/
/
/
/

حينما شيّدت سلطات ألمانيا الشرقية "الاشتراكية " عام 1960 جدار برلين بغرض منع تسلل مواطني شطري المدينة الواحدة المشطورة بين نظامين سياسيين  من شطر لآخر لم يدر بخلد قيادتها الشيوعية حينئذ بأن هذا الجدار العادي التحصين إلا من علو ارتفاعه النسبي ستضرب شهرته الآفاق  في عالم السياسة ليكاد يضاهي شهرة  سور الصين العظيم التاريخية  ، أو هكذا شاء الغرب أن يجعل منه خلال أوج الحرب الباردة بين دول المعسكر الرأسمالي الغربي  بقيادة الولايات المتحدة ودول المعسكر الإشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي ، إذ اتخذه إعلام المعسكر الأول وكبار ساسته ومفكريه رمزاً لإنشطار العالم إلى  عالمين متميزين للقارة العجوز : عالم الدول الشيوعية الشمولية التي تفتقر للحرية والديمقراطية ويحكمها الحزب الواحد ، وعالم الدول الرأسمالية التي تتباهى بديمقراطيتها وقيمها الليبرالية ، كما أضحى الجدار أيضاً رمزاً ل " الستار الحديدي " المتمثل في التعتيم  المضروب على ما يجري من حياة سياسية واجتماعية داخلية يُغيّب فيها أي شكل من أشكال الشفافية  في ظل تلك الأنظمة الشمولية الدكتاتورية  . ومن هنا بالضبط يمكن فهم أيضاً الشهرة المدوية لإسقاطه  قبل ثلاثة عقود من الآن إذ تم تصويره وكأنه أسطورة لسقوط واحد  من أعتى حصون العالم مناعةً . 

واليوم إذ تمر ذكرى هدم الجدار  لا يكاد المرء يصدّق أن ثلاثين سنة  طُويت على هذا الحدث الكبير الذي يبدو وكأنه وقع بالأمس أو قبل بضع سنوات قليلة خلت بينما العالم شهد جملة  من المتغيرات العالمية المدهشة في تسارعها بعد انهيار الجدار ، فانهيار أنظمة دول المعسكر الاشتراكي برمتها في بحر عامين فقط من انهياره عام 1989 ، فزوال العالم الثنائي القطبية والحرب الباردة التي طبعت العلاقات الدولية في الصراع بين المعسكرين طوال ما يقرب من أربعة عقود ونصف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ( 1945- 1990 ) . 

كانت دول المنظومة  الإشتراكية  قبل نحو ثلاثين عاماً غداة انشاء الجدار تُبشّر بقيادة الاتحاد السوفييتي بقرب تحوّل المجتمع السوفييتي إلى المجتمع الشيوعي باعتباره يشكل أرقى مراحل الاشتراكية في نضج ووعي الإنسان السوفييتي وتمتعه بالاخلاق والمُثل الاشتراكية في التجرد ونكران الذات من أجل العيش المشترك في بحبوحة المجتمع الشيوعي الجديد المرتقب ،  وتحقيق المبدأ العظيم " من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته " حسب مقررات وتقديرات المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي الحاكم ، وما هي إلا ثلاثون عاماً فقط حتى تبخرت كل تلك الأحلام الأكاذيب ليصحو اليسار في العالم المتأثر بماكينة الدعاية الرسمية للدولة السوفياتية على فقاعة أكاذيبها وتضليلها التي دبجت بها مئات الكتب التي ألُفها كتبة جيش جهازها  البيروقراطي المؤتمر من الجهات المختصة في الحزب الحاكم وتمت ترجمتها إلى مختلف اللغات ومنها لغتنا العربية . لكن في المقابل ما هو حال الألمان الشرقيين بعدما تبشيرهم بالرخاء والحرية التي بشرتهم بها الدعاية الألمانية الغربية والرأسمالية بعد ثلاثة عقود من ذلك الحدث السياسي الكبير الجلل في أواخر القرن الفائت ؟ هل تمكنت بالفعل دمجهم دمجاً خلاقاً في مجتمعها الرأسمالي السعيد الذي يرفل بثياب البحبوحة من الحرية والرخاء والتطور ؟ 

لعل من المدهش أن فترة ما يقرب  من خمسة وأربعين عاما من البناء الاشتراكي 1945 - 1990 ) تحت نظام شمولي رغم كل ما يشوبه من ثغرات وعيوب كانت كافية بل أشبه بالدهر الطويل في طبع سمات خاصة للإنسان الألماني الشرقي  اجتماعياً وثقافياً حتى مع كل شكاواه  ومآخذه على الاخطاء التي ظل يعاني منها طوال تلك الحقبة . ولقد فشلت السلطات الجديدة الألمانية الرأسمالية في دمج هذا الإنسان الألماني الشرقي والتخفيف من حدة شعوره بالاغتراب فيه ، كما فشلت في تحقيق له أبسط الأماني التي كانت تدغدغ أحلامه غداة سقوط "الجدار " ناهيك عن معاناته من النظرة الدونية إليه كإنسان من العالم الثالث المتخلف مقارنة بالإنسان الألماني الغربي الأكثر تحضراً وديمقراطيةً وتطوراً . وعشية هذه الذكرى لم يجد رئيس الكتلة البرلمانية  لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم مناصاً من الاعتراف بأن الألمان الشرقيين تم إهمال احتياجاتهم في السكن والعمل في عملية الدمج بين الشطرين  . كل ذلك أفضى لجعلهم مرتعاً بأن تتلقفهم التيارات اليمينية المعادية للمهاجرين ممثلةً على وجه الخصوص في حزب البديل ، تماماً كما هو الحال في أغلب بلدان المنظومة الاشتراكية الاخرى .   

و يعترف تقرير رسمي صدر عن ألمانيا الاتحادية ونشرته مؤخراً  قناة DW في الذكرى الثلاثين لسقوط الجدار  بأن ما يقرب من 60% من المواطنين الألمان الشرقيين ما زالوا يشعرون بأنهم يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية ، وأنهم غير راضين عن الديمقراطية التي حلموا بتذوقها والنقيضة لما وجدوها مطبقة في المجتمع الألماني الغربي الذي تم دمجهم فيه . وهذا ما استخلصه بالضبط تقرير آخر لقناة فرانس 24 التي أعرب الكثير ممن استطلعتهم من سكان برلين الشرقية عن شعورهم بالأحباط الشديد من عملية التوحيد القسرية السريعة التي جرت لشطري المدينة بعد إسقاط الجدار ؟ وحذّر التقرير بأن احباطهم المزمن بات يشكل فرصة ليتلقفهم اليمين المعادي للهجرة  بغية إلقاء  تبعية أحوالهم المعيشية المتدهورة على المهاجرين بدل من أن يكون ذلك مدعاة لتوحيد جهودهم مع أشقائهم الألمان الغربيين ضد الطبقة الرأسمالية الحاكمة التي فشلت في إدماجهم وتوفير لهم كل سُبل العيش بكرامة كمواطنين أسوياء ينعمون بالمساواة مع بقية المواطنين . 

وإذا كان هذا هو حال مواطني ألمانيا الشرقية في المجتمع الألماني الموّحد في عالم ما بعد سقوط جدار برلين فكيف بات العالم على الصعيد الدولي بعد ثلاثين عاماً من انتهاء الحرب الباردة وزوال العالم الثنائي القطبية وحيث بشٌر منظّر الرأسمالي الأميركي فوكو ياما بعد انهيار الجدار بنهاية التاريخ ؟ لقد حافظت الدول الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة على بقاء حلف الناتو الذي تشكل في الأساس لمواجهة الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي لحاجتها إليه لعدو بديل عن العدو الشيوعي . و لكن أي مراقب يتحلى بأدنى قدر من الموضوعية يقارن بين عالم ما قبل الحرب الباردة والنظام العالمي الثنائي القطبية الذي ساد العالم على مدى أربعة عقود ونيف منذ الحرب العالمية حتى أواخر ثمانينيات القرن الآفل بعالم ما بعد الحرب الباردة وزوال النظام الثنائي القطبية سيستنتج أن العالم مع وجود المنظومة الإشتراكية ووجود الاتحاد السوفييتي السابق -كقوة عظمى ثانية - في الامم المتحدة وعلى الساحة الدولية كان أكثر سلماً وأكثر عدلاً لدوره في نصرة قضايا حركات التحرر في العالم ، وأنه بناءً على التجربة المريرة التي مر بها الاتحاد السوفييتي  من الدمار الهائل الواسع الذي لحقه في الحرب العالمية الثانية جراء هجوم ألمانيا النازية وما خسره من أعداد كبيرة في الأنفس ناهز عددها أكثر من عشرين مليون قتيل أصبحت قياداته أكثر شعوراً بالمسؤولية في تفادي الحروب الاقليمية وحتى المواجهة مع غريمته الولايات المتحدة التي خاضت كل حروبها على أراضي الغير خارج أراضيها وظلت لعقود طويلة بمنأى عن عن الشعور بالمسؤولية عن أضرار الحرب الجمة والشعور بعواقبها . 

لقد بات عالم اليوم من الخطورة  بما لا يُقارن بزمن الحرب الباردة ،  إذ ينذر بمخاطر جمة في ظل توحش الرأسمالية العالمية وتفرد الولايات المتحدة بالهيمنة الكونية في العالم ، بات ينذر بمزيد من كوارث الحروب الاقليمية والدولية التي لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، كما بات العالم أكثر تلوثاً بفعل الشركات الكبرى ومصانعها الملوثة للبيئة والتي تتمتع بحماية الدول الرأسمالية الكبرى لها ، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لم يشهد العالم لرئيس لها بهذا الفجور والتفسخ والضحالة والغرور كرئيسها الحالي دونالد ترامب الذي لا يتورع بكل وقاحة عن التلذذ في إذلال حلفائه الخليجيين على الملأ ويبتزهم بذريعة قذرة يستغبي العالم بها ألا هي  أن عليهم أن يدفعوا مقدماً نظير دفاع الولايات المتحدة عن أنظمتهم مجاناً  ، فكأنما الولايات المتحدة ظلت تعمل على امتداد عقود طويلة كجمعية خيرية في الدفاع المجاني وتقديم الاسلحة المجانية لحلفائها، وليس من خزائن أموال شعوبها التي تُصرف بلا حسيب أو رقيب في ظل أنظمة أستبدادية وراثية  غير ديمقراطية . ولو بحث العالم عن رئيس امريكي يمثل تفسخ وانحلال الرأسمالية العالمية المتوحشة في طورها الأخير المتعولم في ظل النظام الدولي  الجديد ، بلا مواربة وبلا رتوش بانحلالها وتجردها من كل القيم الإنسانية والليبرالية فلن يجد أفضل من الرئيس الحالي الذي يمثله ترامب الذي باتت طريقة إدارته للبيت الأبيض وبلاده لا تختلف البتة عن طريقة إدارة شركاته العقارية  . 

وأنها لمفارقة غريبة حقاً أن الدولة العظمى المتفوق في كل شيء عن دول العالم والتي هي أيضاً من أوائل دول العالم في إعداد قيادات الادارات عاجزة عن أن توصل للبيت الأبيض رئيساً يليق بسمعتها ومكانتها الدولية ، وذلك بالنظر لجهل رئيسها الحالي  المريع بدول العالم والقضايا الدولية المعاصرة . وإذا كان العالم قد تعوّد في زمن النظام الدولي الثنائي القطبية على سماع التهمة التقليدية  المبتذلة لتفسير أي مظاهرات مناوئة للرأسمالية عن دور الاتحاد السوفيتي أو الأحزاب اليسارية الموالية له في تنظيمها فإنه بات من المقطوع به اليوم أن نسمع احتجاجات عالمية شبابية ضد شرور الرأسمالية تأتي من مواقع مختلفة في بلدان العالم بدون أن تكون بالضرورة يسارية أو اشتراكية أو متأثرة بفكر وشعارات هذه الأحزاب .  إن كل ذلك ليفرض بطبيعة الحال أهمية الحاجة الملحة لتوحيد جميع القوى المعادية للرأسمالية والمتضررة وصولاً لإقامة أكبر جبهة عالمية تنضوي تحتها كل المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والاحزاب من أجل تخليص العالم من الغول الرأسمالي المتفرد ليس بتقرير مصائر شعوب العالم بهيمنته الكونية بل ومصير الكرة الأرضية برمتها التي يعيش فوقها مليارات البشر في مختلف أرجاء العالم .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل