/
/
/
/

 مر خلال الإسبوع الحالي، عيد ميلاد سيدنا المسيح، وتلبية لدعوة الأب الكردينال روفائيل ساكو  بطريرك الكلدان على العالم، بأن يقتصر أحتفال مسيحي العراق على الصلاة والدعوة الى المحبة والسلام بين مكونات الشعب العراقي، تضامنا مع شهداء الشعب المغلوب على امره، طالبا تزيين شجرة الميلاد بصور شهداء الأنتفاضة الحالية. وبهذا، تكون الإحتفالات قد إقتصرت على الصلاة والترحم على أرواح شهداء شعبنا الطاهرة، مع الدعوة لأن يكون الرب مع أطياف ناسنا، وأن لا يبتعد عنهم حتى، تتحقق مساعي المنتفضين في الحياة الحرة الكريمة التي غابت عنهم لعقود 

 ومع غياب الإستعددات للإحتفال بهذه المناسبة العزيزة على قلوب سكنة أرض الرافدين، تتكرر دعوة الإشادة بمواقف المسيحيين الوطنية ومساهماتهم العملية في ادارة شؤون البلد منذ تاريخ تواجدهم في أرض ميسوبوتاميا (كما سميت أرض ما بين النهرين في العصور الغابرة) في منتصف القرن الأول الميلادي، عندما مر أحد تلامذة سيدنا المسيح، توما، متوجها نحو الشرق لتعريف شعوبه بتعاليم الرب. ومنذ ذلك الوقت لعب تواجدهم دورا رياديا في نهضة شعوب المنطقة وتوازنها، لاسيما في مجال الثقافة الأدبية والعلمية والذوق الفني الرباني، ناشرين تعاليم الرب بين الناس، في اور وبابل ونينوى، مقومين أعوجاج طريقة حياتهم اليومية، وبذلك تمكنوا من وراثة الدور الطليعي في بناء الأوطان، وليومنا هذا لم يَفل عضدهم في نشر رسالة المحبة والسلام والتسامح بين شعوب المنطقة، رغم المنغصات والمآسي التي تعدوها بنكران ذات، مواصلين مهامهم في مؤسسات تلك الإمبراطوريات والأوطان،  مطورين مؤسساتها الإدارية والثقافية

ففي العصر العباسي، كانوا ألأوائل ضمن مستشاري الخلفاء العباسيين في عصورهم الذهبية، وساهموا حضاريا في بناء هذا العصر الذي يعرف بالحضارة العربية. وتُظهر المراجع التاريخية، بكونهم كانوا أطباء وصيادلة وأمناء خزينة الدولة لنزاهتهم وعلميتهم. وعندما جرت محاربة الأفكار الحرة، و نُصبت المشانق، أعتلاها سياسيوهم، كما دخل بعضهم مع بقية أبناء الشعب السجون والمعتقلات، فإستشهد العشرات منهم تحت التعذيب، ولا زالوا يرتلون مقولة المسيح، المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر.

 من هذا المنطلق طالب مسيحيو العراق بأن يكون مستقبل العراق وامنه وسلامة شعبه من مهام الأديان، بإبعادها عن التدخل في السياسة، وأن تنحصر مهامها في الوعظ والتمسك بتعاليم السماء في الكنائس والمزارات والجوامع، إذا ما أريد المحافظة على التعاليم السماوية نقية ولصالح البشر كافة، مع التمسك  بروح التسامح والمحبة ورفض أية تنافسات بين الأديان والمذاهب، باعتبار ذلك لا تنتج عنها حلول صائبة وطرق مستقيمة ترشد عموم الناس نحو بناء مستقبلهم وأجيالهم، مبتعدين عن مغريات الحكم. لذا أكدوا في مطالبهم على دولة مدنية، دولة مواطنة، دولة قانون وعدالة إجتماعية. رغم ذلك لم يُنصفوا، ولم يجر تعريف الاجيال المتوالية بمآثرهم الوطنية تلك، وإنما بالعكس، قام المعنينون على مواقع القرار من الأحزاب الدينية وخاصة بعد ربطهم سياسة حكمهم بتدينهم، فإمتنعوا عن إشراكهم في مواقع قرار الدولة، ولم يكتفوا بذلك، بل مسحوا اية آثار لدورهم الريادي في تطوير المجتمعات عبر العصور.

تزايد نكران أدوراهم تلك بعد إطاحة العامل الخارجي بالدكتاتورية وخاصة بين عامي 2005-2007 وإستمر تواصل التعرض لهم ولبقية المكونات العرقية بتنغيص معيشتهم اليومية، بينما بقيا وقف المذهبين الرئيسين وحتى المرجعيات الدينية متفرجين على موجة العنف التي إشتد سعيرها بعد عام 2005، دون أن يحركوا ساكناً، حيث راح ضحيتها 1140 مسيحيا، وتم هدم وتهجير 978 ديرا وكنيسة ومزرا، ومن يومها نزح نحو 400 الف مسيحي إلى كردستان بسبب الإستيلاء على ممتلكاتهم ومحاربة مصادر رزقهم على يد ميليشيات مسلحة منفلتة. (أغلبهم لم يبق في كردستان بل هاجروا منها لدول مختلفة). وبعد إجتياح داعش هاجر 1380 مسيحيا (لم أحصل على إحصائية عن الصابئة المندائية)، من مناطق أجدادهم التي ورثوها ابا عن جد. وبعد أحتلال داعش لثلث اراضي العراق، وخاصة بعض مناطق كرستان وسهل نينوى، أضيف للمهجرين أعداد متزايدة من  الأيزيديين، بعد قتل رجالهم وسبي نسائهم، وبيعهم في سوق النخاسة، وتشير إحصائيات الكنائس إلى أن عدد ما بقي من المسيحيين في العراق 300 الف من اصل مليون و800 الف قبل عام 2003، ويُقال أن عدد العوائل المسيحية في السليمانية مثلا كان 600 عائلة لم يبق منها الآن سوى 40 عائلة بالرغم من كون المدينة بعيدة عن داعش

 إن إخلاص المسيحيين لأوطانهم جاء توثقاً لتعاليم السيد المسيح (اعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله). بينما جري ويجري حاليا حرمان المسيحيين والصابئة المندائيين من تبوء اي منصب قيادي في الدولة، على الرغم من أنهم لم يتخلوا عن مسؤولية بناء أوطانهم، لما يتمتعون به من وطنية عالية باﻷضافة لما يملكوه من كوادر فنية وعلمية، (ولا يفوتنا هنا أن نذكر بأن أول رئيس لوزارة مالية عراقية كان يهوديا واول رئيس لجامعة بغداد صابئي)

حاليا يحدوهم الأمل بان يُصان ما ورثوه من تراث حضاري مع المحافظة وتطوير كنائسهم وأديرتهم ومزاراتهم، وعدم تفليشها لينقرض أثرهم من المنطقة، نتيجة التخريب، والعداء الديني، وأن تُفتح الآفاق أمامهم للمساهمة الفعلية والعملية بتحميلهم مسؤولية بناء الوطن وإخراجه من ما هو علية من حالة إستثنائية، تستدعي إتخاذ حلولا إستثنائية لا يقوى على النهوض بها إلا من جعل أولوية للوطن في كل شيء

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل