/
/
/
/

الجرائم التي أُرتكبت بحق المتظاهرين جريمة ضد الانسانية طبقا للوصف القانوني الدولي لها ولكن لما كان العراق ليس طرفا في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية الواقعة في لاهاي ولم يعتمد في تشريعاته الوطنية تجريما للوقائع التي تشكل جرائم ضد الانسانية باستثناء قانون المحكمة الجنائية العليا والذي انتهى العمل به لتعلقه بسقف زمني محدد متمثل بالجرائم الواقعة منذ سنة 1968 وحتى 2003، فان الجرائم التي ترتقي لوصف جرائم دُولية تخضع لوصف قانوني مختلف في العراق ويحكمها قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل وهذا يدل مرة اخرى ليست هي الاولى عن عجز التشريع العراقي من مواكبة الوقائع الفظيعة التي نظمها القانون الدولي ووضع لها اركان خاصة بها كجريمة الابادة الجماعية وجرائم الحرب وكذلك الجرائم ضد الانسانية موضوع هذا المقال.

الجرائم المرتكبة في العراق جرائم دُولية في وصفها وعادية عند المعاقبة عليها؟!

على الرغم من الجرائم التي ارتكبت بحق المتظاهرين تعد جريمة دولية (جرائم ضد الانسانية) إلا ان التشريع العراقي ومن ورائه القضاء العراقي يتعامل معها على انها جرائم عادية بسبب غياب التشريعات الكفيلة للتعامل مع الوقائع الفظيعة بانها جرائم دولية ولم تكن هذه الجريمة هي الاولى التي تم التعامل معها على انها جرائم عادية وانما سبقته عشرات الجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي التي ترتقي لمستوى الجرائم الدولية وتم التعامل معها على انها جرائم عادية كالجرائم المرتكبة من قبل التنظيم داعش والذي يتم محاكمة افراده وفق قانون مكافحة الارهاب رقم 13 لسنة 2005 وتعامل جرائمه كجرائم ارهابية وليست جرائم دولية (جرائم ضد الانسانية، جريمة ابادة جماعية، جرائم حرب، جريمة عدوان) وكذلك الحال بالنسبة لجرائم تنظيم القاعدة وغيره فجميعها وغيرها تم التعامل معها على انها جرائم عادية رغم ان المجتمع الدولي يتعامل معها على انها جرائم دولية فظيعة وجسيمة، وقضائنا العراقي بحكم العجز التشريعي وتقيده بمبدأ مشروعية الجرائم والعقوبات مُرغم على التعامل مع جميعها بانها جرائم عادية واضفاء الوصف القانوني الخاطئ لوقائع هزمت ضمير البشرية وأدمته!

وفي صدد الحديث عن الجرائم التي أُرتكبت بحق المتظاهرين فإنها تعد جريمة قتل عمد يعاقب بمقتضاها الجاني بموجب أحكام المادة 406 اذا اقترن فعله بسبق الاصرار او الترصد او استخدم مادة متفجرة او متفرقعة فادت الى القتل او ادى فعله الى مقتل شخصين او اكثر وغيرها من الظروف المنصوص عليها في المادة المذكورة، والعقوبة بموجب المادة المذكورة هو الاعدام شنقا حتى الموت او الاعدام او السجن المؤبد في حال توفر ظرف من الشق الثاني للمادة المذكورة، كأن يكون الجاني قاصدا قتل شخص فادى فعله لمقتل شخصين فاكثر، وفي حال كان القتل ناجم عن حالة انفعال آني نتيجة الاعتداء عليه فان المادة 405 هي الاقرب للحكم والتي جاء نصها ان من قتل نفسا عمدا يعاقب بالسجن المؤبد او المؤقت، والسجن المؤبد في القانون العراقي عشرون سنة اما المؤقت فما يزيد عن خمسة سنوات وحتى خمسة عشر سنة، ذلك اذا كان الاعتداء قد نجم عنه قتل وتحققت النتيجة ألا وهي الوفاة.

اما في بالنسبة للاعتداءات التي لم ينجم عنها الوفاة فان المادة 413 هي المعنية بها وعقوبتها الحبس او المادة 312 اذا نجم عن الاعتداء عاهة مستديمة وعقوبتها السجن المؤقت، أو الشروع بالقتل بدلالة المادة 31 من قانون العقوبات العراق النافذ والعقوبة هي السجن المؤبد أو المؤقت أو الحبس بحسب الاحوال والظروف والمادة القانونية التي اقترن بها الشروع.

ان المُسائلة الجزائية في هذه الحالات لا تقتصر على من باشر بارتكاب الفعل المادي وانما تتعدى لكل من امر بارتكابه و/ أو رضي ارتكاب الفعل ولا يمكن التهرب من المسؤولية وتبريرها او التهرب عنها بذريعة عدم العلم او اعطاء توجيهات مسبقة ينافيها الواقع وتجحضها الادلة، لاسيما اذا ما علمنا ان الجرائم ضد الانسانية من أبرز اركانها (بالنسبة لمن يسعى الى تضييق نطاقها كالدكتور محمود شريف بسيوني وغيره) أو شروطها (من يريد من توسيع نطاق انطباقها كلجنة القانون الدولي وغيرها من الممارسات الدُولية)، هي ان تلك الجريمة (ضد الانسانية) تعكس سياسة الدولة او الجهات المنظمة التي تنضوي تحت امرتها او تتفق مع سياستها، وان ارتكاب الفعل يكون بشكل واسع من حيث عدد الضحايا و/ أو ممنهج من حيث الوسائل المتبعة بارتكاب الجريمة ولا احد ينكر ان الجرائم التي أُرتكبت بحق المتظاهرين من قنص وتعنيف واعتداء كان ارتكابها ممنهجا ومدروسا ولا يمكن التعامل معها على انها قد جرت بصورة عفوية وانية وغير مسؤولة، فما بال القارئ الكريم ان تلك الوسائل الممنهجة نجم عنها اثار واسعة الاثر من قتل وايذاء.

القضاء الوطني أم هناك قضاء أخر سينظر بجرائم المتظاهرين؟!

ان من ارتكب الجرائم او ساهم فيها مساءل امام القانون والقضاء أيا كان مصدره (وطني أو دولي أو مختلط)!! وعلى مستوى القضاء المعني بالنظر بتلك الجرائم وغيرها فإننا لا نعلم مجرى الاحداث في المستقبل القريب واي القضاء سيُعنى بمحاكمة من ارتكبوا تلك الجرائم وغيرها من الجرائم التي لم ينال المتهمين فيها جزائهم العادل، هل القضاء الوطني ام الدولي بقرار من مجلس الامن استنادا للبند السابع من ميثاق الامم المتحدة، ام المختلط ونقصد به ان تتشكل المحكمة من قضاة وطنيين (عراقيون) واخرين اجانب يتمتعون بخبرة قانونية كبيرة لاسيما بأحكام القانون الدولي ويكون ذلك بقرار من مجلس الامن او وفقا لإجراءات يفرضها الواقع الدولي والوطني، لا يمكن التنبؤ بها فهي مرهونة بمجريات الاحداث المستقبلية لا سامح الله.

ولكن نشير الى امر في غاية الاهمية في ظل التحشيد لتظاهرات شعبية من المؤمل انطلاقها بتأريخ 25/ 10/ 2019 ونؤكد ان ارتكاب تلك الجرائم من قبل بعض حملة السلاح وقوة الامن لا يعني ان جميع قوى الامن على اختلاف صنوفها قد ساهموا بها او رضوا عنها فكثيرا منهم ابناء هذا البلد وغيرتهم لا تقل شأنا عن غيرة اي شاب وطني دافع بصدره لنيل الحقوق، والتظاهرات القادمة بعونه تعالى أيا كان مطلبها وموعدها ستبقى قوتها بسلميتها وحضارة شبابها الوطني والغيور، وبلا شك تحقيق العدالة بحق من اعتدى على قوة الكلمة سوف تتصدر تلك المطالب، واخر دعوانا حفظ الله العراق وشعبه، ورحم الله الشباب الغيورين شهداء القضية وسفينة الحرية ومفتاح نيل الحقوق.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل