/
/
/
/

يا للعار! يا للعار! دولتنا دولة تجار!

... وكأنهم لم يكتفوا مما جنوه خلال السنوات الماضية عبر نهب المال العام، وتنظيم الصفقات المربحة، ووضع اليد على الأملاك البحرية والنهرية والمشاعات، وتنظيم التشريعات التي تسمح لهم باقتسام الغاز والبترول بعد الكهرباء ومشتقاتها من مولدّات ومعامل، ومعها النفايات وغيرها...، فإذا بهم، اليوم، يلجأون إلى كل أنواع الفساد المالي والاداري والسياسي وكأنهم بذلك يطبّقون المثل القائل "يا رايح، أكثر من القبايح"... بينما المدعي العام المالي، القاضي علي ابراهيم يستدعي البعض منهم فقط للتصريح بعد ذلك أن لا غبار على من استدعى في ظل عدم وجود أدلّة كافية!

بلد العجائب والغرائب هو لبنان، حيث المسؤول الأول لا يعرف ما هي مطالب الشعب الذي يحكم باسمه ولماذا يئن أبناء وطنه ولا يأتون إليه لشرح مشاكلهم، وحيث رئيس وزرائه (السابق) يشرح للناس، قبل استقالته بقليل ،أنه مسرور منهم لأنهم حققوا له أمنية كان ينتظرها منذ سنتين، ألا وهي إقرار كل الوزراء بضرورة بيع مؤسسات القطاع العام الانتاجية... ولا ننسى أن نضيف التصريحات التي صدرت عن قيادات مختلفة والتي تحمل بعض التهديد في طياتها، تارة بالحديث عن احتمال نشوب حرب أهلية طائفية جديدة، وطورا بالتنبيه من الدولة ستتوقف عن دفع الأجور والرواتب وبأن فالجيش سينقسم،إلى آخر المعزوفة المعهودة...

في فترة الخمسين يوما الماضية، وبموازاة الانتفاضة الشعبية الممتدة من أقصى شمال الوطن إلى أقصى جنوبه والتي حرّكت أكثر من ثلث المواطنين من ذوي الدخل المحدود وكل الفئات العمرية والطائفية والمذهبية، لم تترك الطغمة المسيطرة والحاكمة موبقة إلا وارتكبتها، بل لم تتوان عن تجاوز الدستور والقوانين في سبيل استكمال ما بدأته تحت عنوان الفساد والافساد واستخدام النفوذ... هذا، في وقت يعيش فيه اللبناني المتوسط الدخل، ومعه كل من هم في أدنى درجات الهرم، حالة من العوز و"ضيق ذات اليد" أوصلت أربعة منهم إلى الانتحار وعدد ليس بقليل إلى التهديد بإنهاء حياته، والحبل على الجرار.

من بين تلك التجاوزات والموبقات، سنتوقف عند أبرزها، أي تلك التي تشكّل الوجه الأبشع والأكثر فجاجة، والتي لم تتجرأ بعض الديكتاتوريات في جمهوريات الموز أن تقوم بها:

أول تلك التجاوزات تتلخص في القفز فوق المادة 53 من الدستور، وبالتحديد الفقرتين الثانية والثالثة اللتين تقولان بأن رئيس الجمهورية "يسمّي رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادا إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها"، وبأن رئيس الجمهورية يصدر مرسوم تسمية رئيس الوزراء منفردا"؛ بينما الذي حصل حتى الآن هو رمي أسماء عديدة في سلة المسترئسين، وفي غياب مجلس النواب، بعد حفلة ذهاب وإياب بين قصر بعبدا وبيت الوسط ومقر رئيس مجلس النواب من قبل الوزير علي حسن خليل ومستشار الأمين العام لحزب ﷲ الحاج حسين الخليل... وهكذا، عادت حليمة إلى عادتها القديمة، أي إلغاء الاستشارات الملزمة قبل تسمية الرئيس المكلف واستبداها بإعلان يقول ان الرأي استقر على سمير الخطيب "وتفضلوا يا نوّاب إلى بعبدا للادلاء برأيكم فيه".

أما التجوزات المالية، فيحكى عنها الكثير الكثير، بدءا بما جرى من قرار الموافقة من قبل رئيس حكومة تصريف الأعمال على الزيادة المالية المطلوبة من القاضية الجديدة في المحكمة الدولية الناظرة بقضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وقبل ذلك بما اكتشفناه في مجال ما سمي "كسر احتكار الشركات المستوردة للنفط" من شروط عرقوبية وضعت أمام من يتقدم إلى المناقصة المطروحة من قبل وزارة الطاقة والمياه، ومنها إعطاء الحق للوزارة بعدم إرساء التلزيم على الشركة الرابحة" والطلب إلى العارض أن يتنازل مسبقا عن حقه في تحديّ قرار الوزارة أو شروط المناقصة في أي محكمة... إلخ. ولا ننسى ما تناقلته بعض وسائل التواصل الاجتماعي عن صفقة "بالتراضي" قدرّت ب200 مليون دولار أميركي وتمت في إحدى الوزارات في حكومة تصريف الأعمال.

كل ذلك في وقت يعاد تذكيرنا بالاتهام بالرشوة الذي وجهه رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، في 13 تشرين الثاني 2010، لشركة خطيب وعلمي التي يديرها المرشح لخلافته ،وتتناقل وسائل الاعلام اللبنانية والعالمية أخبار الأموال الطائلة المهرّبة خارج لبنان والتي لو استعيدت لحلتّ الأزمة التي نغرق فيها اليوم، بل لعمت البحبوحة بلادنا وأراحت شعبنا المعذبّ... هذا الشعب الذي ازدادت معاناته من البطالة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الحاي، إذ أقفلت مئات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبعض المؤسسات الكبيرة، ورمت في الشارع أكثر من مئة وستين ألف عامل ومستخدم جديد؛ هذا، عدا عن التهديد بالاقفال الذي يصدر يوميا عن عدد من المؤسسات الأخرى، في وقت شحّت فيه السيولة النقدية وسمح للمصارف بوضع اليد على أموال المودعين وحتى بمنع الموظفين من سحب رواتبهم الموطّنة لديها أو في الحصول على بعض العملات الأجنبية إلا بالقطّارة أو بشراء تلك العملات من مراكز الصيرفة حيث المضاربات على قدم وساق وحيث سعر الدولار مثلا ازداد بنسبة تفوق الأربعين بالمئة، بما يعني تدهور القيمة الشرائية للأجور والرواتب بالمعدلّ نفسه.

وهنا يستحضرني نقاش جرى منذ بضعة أشهر مع حاكم مصرف لبنان الذي أجاب على أسئلتي بالتالي: "لا يمكن لنا التدخّل مع المصارف بالنسبة للفوائد المرتفعة، وكل ما يمكننا القيام به هو توجيه النصح لهم أن هذا سيؤدي إلى مشكلة؛ غير أن الوضع ممسوك بكل الأحوال ولن أسمح بعودته إلى ما كان عليه في العام 1992، عندما ارتفع الدولار بشكل جنوني بالنسبة للعملة الوطنية فضرب الأجور ومعها القدرة الشرائية للمواطنين وأدى إلى انكماش اقتصادي بقينا سنوات للخروج منه"...

أين ذهبت تلك الأقوال؟ وكيف انتقلنا من تلك التأكيدات العنترية إلى ما نحن عليه اليوم؟ وهل أن الحلول التي طرحت في رسالة حاكم مصرف لبنان بعد اجتماع قصر بعبدا لا تنذر بما هو أصعب وأدهى؟ بل أين هي خطة ماكينزي لهيكلة اقتصادنا الوطني التي كلفنا وضعها ما يقارب المليون ونصف المليون دولار؟

وحتى لا نسترسل كثيرا في التوصيف وفي ذكر الحقائق المرّة التي يعرف اللبنانيون القسم الأساس منها، لا بد لنا من العودة إلى الحل الكامن في تشكيل حكومة ذات صلاحيات استثنائية من خارج الطاقم السياسي الذي أوصلنا إلى الهاوية التي نحن فيها... على أن تكون المهمة الأولى لتلك الحكومة رسم خطة طواريء اقتصادية ومالية والبدء بتنفيذها فورا وقبل فوات الأوان.

خطة ترتكز إلى وقف، بل إلغاء كل الصفقات الحالية وتلك التي تمّت خلال السنوات الثلاث الماضية في مجال البنى التحتية وغيرها، وإعادة النظر بالعقود مع شركات الهاتف الخلوي وبدفتر الشروط الموضوع لتلزيم التنقيب عن الغاز والبترول، وبدء تنشيط القطاعات المنتجة من صناعة وزراعة وصناعات سياحية، وحماية المنتجات اللبنانية، الأمر الذي يساعد أيضا في إيجاد فرص عمل للذين أصابتهم البطالة وبخاصة الشباب من بينهم ،بالتزامن مع فتح ملفات التلزيمات، واسترداد الأموال المنهوبة، وفرض ضرائب استثنائية على أرباح المصارف والشركات المالية والعقارية... ولا ننسى مسألة تخفيض خدمة الدين العام وإعداد موازنة تقشّف للسنوات الثلاث القادمة.

هذا يعني بوضوح أن المراهنة على إعادة تدجين الشعب ونحر الانتفاضة الشعبية لن يجديا الكثير من النفع، وأن الحل يكمن أولا وآخرا في تغيير أسلوب الحكم بداية، على أن يتبع ذلك رفع الغطاء عن كل من تعاطى الشأن العام خلال الثلاثين سنة الماضية ووضع التوجهات السياسية التي تساعد على إعادة انتاج السلطة بما يتناسب وما مثلته الانتفاضة الشعبية من رفض للأشكال السابقة، وبالتحديد المحاصصة الطائفية والمذهبية التي انتهجها النظام منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا والتي كانت السبب الأول والأساس في كل الأزمات وما نتج عنها من حروب مدمّرة وقاتلة.

في اليوم الثاني والخمسين على انطلاق الانتفاضة الشعبية

(7 كانون الأول 2019)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل