/
/
/
/

ناقش مجلس النواب العراقي هذا الاسبوع مشروع قانون انتخابات مجلس النواب لسنة 2019، والمقدم من قبل السيد رئيس الجمهورية وصادق عليه البرلمان العراقي يوم الاربعاء المصادف 24 كانون اول 2019، ويتكون مقترح القانون من 50 مادة، ناقشت اللجنة القانونية في مجلس النواب مواد مشروع القانون، وقامت بتمرير 35 بند في المشروع في حين وضعت مقترحات للبنود الخمسة عشر المتبقية، وتتراوح المقترحات بين صياغة لغوية او تعديل بسيط، اضافة الى تغييرات جوهرية غيرت كليا النظام الانتخابي المعمول به حاليا.

ومن اهم التغييرات التي تمت المصادقة عليها هي المادة 15 والتي اعتبرت الاقضية مناطق انتخابية والترشيح فردي ضمن الدائرة الانتخابية، وهو ما اعترضت عليه بشدة الاحزاب الكردية، وسبب ذلك، ان هذا االتغيير سوف يؤثر على مقاعد الاحزاب الكردية، وكما هو معلوم، فان مشاركة الناخبين في اقليم كردستان بالانتخاب عالية جدا مقارنة بوسط وجنوب العراق، وحتى في المحافظات المختلطة مثل نينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى، فان الاخوة الاكراد يشاركون باعداد كبيرة في الانتخابات مقارنة باقرانهم العرب، وفي هذه الحالة من الافضل لهم ان تكون المناطق الانتخابية كبيرة، ليحققوا نتائج احسن، وكانوا يفضلون بل دعوا مرارا وتكرارا ان يكون العراق منطقة انتخابية واحدة، وعند ملاحظة نتائج انتخابات عام 2018، سنجد ان محافظة دهوك سجلت ما مقداره 40775 صوت انتخابي لقيمة المقعد النيابي الواحد، وقيمة المقعد النيابي هو مجموع الاصوات الصحيحة في المحافظة مقسوما على عدد مقاعد تلك المحافظة، تليها اربيل ثم ديالى ثم السليمانية، بينما تأتي الانبار في اسفل القائمة حيث كانت قيمة المقعد الانتخابي 25343 صوت، تليها من الاسفل البصرة بما مقداره   27051  صوتا. ولهذا انسحبت الاحزاب الكردية من البرلمان عندما رُفِض طلبها بتأجيل مناقشة  المادة 15 الخاصة بجعل القضاء دائرة انتخابية واحدة واعتماد الترشيح الفردي.

وهذه المادة هي صلب النظام الانتخابي المقترح، الذي على اساسه سيتم اعتبار كل قضاء نفوسه مائة الف نسمة واكثر، دائرة انتخابيه واحدة، اما اذا كان عدد نفوس اي قضاء اقل من مائة الف فيدمج مع اقرب قضاء مجاور، ولم يُحدد في مشروع القانون المقترح القضاء المجاور، في حين كان الاجدى بالمشرعين الاشارة  الى ان الدمج يتم مع القضاء المجاور والاقل نفوسا، حتى لا يهيمن القضاء الكبير على مقدرات اختيارات القضاء الصغير، على سبيل المثال،  محافظة الانبار لها ثمانية اقضية، وبعض الاحصائيات تشير لعدد سكان اقضية الانبار كالاتي: قضاء الرمادي 570 الف، الفلوجة 500 الف، القائم 180 الف، حديثة 120 الف، الرطبة 60 الف، عانه 30 الف وقضاء راوة 25 الف، وبهذا يكون مجموع سكان محافظة الانبار تقريبا مليون و585 الف، ولها 15 نائب، واذا افترضنا ان هذه الارقام صحيحة، وهي تبدو قريبة من الواقع، عندئذ نحتاج جمع ثلاث اقضية وهي الرطبة وعانة وراوة، ولحسن الحظ انها متجاورة، ويكون مجموع سكانها 115 الف نسمة، لذلك تحتاج الفقرة ثالثا من المادة 15 للتعديل، لتشمل جمع قضائين او اكثر بدلا عن جمع قضائيين فقط. وعند تقسيم عدد سكان الاقضية في الانبار على مائة الف نحصل على عدد المقاعد لكل قضاء، وهنا سنجد ان الرمادي لها 5 مقاعد وللفلوجة 5 كذلك وللقائم مقعد واحد ولحديثة مقعد واحد وللاقضية المدمجة الرطبة واخواتها مقعد واحد، وهنا سيكون المجموع 13 مقعد، في حين ان حصة الانبار هو 15 استنادا لمجموع سكانها، لذلك نحتاج الى الية تشرح كيفية تقسيم المقعدين المتبقيين، وهذا مالم يتطرق له المشرع، والطريقة الاكثر الاعدل هي اعطائها للاقضية ذات الباقي الاعظم، وهنا سيكون قضاء القائم لان لديه باقي 80 الف صوت، وتليها الرمادي لان لديها 70 الف صوت متبقي.

اما المادة 16 من القانون، فلقد تم اعتماد مقترح اللجنة القانونية التي اشارت الى ان نسبة تمثيل النساء يجب ان لا يقل عن 25 بالمائة من اعضاء مجلس النواب في كل محافظة، وشرحت المادة بالتفصيل اليه الاستبدال، الا ان نص البند ج من خامسا في المادة 16، غير دقيق حيث يقول " يضاف مقعد واحد الى عدد مقاعد النساء للدائرة الانتخابية التي حصلت على اقل نسبة مئوية" انتهى النص، في حين ان الامر هو استبدال مقعد رجالي بمقعد نسائي.

اما بالنسبة لحصة المكونات، فلقد نصت المادة 13 ثالثا " تكون المقاعد المخصصة من الكوتا للمسيحيين والصابئة المندائيين ضمن دائرة انتخابية واحدة". اي سيتم التصويت للمسيحيين والصابئة في قضاء واحد، وهذا خطأ جسيم لان الاخوة المسيحيين والصابئة لا يتمركزون في منطقة بعينها، لذلك من المفترض ان تعتبر المحافظة منطقة انتخابية واحدة ولجميع المكونات. من المعيب استخدام الكلمة الاجنبية الكوتا في اماكن كثيرة بدلا من كلمة الحصة ، لان كلمة الحصة تعني نفس الشيئ، وكان الاجدر باللجنة القانونية وكذلك مجلس النواب الانتباه لهذا الامر.

اما بشأن حق الترشيح في الفصل الثالث المادة 8، من الواجب تفسير جملة " ان يكون من ابناء المحافظة" والواردة في  خامسا،  هل المقصود بها من مواليد المحافظة وان لم يقيم فيها في اخر عشر سنوات مثلا، او مسجلا لدى دائرة الاحوال المدنية في الدائرة الانتخابية، والتعريف الشامل لهذه الجملة يجب ان يكون دقيقا، وذلك لمنع استبعاد اي مرشحين لاحقا بحجة انهم ليسوا من ابناء المحافظة

من الملاحظ ان مشروع القانون والمقدم من قبل رئيس الجمهورية استبعد في المادة  منه 9 ترشيح كل من:

 اولا: كل من رئيس الجمهورية ونوابه، رئيس مجلس الوزراء ونوابه، الوزير، رئيس هيئة مستقلة ونوابه، رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ونوابه، وكيل وزارة، مستشار، المحافظ ونوابه، رئيس وعضو مجلس المحافظة، درجة خاصة، مدير عام الا بعد مضي ما لا يقل عن سنتين من تركه المنصب.

ثانيا: القضاة واعضاء الادعاء العام.

ثالثا: افراد القوات المسلحة او الاجهزة الامنية ما لم تقبل استقالته قبل سته اشهر من تأريخ فتح باب الترشيح.

رابعا: اعضاء مجلس المفوضين وشاغلي المناصب العليا في المفوضية العلياالمستقلة للانتخابات ويستثنى من ذلك من انهى خدمته فيها قبل مدة لا تقل عن سنتين من تأريخ الترشيح، اضافة لموظفي المفوضية، ويحق لهم الترشيح بعد مضي سنه على تركهم العمل.

لكن اللجنة القانونية في مجلس النواب ضربت كل هذه الاستثناءات عرض الحائط واقترحت " ان لا يكون من افراد القوات المسلحة او المؤسسات الامنية واعضاء وموظفي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عند ترشحه".  وهذا يعني ان اللجنة القانونية لا تعلم اوتتغافل عن كون كثير من مسؤولي الدولة وخاصة المشموليين بمقترح رئيس الجمهورية، سوف يستغلون مناصبهم وموارد دوائرهم للدعاية الانتخابية لانفسهم، وحصل هذا الامر مرارا وتكرارا.

ان المتمعن في المادة 15 من القانون والتي تم فيها اعتماد مقترح اللجنة القانونية في مجلس النواب والتي قسمت الدوائر الانتخابية على اساس دائرة انتخابية لكل قضاء في المحافظة، والترشيح فيها فردي ضمن الدائرة الانتخابية، سيجد ان الاحزاب الكبيرة والتي كانت تعتمد على الاصوات العالية جدا، التي يكتسبها بعض قادة الاحزاب مثل نوري المالكي وهادي العامري وماجدة التميمي وحيدر العبادي واياد علاوي، لزيادة اصوات الكتل التي يترأسونها  والتي تنعكس كمقاعد اضافية لكتلهم، سوف لن يتم الاستفادة منها الان لدفع مرشحين ليكونوا نوابا مع ان اصواتهم قليلة جدا. تدل نتائج انتخابات الدورات السابقة ان سائرون او الصدريون كما كانوا يُسمون سابقا، هم الوحيدون الذين كانوا يحاولون توزيع اصواتهم بين العديد من مرشحيهم، وهذه الطريقة من النظم الانتخابية استخدمتها الاردن والكويت لتفتيت اصوات الناخبين وعدم تمكين الاخوان المسلمين في الاردن والقوميين في الكويت من الحصول على مقاعد عديدة، لان الانتخابات في ذلك البلدين لم يكن يعتمد على الاحزاب بل على القوائم الفردية في الدوائر الانتخابية المتعددة النواب، وان الملك او الامير يكلف بعد ذلك من يراه مناسبا  لتشكيل الحكومة، وليس رئيس الحزب الذي لديه غالبية المقاعد. واذا نظرنا الى نتائج انتخابات الدورة الحالية ولتي جرت العام 2018، سيجد بان اعداد المرشحين الذين حصلوا على عشرة الاف صوت او اكثر يتركزون في تحالف سائرون، اذ حصل عشرة مرشحين في سائرون على اكثر من عشرة الاف صوت يتقدمهم ماجدة التميمي بحصولها على اكثر من 55 الف صوت وحصلت سائرون على 17 مقعد، في حين حصل هادي العامري على اكثر من 63 الف صوت وكان هنالك اربعة مرشحين حصلوا على اكثر من 10 الاف صوت وفاز تحالف الفتح بعشرة مقاعد، في حين حصد نوري المالكي على اكثر من 102 الف صوت تلاه محمد شياع باكثر من 14 الف صوت، ولا احد غيرهم حصل على اكثر من 10 الاف صوت، لكن فازوا بتسعة مقاعد، وحصلت كتلة الوطنية على 8 مقاعد وفاز اياد علاوي على اكثر من 28 الف صوت ولم يحصل غيره على اكثر من 10 الاف صوت، ونفس الشيئ في كتلة النصر حيث فاز حيدر العبادي على اكثر من 59 الف صوت وفازت قائمته بثمانية مقاعد وهو الوحيد الذي حصل على اكثر من عشرة الاف صوت.  علما ان قيمة المقعد النيابي في بغداد كان 28237 صوت،  وهذه المؤشرات تدل ان شعبية هذه الاحزاب تتمركز في بعض قياداتها، حيث ان المالكي باصواته الكثيرة نجح باضافة اربعة مقاعد لوحده الى كتلته، في حين اضاف هادي العامري وحيدر العبادي اكثر من مقعدين لتحالفهم، ولكن الان لا يستطيعون ان يفعلوا نفس الشيئ لان الزائد من الاصوات التي  يحصلون عليها سوف لن تذهب لاحد، وهذا الامر سيضغط كثيرا على هذه الاحزاب وعلى قواعدها، بكيفية تقسيم الاصوات الانتخابية كي لا تتركز على شخص واحد بل محاولة توزيعها على اخرين، وهذا الامر خطير اذ قد ينتج منه خسارة بعض البرلمانيين والساسة المهمين لمقاعدهم، والموازنة صعبة بين ضمان صعود رئيس الحزب اومحاولة دفع اكبر عدد من المرشحين للفوز بالمقاعد، وخاصة ان الكثير من الاحزاب ليست لديها اعراف حزبية ديمقراطية، ولا فكرة تداول المواقع المهمة في الحزب، ولا كيفية توزيع المرشحين على الاقضية المختلفة واختيار المرشح المقبول جماهيريا، وقد نشاهد نتائج غير متوقعة بالانتخابات القادمة، قد تقلب الطاولة على كثير من الاحزاب، اذا لم تركز على قواعدهم الانتخابية ومعروفة كيفية توزيع مؤيديهم في الاقضيه اي في الدوائر الانتخابية الجديدة. وهذا الامر ينعكس ايضا على كيفية اختيار المرشحات ومعرفة اي المناطق الانتخابية تقوم باختيار المرشحات من دون تحفظ، واعتقد بان الكثير من الاحزاب ليست لديها استراتيجية او خبرة في كيفية توزيع مرشحيها على المناطق الانتخابية.

ختاما نستطيع ايجاز بعض النقاط المهمه والتي تحتاج الى ايضاح من قبل مجلس النواب، مثلا المادة 8 خامسا، يجب اعطاء تعريف واضح لجملة "من ابناء المحافظة" هل المقصود المولود فيها فقط، او لديه اقامة فيها حتى لو كانت سابقا او مسجل في السجل المدني في اي وقت كان.

وكذلك المادة 9، حيث كانت الصيغة المقدمة من رئيس الجمهورية شمولية اكثر، واستبعدت الاشخاص الذين يؤثرون على جمهور الناخبين بسبب وظيفتهم، وامكانية استغلال الموارد المتوفرة لدى المسؤول في الدعاية الانتخابية وترغيب الناخب بمكاسب غير مشروعة، وهذا حصل كثيرا في الانتخابات السابقة، ويبدوا ان الكثيرين من اعضاء مجلس النواب مارسوا هذا الامر ويرغبون ان تستمر الامور على ما كانت عليه سابقا.

المادة 13 ثالثا تضع المقاعد الخاصة لحصة المسيحيين والصابئة في دائرة انتخابية واحدة، في حين يجب ان تكون على مستوى المحافظة، لاتهم غير متمركزين في قضاء بعينه.

المادة 15، لم يحدد المشرع عدد مقاعد كل قضاء او دائرة انتخابية، ضمن مقاعد المحافظة، ومن الافضل ان تكون حسب قاعدة الباقي الاعظم.

المادة 16 خامسا ج، الصياغة خاطئة، لان العملية هي ليست اضافة مقعد للنساء بل استبدال مقعد رجالي باخر للنساء.

امل ان يقوم مجلس النواب بتصحيح بعض الامور التي اشرت اليها ليكون القانون اكثر وضوحا للناخب.

اكاديمي مقيم في الامارات

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل