/
/
/
/

لقد كان لتهديد رئيس الجمهورية بالاستقالة من خلال رسالته الى مجلس النواب بتاريخ 26/12/2019 الكثير من التداعيات التي تمثلت في المواقف المتعددة للفرقاء السياسيين والمتابعين والمعنيين بالقانون الدستوري، بخصوص ما بعد شغور المنصب، اذا ما اصبح هذا التهديد واقع حال، ومن اجل نشر الثقافة الدستورية أُعدتْ هذه المادة العلمية، والتي هي في الاصل مقتطفة من رسالتي في الدكتوراه.

تنظم الدساتير حالة غياب رئيس الجمهورية، وكذلك عند حالة خلو المنصب والتي هي نهاية مدة بقائه فيه بشكل غير طبيعي، وذلك لما لهذا المنصب من أهمية اعتبارية، وأثره في تسيير السلطات بشكل منتظم.

وتناول الدستور العراقي هذه الحالات في ثلاث مواد منفصلة؛ وهي (61 و72 و75) ففي المادة 61 بالبند السادس تطرق إلى مساءلة رئيس الجمهورية وإعفائه من منصبه، وفي المادة 72 تناول مدة ولاية رئيس الجمهورية، وحدوث حالة خلو المنصب إثناءها، ومن الأجدى ألا تزج هذه المادة بالتطرق إلى إحدى حالات تنظيم الخلو، وكان بمقدور المشرع أن يضمن مجمل حالات خلو منصب رئيس الجمهورية في المادة 75، والتي اختصت لحالة الاستقالة والغياب، وكذلك عند خلو منصب رئيس الجمهورية لأي سبب كان.

يوجد نوعان من الموانع التي تحول دون أن يمارس رئيس الجمهورية مهمات منصبه، وهما: الموانع المؤقتة، والتي هي حالة الغياب، والعوائق الدائمة عند الاستقالة: العجز والموت والإقالة.

وتتطرق الدساتير لكل حالة من هذه الحالات من حيث تحديدها والجهة المختصة بإعلانها، والطريقة المؤدية إليها، وأيضاً تحديد من يحل محل منصب الرئيس عند شغوره، وكذلك تشخيص البديل عنه، وسيتم تناول كل حالة من هذه الحالات وفق الآتي:

  1. الغياب:

ففي حالة المانع المؤقت والتي تعني حالة الغياب المؤقت نصت المادة 75 الفقرة ثانياً (يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه، وقد أوعز الدستور الى مجلس النواب، تشريع قانون ينظم أحكام اختيار نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية([1])، وقد صدر قانون نواب رئيس الجمهورية رقم 1 لسنة 2011 الذي نص البند الأول من المادة 5 منه (يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه).

  1. الاستقالة:

لرئيس الجمهورية تقديم استقالته تحريرياً إلى رئيس مجلس النواب، وتعد نافذة بعد مضي سبعة أيام من تاريخ إيداعها لدى مجلس النواب([2])، فقد منح المشرع رئيس الجمهورية حق تقديم طلب الاستقالة من منصبه برسالة تحريرية إلى رئيس مجلس النواب، أي : أن الرئيس إذا قدم طلب الاستقالة عبر وسائل الإعلام لا يعتبر ذلك طلباً دستورياً، وأن تحديد فترة الاسبوع من قبل الدستور هي لعدول رئيس الجمهورية عن طلبه من خلال مجلس النواب، الذي عليه أن يعقد جلسة عاجلة  بطلب رئيس المجلس؛ لغرض تناول طلب الاستقالة، وللمجلس قبل أن يبت في هذا الطلب أن يقدم تقريراً عن حيثيات هذا الطلب، وعرضه على المجلس الذي بدوره يتخذ قراره، فإذا رفض الاستقالة ينتقل مجلس رئاسة مجلس النواب إلى رئيس الجمهورية ليبلغه بقرار المجلس وأسبابه، فإذا أصر الرئيس على الاستقالة اعتبرت مقبولة؛ ليعلن بعد ذلك مجلس النواب، خلو منصب رئيس الجمهورية والإعداد لانتخاب رئيس جديد خلال شهر من هذا الاعلان.

وبالرجوع إلى اللائحة الداخلية لمجلس النواب وقانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13) لسنة 2018 لم نجد المواد التي: تتعامل مع نص المادة 75، وهذا نقص تشريعي من الممكن تلافيه من قبل مجلس النواب، مع العلم أن اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري قد تناولت حالة استقالة رئيس الجمهورية بشكل مناسب ([3]).

  1. العجز:

وهي الحالة التي لم يعد رئيس الجمهورية فيها يمارس مهماته وواجباته بشكل دائم، وقد تناول الدستور في المادة 75 حالة الغياب والاستقالة، ولم يتطرق إلى الحالات الأخرى؛ حيث نصت الفقرة ثالثاً من هذه المادة على أن: يحل نائب رئيس الجمهورية محل رئيس الجمهورية عند خلو منصبه لأي سبب كان.

يوجد اتجاهان عند التطرق إلى حالة الخلو في دساتير الكثير من دول العالم؛ فهناك من يردها بشكل متسلسل ومنها الدستور الأمريكي الذي نص عند إقالة الرئيس من منصبه، أو في حالة وفاته أو استقالته، أو عجزه عن أداء سلطات ذلك المنصب أو واجباته يؤول المنصب إلى نائب الرئيس([4])، أما الدستور الروسي فقد نص على أن : تنتهي سلطات رئيس الاتحاد في حالة استقالته أو عجزه المتواصل نتيجة لظروفه الصحية من ممارسة سلطاته، أو في حالة توجيه اتهام جنائي له([5])، والمشرع المصري ذكر تفاصيل حالة الخلو وختمها بـ (لأي سبب آخر) وفق النص الآتي: (عند خلو منصب رئيس الجمهورية للاستقالة أو الوفاة، أو العجز الدائم عن العمل أو لأي سبب آخر يعلن مجلس النواب خلو المنصب([6])) وهناك دساتير لم تتطرق إلى تفاصيل حالة الخلو، ومنها الدستور الفرنسي لسنة 1958 الذي نص في حالة شغور رئاسة الجمهورية لأي سبب كان([7])، وأخذ بهذا النهج الدستور الصيني: (في حالة شغور منصب رئيس جمهورية الصين الشعبية ...يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس([8])، من هذه النماذج لبعض المواد الدستورية يتضح أن المشرع العراقي اختار أن يختصر حالات الخلو في الاستقالة والإقالة دون ذكر حالة العجز.

إن وضع العراق الذي لم يعتد على التعامل مع القواعد الدستورية الدائمة لفترة طويلة، وافتقاره إلى أعراف تؤسس انتقالا سلسا عند حالة الخلو في مناصب السلطة التنفيذية، يلزم تناول تنظيم حالات خلو هذه المناصب، بشكل تفصيلي ودقيق لتجنب أية اجتهادات لضمان تسيير مؤسسات الدولة بشكل مضطرد؛ ولذلك عند تعديل الدستور على نحو يتضمن احكاما خاصة بالعجز المؤقت والنهائي وعدم الاكتفاء بالإشارة الضمنية الى العجز الدائم( خلو منصب رئيس الجمهورية لأي سبب من الاسباب)، وأناطت صلاحية إعلان العجز النهائي بالرئيس لمجلس النواب بأغلبية ثلثي اصواته، مراعاة لخطورة ومفصلية هذا القرار وضماناً لجديته وحيادته واستقلاله([9]).

وقد حدثت حالة خلو للمنصب دون اعلانها عندما تعرض الرئيس جلال الطالباني إلى جلطة دماغية في شهر كانون الأول 2012 حالت دون ممارسته لسلطاته الدستورية حتى انتهاء مدة دورته في 24 / 7/ 2014، أي: أكثر من سنة ونصف السنة، وقد تم السكوت عن إعلان حالة خلو المنصب تفادياً لتداعيات غير مرغوب بها من قبل مؤسسات الدول والكتل السياسية المتنفذة، والتي كانت على حساب تفعيل النصوص الدستورية.

إن نقص تحديد حالات الخلو في النص الدستوري، ومنها : حالة العجز، وتحديد الجهة المختصة بإعلانها، وتنظيم إجراءاتها، أسهم في فراغ دستوري لمنصب رئيس الدولة، وقد تم تمشية حالة الفراغ باعتبارها مجرد غياب وليس حالة عجز دائم، وما زاد من الإحراج في الموقف، الاستقالة المبكرة لنائب الرئيس الدكتور عادل عبد المهدي في 24/5/2011، واستقالة النائب الآخر السيد طارق الهاشمي في 30 كانون الأول  2013 بعد هربه وبقى النائب الثالث الدكتور خضير الخزاعي الذي أخذ على عاتقه تصريف أعباء المنصب حتى انتخاب الرئيس فؤاد معصوم في 24 تموز 2014.

حددت المادة 75 بأن يحل نائب الرئيس محل رئيس الجمهورية عند خلو منصبه ([10])، ومن خلال الممارسة التطبيقية عند نفاذ دستور 2005 يتم توزيع مناصب الرئاسات الثلاث ونوابهم عبر صفقة واحدة، ولذلك يختار رئيس الجمهورية عند تسلمه مهماته الدستورية نائباً أو أكثر على أن لا يزيد على الثلاثة([11])، وعالج قانون نواب رئيس الجمهورية الإشكالية التي قد تحدث عند حالة عجز الرئيس بوجود أكثر من نائب، من خلال نصه أن يكون هناك نائب أول للرئيس من بين النواب الآخرين، وأن يحل النائب الأول لرئيس الجمهورية محل رئيس الجمهورية عند خلو منصبه لأي سبب كان([12]).

لم يحدد الدستور الجهة المختصة بإعلان حالة خلو المنصب، وفي مثل هذه الحالات، تكون الجهة المختصة بانتخابه هي المعنية بذلك، وبما أن الرئيس ينتخب من قبل مجلس النواب، فهو الأولى بذلك خاصة وهو المعني بانتخاب الرئيس الجديد خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ الخلو([13]).

وبالرغم من وجود النص الدستوري على وجود نائب للرئيس، وكذلك وجود قانون لنواب رئيس الجمهورية، لكن ظروف البلاد وتجاذب الأطراف السياسية وللحد من النفقات وتقليص عدد المسؤولين تحول أحياناً دون أن يكون هناك نائب للرئيس، وفي ظل الازمة الاقتصادية وتصاعد المطالب الاحتجاجية ضد الفساد والترهل في اجهزة الدولة وباقترح من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة مجلس النواب، تم الاستغناء عن نواب رئيس الجمهورية ([14])، هذا وفي وجود رئيس جمهورية من دون نائب له، تنبأ الدستور لحدوث ذلك، أي: عند حالة خلو منصب الرئيس، وعدم وجود نائب له؛ حيث عالجتها المادة 75 رابعاً: (في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية، يحل رئيس مجلس النواب، محل رئيس الجمهورية في حالة عدم وجود نائب له...)، وقد الغت المحكمة الاتحادية قرار مجلس الوزراء رقم 307 لسنة 2015، الذي وافق عليه مجلس النواب، بالاستغناء عن نواب رئيس الجمهورية، باعتبار ذلك مخالفة للمادة 69  من الدستور التي الزمت مجلس النواب اصدار قانون ينظم احكام اختيار نائب أو اكثر لرئيس الجمهورية، مخالفا لأحكام قانون نواب رئيس الجمهورية رقم (1) لسنة 2011 الذي نظم آلية اختيار وإعفاء نواب رئيس الجمهورية، والذي حدد عددهم بان لا يزيد عن ثلاثة نواب وأن لا يقل عن واحد[15].

وقد أثيرت حول حلول رئيس مجلس النواب محل منصب الرئيس عند حالة الخلو وعدم وجود نائب للرئيس بعض التساؤلات ([16])، أن يحل رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية عند عدم وجود نائب له، خلال فترة الخلو؛ حيث يلاحظ في ذلك خرق واضح لمبدأ الفصل بين السلطات، الحقيقية أنه من غير المعقول إسناد مهمات رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس النواب المكلف بانتخاب رئيس الجمهورية الجديد لذات الشخص ([17]).

تمنح  دساتير بعض الدول مهمات رئيس الجمهورية عند خلو المنصب إلى رئيس الغرفة الثانية من السلطة التشريعية حتى انتخاب رئيس جديد، وعادةً ان هذه الغرف التشريعية لا تسهم بشكل مباشر في انتخاب رئيس الجمهورية؛ فالقانون الأساسي الألماني لسنة 1949 ألزم رئيس اتحاد الولايات (البوندسترات)، أن يحل محل الرئيس عند خلو المنصب له حتى انتخاب الجمعية الاتحادية لانتخاب رئيس جديد([18])، وكذلك الدستور الفرنسي ألزم رئيس مجلس الشيوخ أن يحل محل الرئيس عند حالة خلو منصبه([19])، وبوضع متقارب أيضاً؛ فقد أوكل الدستور الهندي لرئيس مجلس الولايات ممارسة مهمات الرئيس عند حالة خلو المنصب حتى انتخاب رئيس جديد للدولة ([20])، وكذلك منح الدستور الإيطالي لرئيس مجلس الشيوخ قبول مهمات رئيس الجمهورية عند خلو المنصب([21])، ويدعو رئيس مجلس النواب إلى انتخاب رئيس جديد، ومن هذا فإن من الطبيعي أن يوكل لرئيس أحدى غرف السلطة التشريعية مهمة رئيس الدولة، عند حالة خلو المنصب، وهذا لا يضر من مبدأ الفصل بين السلطات؛ لأن من سمات النظام البرلماني هناك علاقة تعاون متبادلة ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

إن تكليف رئيس مجلس النواب مهمة رئيس الجمهورية عند خلو المنصب في الدستور العراقي، جاء بفعل عدم تفعيل المنصب الدستوري الخاص بمجلس الاتحاد، فإذا صدر قانون مجلس الاتحاد، سيكون رئيسه هو الأولى بهذه المهمة بعد أن يقوم المشرع العراقي بتعديل النص الدستوري بما يعزز من وجود هذا المجلس ومكانته، ويمكن أن يغني عن أعباء منصب نائب الرئيس ونفقاته.

الهوامش

([1])المادة 69 ثانياً من الدستور العراقي لسنة 2005.

([2]) البند الأول، المادة 75 من الدستور العراقي سنة 2005.

([3]) المادة 110 من قانون رقم 1 لسنة 2016 بإصدار اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري المنشور في الجريدة الرسمية العدد 14 مكرر ب الصادر في 13 نيسان 2016.

([4]) الباب الثاني، المادة الأولى من الدستور الامريكي سنة 1787.

([5]) البند 2 المادة 92 من الدستور الروسي لسنة 1991.

([6]) المادة 160 من الدستور المصري لسنة 2014.

([7]) المادة 7 من الدستور الفرنسي لسنة 1958.

([8]) المادة 84 من الدستور الصيني لسنة 1982.

([9]) د. علي يوسف الشكري، العجز الصحي لرئيس الدولة، دراسة دستورية مقارنة، مجلة كلية الاسلامية الجامعة، النجف الاشرف، الاصدار13، السنة 2010، ص 74.

([10]) البند ثالثاً، المادة 75 من الدستور العراقي لسنة 2005.

([11]) البند 1 المادة 5 في قانون نواب رئيس الجمهورية رقم 1 لسنة 2011.

([12]) البند ثالثاً في المادة 5 من قانون نواب رئيس الجمهورية رقم 1 سنة 2011.

([13]) البند رابعاً المادة 75 في الدستور العراقي لسنة 2005.

([14])  http://www.alhurra.com/content/iraq-sweeping-reform-wbadi/277817.html

([15] ) حكم المحكمة الاتحادية العليا العدد 119 / اتحادية / 2016 في 10/10/2016،  الخاص بإلغاء قرار مجلس الوزراء الذي الغى منصب نواب رئيس الجمهورية.

([16])أحمد خورشيد حميدي، السلطة التنفيذية بموجب الدستور العراقي لسنة 2005، مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية، المجلد السابع/ العدد الثاني السنة السابعة 2012. ص7.

([17]) جتو اسماعيل حميد، السلطة التنفيذية في الدولة الفيدرالية واشكالياتها، المرجع السابق. ص171.

([18]) المادة 57 القانون الاساسي الالماني لسنة 1949.

([19]) المادة 7 من الدستور الفرنسي لسنة 1958

([20]) مادة 64 من الدستور الهندي لعام 1949.

([21]) المادة 86 في الدستور الايطالي لسنة 1948.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل