/
/
/
/

بعد الاحداث المؤسفة التي رافقت مظاهرات مطلع شهر تشرين الاول 2019 احتجاجا على الاوضاع السياسية والاقتصادية التي يشهدها العراق منذ عقد ونصف، وراح ضحيتها عشرات الشهداء والاف الجرحى على نحو مروع، يتكرر المشهد من جديد في المظاهرات التي عادت في 25 اكتوبرـ تشرين أول 2019 للشوارع في العديد من المحافظات لعدم ايفاء السلطة بوعودها الاصلاحية بشكل حازم على الصعيدين الحكومي والمؤسساتي وبطريقة تتناسب مع اولويات تحقيق المطالب العاجلة. بدلا عن ذلك قامت بإجراءات ترقيعية لا صلة لها بتدهور الاوضاع الاقتصادية والسياسية والمجتمعية وهدر الاموال وتفشي الفساد المالي والاداري الذي ينخر مؤسسات الدولة. أيضاً جحود الحكومات المتعاقبة وتسلط أحزابها على مدى أكثر من ستة عشر عاما على مقدرات الدولة والاستهتار بالمجتمع.
من جديد خرج الشباب للتظاهر سلميا في العديد من المدن العراقية للتعبير عن رأيهم ضد نظام حكم طائفي، لا يخدم ولا يقبل اي اصلاح في التركيبة البنيوية لمؤسسات الدولة والدستور، أو لملمة الاوضاع وتأسيس عقد اجتماعي ـ سياسي جديد، معاكس لما هو قائم ومضاد لطبيعته العقائدية والاثنية سيئة الصيت. بمعنى تغيير جاد لطبيعة نظام الحكم الذي لم يحقق طموحات المواطن والمجتمع وينهي الفوضى السياسية. أو أن يضع حدا للميليشيات المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة واخراج الميليشيات والقوى الامنية الايرانية والجيوش الامريكية من أرض العراق. ألا أن قوات الشرطة وعناصر الامن ومكافحة الشغب، وفي أماكن مختلفة، قامت وبأمر من جهات متعددة مسؤولة عليا كما تشير التقارير، بتوجيه السلاح على المتظاهرين العزل مما ادى الى سقوط أكثر من 112 شهيد وجرح اكثرمن 2700 متظاهر منذ 25 اكتوبر بمن فيهم بعض الصحفيين بالاضافة الى عمليات الخطف والاعتقال. ولا نعتقد أنه من الممكن تقييد هذه الممارسات الاجرامية أو التخلي عن مظاهرها مستقبلا ما لم يتم محاسبة المسؤولين عنها وكشف المتسترين عليهم.     
لقد عمد قادة الاحزاب، الشيعية والسنية والكردية، منذ استيلائهم على السلطة بطريقة تشوبها الكثير من العيوب القانونية في ظل دستور غير شرعي وضعته أيادي غير عراقية دون استفتاء شعبي عام. الى التظليل واشاعة الفوضى السياسية الخلاقة بشكل منظم جعلت المواطن لان يكون لفترة طويلة مضطرا للقبول بالامر الواقع. وأصبح اقرب لان يوصف بعبد لا سيد نفسه. يحق له ان يقرر مصيره أو يرفض حكماً مستبدأ سلبه مستقبله وقيم الحياة بطريقة تتعارض مع المفاهيم الانسانية والاخلاقية. بل تميز الوضع مع الزمن وفقا لنظرية "التوازن الفعال" التي يتعكز عليها اصحاب السلطة بثلاث اشكال سلبية خطيرة "الطغيان وحكم الاقلية والطائفية". 
وبات واضحا بأن الفوضى السياسية في العراق هي نتيجة ممارسات متأصلة في عقول طغمة مافيوية فاسدة لا تفهم في السياسة شيئا، وصلت الى دفة الحكم في لحظة لم تتوقعها، وان الاحزاب التي تنتمي اليها ما هي الا شركات عصبوية. بيد أن النظام الطائفي الذي ولد من رحم العملية السياسية الفاشلة، لم يأت لحد اللحظة بمجلس نيابي "برلمان"، يشهد له بالنزاهة والاخلاص والمهنية والروح الوطنية. بل يخضع لارادة طغمة همها الاستئثار بالمقعد النيابي بأي ثمن لتستطيع ممارسة الاحتيال المنظم واستباحة القانون واتهام اي حراك للاصلاح وتشويه سمعة الخصم السياسي حينما يتعلق الامر بالعدالة وحكم القانون وحقوق الانسان بشكل رسمي طالما يتعارص مع مباديء النزاهة واداء القسم.
في فلسفة السياسة لا يهم بأي يد تكون السلطة ما دام الوصول للحكم بطريقة شرعية وفق قانون انتخاب عصري ودستور حضاري يضمن حقوق المواطنين ويلامس مصالح البلد العليا. إنما يجب أن تتضاءل القوة المفرطة بحق المواطنين في أي ناحية وتحت اي ظرف كان.. ان ما حدث خلال أيام التظاهرات من قتل وصدامات دامية راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى لم تهز ضمائر المسؤولين في ادارة الدولة والتحري عن من قام بممارستها طوعا، لا بل تركوا انطباعاً وكأنهم سعداء لسيل الدماء.
في ظل وضع سياسي معقد كالذي يمر به العراق منذ اكثر من ستة عشر عاما حيث لم يحصل المواطن على أبسط حقوقه. فيما يخرج المتظاهرون للشوارع احتجاجا على سوء الاوضاع وإنعدام العدل وغياب دولة المواطنة والسلم الاهلي وحرية التعبير، دون جدوى. لا اعتقد ان هناك سبيلا امام المتظاهرين لتجنب استمرار الثورة، الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق من يد طغمة فاسدة. وعليهم أن يواجهوا ولا يرتعشوا أمام خطر سكين الجَراح، كما وعليهم ان يدركوا بأن لا عبد المهدي ولا غيره مَن كان في السلطة قادر على الاصلاح او التغيير لانهم جميعا متورطون بالفساد ويتبادلون الابتزاز لاجل مصالحهم المصيرية. ولا يفوتنا كيفية فهم الواقع السياسي الذي تبني عليه بعض القوى مواقفها الطائفية عندما تصف التظاهر: بأنه مشاكل داخل البيت الشيعي وتصفية حسابات لا مصلحة للسنة فيها و " احنا ما عدنا شغل بيهم" كما يقول النجيفي!!.
ان كسر حاجز الخوف ومواجهة نمط حكم غير تقليدي وعقد سياسي سيء في بلد تحكمه رؤوس خاوية لا يهمها الا مصالحها. ومجلس نواب ليس لديه القدرة لان يكون اساساً لبناء الدولة وحل مشاكلها وليس اعادة انتاجها بإستمرار. يفترض ان تكون المرحلة القادمة للمظاهرات مرحلة حاسمة من شأنها ايجاد قيادات فيها من الخبراء والمستشارين الضليعين في علم السياسة والاقتصاد والقانون لتنير الطريق الذي يجب ان تعمل به قوى الحراك لتحقيق أهدافها. واذا كان موعد وأسباب التظاهر في العراق ولبنان مشتركة، لكن اختلاف في التعبير والتداعيات. ينبغي على المتظاهرين العراقيين الشباب تحديد مطالبهم وضبط ايقاعها على نحو مسؤول.
ان اولى المهام التي على المتظاهرين القيام بها: مركزية المطاليب وتوحيدها، أيضا إيجاد آلية إيصالها لاصحاب القرار ووسائل الاعلام عبر ممثلي التنسيقيات في عموم البلاد.. ان ثمة مطاليب آنية ليس من المقبول ترقيعها او المساومة عليها. اذ انها مفصلا هاما في مسيرة الحراك وديمومته لتحقيق هدف التغيير والاصلاح وأهمها: إقالة الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني مصغرة لتصريف الاعمال من شخصيات وطنية كفوءة مشهود بنزاهتها واخلاصها. اقرار قانون "من اين لك هذا" والعمل به فورا ورفع السرية عن ممتلكات موظفي الدولة حنى الدرجة الرابعة ومحاربة الفساد الاداري والمالي وتقديم الفاسدين للقضاء. استرجاع العقارات والاموال المنهوبة في الداخل والخارج. اصلاح القضاء وعزل الفاسدين والمنتفعين والمتحزبين. حل لجنة النزاهة ومسائلة منتسبيها الحاليين والسابقين. تعديل الدستور جذريا واصدار قانون انتخابات وأحزاب جديد. حل المفوضية العليا للانتخابات. خفض رواتب التواب والوزراء ومن الدرجات العليا الى النصف والغاء قانون التقاعد الخاص بهم. حل البرلمان ومسائلة منتسبيه الحاليين والسابقين واستعادة اموال وممتلكات الدولة منهم. والاهم وضع جميع مؤسسات الدولة تحت سلطة الرقابة المشددة قانونيا وقضائيا ومحاسبة من يخل بالتزاماته الوظيفية مهما كان موقعه.
هكذا فقط نستطيع ان نبني الدولة المدنية المعاصرة ونضمن حقوق الشعب ومصالح الوطن.!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل