/
/
/
/

كنت في بدايات دخولي عالم الصحافة في الاشهر الاولى من سنة 1958، عندما اتيحت لي فرصة التعرف على الصحفي الكبير الراحل حميد رشيد. ولم أكن أدرك وقتها بالطبع اية شخصية فريدة هذه التي اتعرف عليها، واي انسان نبيل هذا الذي استقبلني ودودا بشوشا، وهو لم يكن قد رآني من قبل ولا بلغه عني سوى كوني "شابا آخر يسعى للعمل في الصحافة".
كان "أبو رياض" آنذاك واحدا من ألمع صحفيينا العراقيين، وكان يشغل موقع سكرتير تحرير جريدة "الشعب"، التي كانت الى جانب "البلاد" و"الحرية" و"الاخبار" من أبرز الصحف البغدادية في حينه. وقد قصدته بناء على نصيحة زميله الصحفي المعروف ايضا آنذاك المرحوم صالح سلمان (صالح سليمان في وقت لاحق) الذي كان يعمل محررا في جريدة الحرية، وحاول ان يؤمّن لي فيها عملا بصفة "مصحح" فلم يتوفق.
ولم يقصر ابو رياض. عرض علي في الحال الكتابة للجريدة مقابل مكافأة (على القطعة)، وعرّفني على الصحفي الشاب محسن حسين الذي كان يتصدر الجيل الجديد النشيط في الجريدة، والذي أعانني هو الآخر ما استطاع. كما عرّفني لاحقا على مصور الجريدة المرحوم حازم باك. ولم يبق سوى ان اثبت انا قدرتي على الافادة من العرض، وأقدم مرة كل اسبوع مادة صحفية صالحة للنشر. وقد توفقت في ذلك نوعا ما، ونشرت لي الجريدة عددا من "الريبورتاجات" الناجحة نسبيا بمقاييس ذلك الوقت (كان الريبورتاج شكلا من الكتابة الصحفية يمزج بين التقرير والتحقيق الصحفيين).
وكنت محظوظا لان "اسطه" الصحافة حميد رشيد هو من كان يشجعني ويدعمني في خطواتي الاولى تلك.
لكني بتعرفي على أبي رياض ربحتُ ما هو اهم: صداقته. وذلك ما لم أدركه الا في وقت لاحق، بعد شهور من لقاءات كادت تصبح يومية، وبعد ان اطلعت من بعض معارفه على حقائق تتعلق به وبحياته وعمله وشيء من سيرته في السنين السابقة. وكان ذلك كله يعزز شعوري بالقرب منه، ويزيدني اعجابا واعتزازا به واحتراما له.
كانت تفصل بيننا أربع عشرة سنة، ففيما كان هو يعبر الثالثة والثلاثين لم أكن انا قد بلغت العشرين. لكنه، ببساطته وتواضعه الجم وروحه الفتيّة، لم يولِ ذلك اهتماما. كان يتعامل معي باعتباري صديقا. اما انا فصرت انظر اليه أكثر وأكثر كأخ كبير، وكمعلم ليس فقط في مجال الصحافة، وانما ايضا على المستوى الانساني.
كان ابو رياض صحفيا بارعا، راقي اللغة، متقن التعبير والصياغة. وهو على حد علمي الوحيد الذي كان يكتب عمودا "سياسيا" يتصدر الصفحة الاولى للجريدة، ينزل رشيقا من "الترويسة" حتى أسفل الصفحة، ولا يزيد عدد كلماته حسب ظني على مائة وخمسين. وقد جذبتني شخصيا لغة العمود وصياغاته، فصرت اقرأه لأتمتع بهما واتعلم منهما. لكنه لم يكن سياسيا كما يفترض (لذلك وضعت صفة "سياسيا" اعلاه بين قويسات). والسبب - كما فهمت لاحقا - هو ان ابا رياض، رب العائلة الحريص على الا يفقد عمله، كان يجد نفسه بين نارين: نار صاحب الجريدة الموالي للنظام الملكي ولأسياد ذلك النظام (يومها كان يدور في الوسط الصحفي همس مفاده ان جريدة "الشعب" لصاحبها يحيى قاسم هي جريدة السفارة البريطانية)، ونار مشاعره الوطنية والتقدمية العميقة الراسخة.
لذلك كان يخرج في عموده بكتابات صحفية لافتة في اتقانها، لكنها تخلو من موقف محدد وواضح في شأن القضايا السياسية القائمة. كان يتجنب الخوض وهو يكتب عموده في تلك القضايا من غير ان يثير الانتباه، او يمسّها ثم يبتعد مستثمرا براعاته اللغوية والصياغية الجاذبة للاهتمام.
الا ان صاحب الجريدة انتبه الى ذلك كما سمعت في ما بعد، وانه استدعى ابا رياض غير مرة وساءله بخصوص ما يريد ان يصل اليه ويقوله في عموده. ويبدو ان صاحبنا كان مقنعا بدرجة او بأخرى في ردوده وتوضيحاته، او ان صاحب الجريدة كان يدرك قيمة سكرتير تحرير جريدته، ولم يكن مستعدا للتفريط فيه!
وكان المرحوم حميد رشيد مثقفا واسع الاطلاع والمعرفة، يصعب ان تجد نظيرا له في الوسط الصحفي حينذاك (قبل ثورة 14 تموز 1958). ويبدو ان تمكنه من اللغة الانجليزية، الذي حققه بجهده ودأبه الشخصيين، اتاح له الوصول الى ما كان خيرة أقرانه من محبي الثقافة يعجزون عن مقاربته.
ولا بد لي من الاشارة هنا الى انه كان من القلة النادرة في العراق يومذاك، التي تتذوق الموسيقى الكلاسيكية الاوربية وتتمتع بالاستماع اليها، وان فضلا كبيرا في ذلك يعود الى اتقانه الانجليزية. فلولا ذلك لما استطاع الاطلاع على الكثير مما يتعلق بها وتحفل به كتب البحث والنقد الموسيقيين الانجليزية المتوفرة في "مكتبة مكنزي" مثلا.
واتذكر جيدا انه ترجم لي شفويا فقرة من أحد تلك الكتب، تتعلق بخاتمة السمفونية التاسعة لبتهوفن، التي جلست استمع اليها معه وانصت الى شروحه لها وتوضيحاته. وكان ذلك اوائل صيف 1959 في بيته الذي دعاني اليه خصيصا لسماعها. وكانت تلك اول مرة في حياتي استمع فيها الى مثل تلك الموسيقى.
على ان الفضل الاكبر في اهتمام ابي رياض بالثقافة وانغماره في عوالمها، يرجع على ما يبدو لي الى ارتباطه ايام شبابه بالحزب الشيوعي العراقي. وليست لدي اليوم، كما لم تكن عندي ايام تعرفي عليه، اية معلومات موثوقة في شأن ذلك الارتباط وطبيعته. وهل كان ارتباطا بالحزب نفسه، ام باحدى المنظمات القريبة منه، مثل اتحاد الطلبة. وانا على علم، استنادا الى تجربتي الشخصية في سنوات ما قبل ثورة 14 تموز، ان عضوية اتحاد الطلبة بحد ذاتها كانت توفر لحاملها فرص تثقيف وتنوير يعتد بها، فضلا عن فرص تمرين على القراءة الجادة المتعمقة وعلى الافادة منها في تثقيف الذات وتطويروتوسيع المعرفة.
والحقيقة ان ابا رياض لم يتحدث معي يوما في هذا الموضوع، انما سمعت (ولا اتذكر الآن ممن!) ما يشير الى انه كان على صلة بالشيوعيين والحزب الشيوعي. وكنت وما زلت كلما عدت بالذاكرة اليه، واستعرضت شخصيته وخصاله وسلوكه وحسه الانساني العميق، ووطنيته الاصيلة التي تجلت لي بعد ثورة 14 تموز خصوصا، اجدني أميل الى تصديق ذاك الذي سمعته عنه.
في هذه السنة، في ذكرى رحيله السنوية الخمسين، يبقى الصحفي والمثقف الوطني المخضرم حميد رشيد، بالنسبة اليّ، صديقا غاليا ومعلما راقيا وانموذجا للانسان الجدير بالاحترام والاعتزاز.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل