/
/
/
/

تمر البلاد هذه الايام في اوقات صعبة ومحرجة بعد اندلاع الاعمال الاحتجاجية المشروعة من قبل الجماهير في بغداد وعدد من المحافظات والمدن الاخرى في الاول من تشرين الاول الجاري وسقوط العشرات من الشهداء وآلاف الجرحى من المحتجين والقوات الامنية نتيجة الاستخدام المفرط للقوة من القوات الامنية، وصدور العديد من البيانات المطالبة بتشكيل حكومة تستجيب لمطالب المتظاهرين وعموم الشعب، تم اعداد هذه المادة الدستورية والقانونية لإقالة الوزارة والتي تتضمن: مدخل نطري عام، تنظيم إجراءات سحب الثقة من الوزارة والنتائج المترتبة عليها.

المدخل النظري:

تكون الوزارة مسؤولة عن جميع تصرفاتها امام مجلس النواب في ظل النظام البرلماني، وان الوزارة التي استمدت وجودها من موافقة البرلمان عليها، له الحق بسحب الثقة منها، إذا ما انحرفت عن برنامجها، ويتم ذلك من خلال سحب الثقة من الوزارة كاملةً، او لأحد الوزراء.
وان المقصود بسحب الثقة هو ان يفقد رئيس مجلس الوزراء او الوزير السلطة، إذا لم تعد مؤيدة بثقة البرلمان، وان طرح الثقة برئيس مجلس الوزراء تعني طرح الثقة بالوزارة جميعها على اساس تضامن الوزراء في السياسة العامة التي يتخذونها في إدارة الشؤون العامة في البلاد. عند بداية تشكل النظام البرلماني كان لرئيس الدولة سلطة تعيين الوزارة وعزلها، ومع انتشار قيم الديمقراطية والحرية وسيادة الشعب وانه مصدر السلطات، وتأسيس الاحزاب السياسية وتنامي دورها في المجتمع وداخل البرلمانات وظهور الاغلبية والأقلية داخلها، تضاءلت سلطة رئيس الدولة حتى أصبح دوره في الاغلب شكليا ومجرد رمز للدولة، فأصبح زعيم الاغلبية هو الذي يشكل الحكومة ويعيد تشكيلها إذا اقتضى الامر ذلك، حتى انقضاء مدة الدورة الانتخابية.
وبقي لرئيس الدولة دور مهم في تعيين الوزارة وعزلها في بعض الدول البرلمانية التي تتميز بوجود أكثر من حزبين في البرلمان، وعندما لم يحظ أحد الاحزاب بالأغلبية عند إجراء الانتخابات التي تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده، فيقع على عاتق رئيس الدولة مهمة اختيار رئيس يستطيع تشكيل وزارة ائتلافية تحظى بموافقة البرلمان.
وتحدث احيانا تفككات داخل الحكومات الائتلافية عند انسحاب بعض الاحزاب نتيجة لتغير في نهج الحكومة، مما يعرضها الى فقدان الاغلبية التي كانت تتمتع بها، ولرئيس الدولة في تلك اللحظات الصعبة دور مهم لاستقرار الحكم باختيار وزارة تقوم بواجباتها في تلك الظروف العصيبة وقادرة على كسب ثقة البرلمان قدر الامكان.
وتتم إقالة الوزارة من قبل رئيس الدولة عند حدوث اوضاع طارئة، مراعاة لاتجاهات الرأي العام لتحقيق رغبات الشعب وللصالح العام، فمن غير المناسب العمل لإقالة وزارة مدعومة من الاغلبية، إلا إذا تبين وتيقن ان وضع الوزارة الحالي لم يعد يعبر عن رأي الشعب، وان هذا التصرف سيقابل بالارتياح من مختلف قطاعات الشعب

تنظيم إجراءات سحب الثقة من الوزارة.

وقد نظم الدستور العراقي النافذ طريقة تشكيل الوزارة او عند إعادة تشكيلها وكذلك عند سحب الثقة منها وتشكيل وزارة جديدة، بشكل لا يقبل الاجتهاد والتأويل وقد ساعد على ذلك بعض الاحكام الصادرة عن المحكمة الاتحادية، وكذلك النظام الداخلي لمجلس النواب.
فقد تضمن البند ثامناً من المادة 61 للدستور الإجراءات الخاصة بسحب الثقة من الوزراء ورئيس مجلس الوزراء ومسؤولي الهيئات المستقلة والآثار المترتبة على ذلك، من خلال تحديد الجهة صاحبة السلطة للدعوة بطلب سحب الثقة، والجهة المُقررة لذلك، وأيضا نسبة التصويت لإقالة رئيس مجلس الوزراء والوزراء لكلٍ منهما والآثار المترتبة.

الجهة صاحب الدعوة لسحب الثقة

رئيس الجمهورية

لقد خص الدستور العراقي لرئيس الجمهورية سلطة تقديم الدعوة لسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، فقد جاء في المادة( 61/ ثامناً/ ب/1): لرئيس الجمهورية، تقديم طلب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، وهذا ما نصت عليه ايضا المادة (40/ اولاً ) للنظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2018.
ان هذا النص اتاح لرئيس الجمهورية حق تقديم طلب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء دون الحاجة الى الاستجواب وهو من أقصر الطرق لإقالة الوزارة، ويلجأ اليه رئيس الجمهورية عندما تمر البلاد في ظروف عصيبة وتحتاج الى السرعة والحزم في التعامل مع الاوضاع المستجدة، وان الوزارة لم تعد تمثل تطلعات الشعب ورغباته وغير قادرة على انجاز برنامجها في ظل تركيبتها الحالية.
وحال تقديم الطلب الى مجلس النواب، على رئاسة المجلس الدعوة لعقد جلسة للتصويت على سحب الثقة دون الانتظار الى رد من قبل رئيس مجلس الوزراء.

مجلس النواب

اعطى المشرع العراقي لمجلس النواب حق تقديم طلب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، فقد جاء في المادة( 61/ثامناً/ ب/ 2) من الدستور: بناءً على طلب خُمس( 1/5) اعضائه سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، ولا يجوز أن يقدم هذا الطلب إلا بعد استجوابٍ موجهٍ الى رئيس المجلس، وبعد سبعة أيام على الاقل من تقديم الطلب، وهذا ما اكدته المادة ( 40/ ثانياً) للنظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2018.
الملاحظ من هذا النص ان المشرع قد اشترط من اجل تقديم طلب سحب الثقة ان يقدم الطلب من قبل خُمس اعضاء مجلس النواب اي اذا كان عدد اعضاء مجلس النواب 329 نائب فيجب ان يوقع عليه اكثر من 66 نائب، غير ان طلب السحب لا يتحقق إلا بناء على استجواب صحيح ومستوف لشروطه يوجه الى رئيس مجلس الوزراء. وعلى مجلس النواب الالتزام بالمدة المحددة عند سحب الثقة وهي سبعة ايام في الاقل من يوم تقديم الطلب، وهذه المدة الزمنية وضعت لإعادة النظر في الوزارة، لدراسة موضوع السحب لتهدئة النفوس واتخاذ القرار في جو يسوده الهدوء دون اي استعجال.
لم يقيد المشرع العراقي رئيس الجمهورية او مجلس النواب عند طلب سحب الثقة بمدة معينة او موضوع محدد، وقد ترك ذلك لتقديرهما، حيث متاح ذلك في اي وقت، وكذلك عند اختيار اي موضوع في دورة الانعقاد السنوية أو الفصل التشريعي الواحد.

الجهة المقررة لسحب الثقة

لقد سمي النظام البرلماني لان البرلمان هو صاحب السلطة العليا بإقالة الوزارة، من خلال سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، وقد اخذ الدستور العراقي بجوهر النظام البرلماني عندما اناط بقاء او عدم بقاء الوزارة بمجلس النواب حصراً، وهذا ما جاءت به المادة( 61/ ثامناً/ ب/ 3) 2018: يقرر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه. وهذا ما جاء ايضا في المادة ( 40/ رابعاً) من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2018.
الملاحظ في هذا النص انه الى جانب اعتبار مجلس النواب صاحبة سلطة سحب الثقة، لكنه اشترط ان تكون نسبة التصويت بالأغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب أي: أن قرار سحب الثقة ليس بالأغلبية المطلقة للحاضرين لجلسة مجلس النواب كما هو في النظام البريطاني، إنما الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب الكلي كما جاء في الرأي التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا، ولذلك ان الاعضاء المتغيبين والممتنعين عن التصويت على قرار سحب الثقة يحسبون الى جانب الوزارة ، وبهذا ان قرار سحب الثقة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 329 في دورة 2018 يكون بحاجة إلى أكثر من 165 صوت من أجل سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.

الاثار المترتبة على سحب الثقة

عالج الدستور العراقي الاثار المترتبة عند التصويت على سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء باعتبار الوزارة مستقيلة بالكامل من تاريخ التصويت وهو الاثر الاول، وهذا ما جاء في المادة ( 61/ ثامناً/ ج ) : تُعدُّ الوزارة مستقيلة في حالة سحب الثقة من رئيس مجلس النواب، وهو ما أكدته المادة 41 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2018.
اما الاثر الثاني فهو تحويل الوزارة بأكملها الى وزارة لتصريف الامور اليومية، لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، الى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لأحكام المادة 76 من هذا الدستور، وهذا ما جاء في نص المادة ( 61/ ثامناً/ د ) والذي اكدته المادة 42 من النظام الداخلي لمجلس النواب.
ومما يؤخذ على الدستور العراقي النافذ عدم تطرقه اذا تم تجاوز المدة الزمنية المحددة لحكومة التصريف وهي ثلاثين يوماً ولم يتشكل مجلس وزراء جديد، مع وجود اختلافات زمنية مع المدد المنصوص عليها وفق المادة 76 من الدستور، ، ولا سيما أنه توجد سوابق لعدم احترام التوقيتات الزمنية التي نص عليها الدستور من قبل الكتل والأحزاب الفاعلة في مجلس النواب العراقي.
ان مبدأ استمرارية الدولة يتوجب استمرار الوزارة المستقيلة بتصريف الامور اليومية من خلال الاشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وينحصر عمل الوزارة في الاعمال الادارية البحتة وبما لا يعطل انتظام سير المرافق العامة.
وان الحل المناسب لتجاوز هذه الاوضاع المحرجة وتشكيل وزارة جديدة، هو بتحديد البديل لرئيس مجلس الوزراء قبل الدخول في إجراءات إقالته، وإلا ستدخل البلاد في دوامة من المفاوضات بين الكتل الرئيسة وسيتم تجاوز التوقيتات الدستورية مما يوقع الدولة في فراغ دستوري.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل