/
/
/
/

التحية والاعتزاز لفتية الوطن الحبيب

شهد العراق، ولأول مرة في تاريخه المعاصر، انتفاضة جماهيرية شعبية سلمية غير مسيسة بمشاركة مختلف شرائح الشعب، عربا وكردا وسائر الأقليات والقوميات والطوائف والأديان والمذاهب والعشائر، وبخطاب موحد وشعار هادف وهتافات استقطبت مختلف الاجناس والأعمار من الرجال والنساء، حتى اليافعين، ملوحين بالعلم العراقي. وللحقيقة إن الاغلبية هم من الشباب المتحمس الذي لم يقف شعوره عند حد في الاصرار على التضحية من اجل تحقيق المطالب المشروعة.

ان ما يثير الدهشة والاستغراب، هذا الشباب المتفاني الذي يعمل بعقلية تنظيمية وإدارية بالغة التعقيد والايجابية، وما يحمله من طاقات غير مألوفة من قبل في الابداع، من حيث فهم آفاق التظاهر السلمي والاستمرار في الحفاظ على سلميته وديمومته، وهذا لم يكن في بغداد فقط، إنما في جميع المدن العراقية التي شهدت تحركا جماهيريا ساندا، تعبيرا عن تراكمات النهج الخاطئ في ادارة الدولة منذ 2003 وحتى يومنا هذا.. نهج المحاصصة الطائفية والقومية البغيض، واستشراء الفساد المالي والإداري.

ابتدأ الحراك الجماهيري مطلع تشرين الاول الماضي امتدادا للفعاليات والتظاهرات التي حصلت منذ عام 2011، كما انطلق إلى جانب هذه الانتفاضة اعتصام سلمي في العاصمة ومعظم المحافظات العراقية، وفعاليات متنوعة من اجل ايصال الصوت المطالب بالتغيير.وكان لمساهمات معظم النقابات العمالية والمهنية، والاتحادات، كنقابات المعلمين، والمحامين، والأطباء، والأطباء البيطريين والصيادلة، والمهندسين ومنظمات المجتمع المدني، ومن الطلبة والشباب، دور اساسي في دعم الانتفاضة. ولا ننسى حجم مشاركة المرأة في الانتفاضة، والتي لعبت دورا مؤثرا في دعمها.

لقد قدم الجميع التضحيات الجسام في معظم المدن العراقية، خصوصا بغداد. إذ اتخذ المحتجون من ساحة التحرير كعبة لهم، واعتبروا بناية المطعم التركي مقرا لهم، كونها بناء شاهقا ومتروكا، ويشرف على مساحات واسعة من المنطقة في بغداد.

استطاع الشباب الثائر تنظيم منطقة ساحة التحرير بكل الوسائل التي تساهم في استمرار فعالياته السلمية، ومن اجل تحقيق مطالبه المشروعة، التي بدأت أولا بتوفير الخدمات ومعالجة مسألة العاطلين عن العمل، وتعيين الخريجين. لكن سقف المطالب أخذ يُصعد نتيجة عدم الاصغاء للمطالب الأولى، التي أخذت منحى آخر، هو المطالبة باستقالة الحكومة وتغيير النهج والطبقة السياسية الحاكمة.

وبالرغم من الضحايا الذين اريقت دماؤهم في ساحة التحرير ومناطق اخرى في المدن العراقية، لا يزال الشباب مصرين على المضي نحو تحقيق ما يصبون له. ولو تمعنا كثيرا في جوانب العمل التنظيمي للمتظاهرين، لوجدنا ان عقليتهم وتفكيرهم تخطيا عمل الاجهزة الحكومية في ميدان انجاز الخدمات، وانهم أعطوا درسا بليغا في دقة وفعالية تنظيمهم بدءا من الاصوات السلمية الهادرة، وتوفير الخدمات للمتظاهرين والمعتصمين من الماء والغذاء والكمامات للوقاية من تأثير الغازات، والكلينكس والشاي وقناني البيبسي، وإيصال الكهرباء والماء إلى المنطقة، خصوصا الى كعبتهم (المطعم التركي) الذي اطلقت عليه تسمية "جبل احد"، وكل ما يحتاجه المتظاهرون، خصوصا الفرش والأغطية.

وهناك من المفارز الطبية من الاطباء والممرضين والمسعفين الذين يقومون بإسعاف الجرحى والمصابين. كذلك شريحة واسعة من العاملين اصحاب التك تك الذين استحقوا وسام الشرف لمساهمتهم في نقل الجرحى وإخلائهم من ساحة التظاهر وكذلك الضحايا.

وقد أصدر قادة الانتفاضة جريدة من ساحة التظاهر والاعتصام، أطلقوا عليها "التك تك"، وأخذت افكار ابطال الانتفاضة تتوسع في إطلاق المبادرات التي تخدم استمرار الانتفاضة حتى تحقيق الاهداف التي انطلقت من اجلها.

لو دخلت ساحة التحرير لوجدتها كومونة.. كومونة القرن الحادي والعشرين..

عاشت انتفاضة الشعب في الاول من تشرين الاول السلمية.. المجد والخلود لسائر شهدائها، والشفاء العاجل لجميع الجرحى والمصابين. 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل