكومة والبرلمان الذي طلب ان تسحب الولايات المتحدة قواتها مع غيرها من قوات التحالف من العراق، بإجراءات ويضع امواله وهي من عائدات النفط اغلبها، في بنوك دولة اخرى محايدة؟ وكيف يتم ذلك؟؟
١- عدت سوق النفط منذ نشأتها في الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الاولى ودخول النفط والوقود الناجم عن تعاملاتها كسلعة استراتيجية في صناعة الحرب والمصالح، وحتى الوقت الحاضر سوقاً دولارية في التسعير والتداول والمدفوعات والسلوك. وقد دخل العراق سوق النفط مجدداً في العام ٢٠٠٣ ولكن من أبواب قرار مجلس الامن رقم ١٤٨٣ في أيار ٢٠٠٣ الذي حجب حرية العراق في التصرف بعائدات نفطه وقيدها بممر رقابي وعملياتي مصرفي أمريكي يسمى: حساب المقبوضات النفطية OPRA وهو الحساب المفتوح لدى البنك الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك بعملة الدولار. اذ يتيح ذلك الحساب استقطاع حصة الكويت من عائدات نفط العراق عن كل برميل نفط جرى تصديره تبلغ نسبتها حالياً ٣ في المائة. وان إزالة هذه الالية وتحويلها بمرونة الى منطقة مالية أخرى خارج الولايات المتحدة، يقتضي في الاحوال كافة توفير قرار اممي بديل يحل محل قرار مجلس الامن آنفاً ويقضي بقبول تغيير آلية الاستقطاع والتسديد المذكورة لدى مؤسسة مالية في دولة أخرى سويسرا او بريطانيا او اية دولة اخرى من دول الاتحاد النقدي الاوروبي مثلاً. وحتى بافتراض ان العراق على استعداد كامل لدفع المتبقي من مبلغ تعويضات حرب الكويت مرة واحدة (التي هي ربما بنحو ٢،٨ مليار دولار) فان ذلك يتطلب أيضاً قراراً من مجلس الأمن يكون بمثابة (براءة ذمة) لاخراج العراق من اخر ذيل من ذيول الفصل السابع ويمنح العراق حرية التصرف بموارده النفطية كيفما يشاء.
في ضوء ما تقدم، ومن خبرتي المتواضعة في ادارة شؤون العقوبات والحصارات والأزمات الاقتصادية، فان مثل هذا التوجه سيستغرق بعض الوقت. وبخلافه، اذا ما اقدمت حكومة الولايات المتحدة على تصرفات مؤذية للعراق في شأن أمواله بقرار طائش او عطلت آليات النظام المالي لإدارة عوائد النفط OPRA التي اشرت اليها أعلاه بأفعال غير محسوبة وذرائع تتذرع بها الدولة الكبرى المهيمنة، معنى ذلك ادخال العراق في فوضى وباتجاهين: الأول، بعثرة عوائد صادرات البلاد النفطية وادخال الصادرات النفطية في ممرات ومسالك تصدير يهيمن عليها بالغالب المضاربون وغيرهم من قراصنة النفط ازاء العمل خارج المنظومات والسياقات والضمانات المألوفة حالياً في تسويق النفط والتصرف بعائداته المالية وباقل قدر من المخاطر. والاخر، هو العمل خارج إسناد اطراف المنظمة الدولية وقرارها الاممي رقم ١٤٨٣ سيدفع بالوضع الاقتصادي الى الانحدار نحو الاضطراب والهوان داخل مفاصل الاقتصاد و تعثر دينامياته جراء اخفاق مصادر التمويل النفطي وهو التمويل الأساس في تغذية الاقتصاد الحكومي الذي تمتد اثاره الى ٨٠ في المائة من النشاط الاجمالي للاقتصاد الكلي. وهنا ستكون الحالة الاقتصادية العراقية اقرب الى حالة البلاد في اوضاع المقاطعة والحصار الاقتصادي السابقة.
ختاماً،
لا ادري كم يستطيع النظام الديمقراطي الراهن ان يوفر بالضرورة الانسجام الكافي داخل المؤسسة السياسية لاتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية منقذة للبلاد. وان اية اشارة خاطئة او طائشة تتصرف بها بعض الادارات العراقية (بغليان أعصابها في الفترة القصيرة الحالية) سيفقدنا الكثير ولاسيما في ظل حياة نيابية غير متماسكة وحكومة تصريف اعمال محدودة الصلاحيات ترافقها ادارة حكومية رخوة في بعض مفاصلها المهمة. فالعراق بحاجة الى مركز قرار استراتيجي موحد يفكر بعقلانية عالية ويبعد الخطر عن البلاد ويجنبها الاصطدام بمحاور إمبريالية عديمة الشفقة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل