/
/
/
/

بعد سقوط العشرات من الضحايا والمئات من الجرحى وإشتداد مظاهر العنف والمداهمات والاعتقال العشوائي الذي طال آلاف المواطنين من المتظاهرين السلميين في العديد من المحافظات ومنها العاصمة العراقية بغداد مدينة السلام والثقافة والعلم. هل يصدق العراقيون بعد، حسن نوايا قوم تسلقوا السلطة بعد غزو العراق في العام 2003 وانتزعوا أدواتها في لحظة ظرف استثنائي، إجراء اصلاح حقيقي في البلد وهم اللذين ومنذ مجيئهم لم يبقوا الله في معرفتهم ولم يحسنوا ما ينفع، يرتكبون الخطايا دون ان تثنيهم اي قيم للحد من نسبة الجور وأعمال السوء والخبث والقهر والدماء فيما يستسهلون قول: من يقف ضدنا فهو متآمر!!.    

في الدستور العراقي ورد "الشعب مصدر السلطات"، والمشرعون يتحدثون عن الالتزام بمبادئه تجاه الجميع دون تمييز أو استثناء أو مواربة!!. واذا ما كان الشعب مصدر السلطات، ونعني  "التشريعية والتنفيذية"، فلماذا لم يع هؤلاء المشرعون استغاثات الشعب على مدى خمسة عشر عاما من سوء الاوضاع وتراكمها على جميع المساحات والصعد؟. وان كان الدستور في العرف القانوني فيصلا لاحلال السلم الاهلي واعلاء شأن الحق وضمان حقوق الناس مهما اختلفت انتماءاتهم!!. فمن اعطى منتسي تلك السلطات الحق لشرعنة إستثناءات دستورية خاصة غير مقبولة، لا تتناسب مع الدخل العام للمواطنين كـ "الرواتب العالية وتنوع الامتيازات المالية والعقارية والمكافئات"؟ فيما يتعرض عامة الشعب لقهر وجوع وعراء وأمراض لا طائل منها. وتحت عباءة ذلكم الدستور تجيّر الطبقة الحاكمة القوانين والاموال والممتلكات لصالح مؤسسات مافيوية تمتلكها.. الخطير، أن هذه الطبقة الساقطة سياسيا قد جعلت من ممارساتها الاستنزافية أمرا طبيعيا. السبب الذي جعلها تستأثر البقاء في السلطة بالقوة على حساب قوت الشعب ودماء الضحايا وبناء البلد.  

قرار الشباب غير المنضوي الى اي جهة سياسية او حزب، النزول الى الشوارع عفوياً دون مشرفين او ممثلين يتحدثون باسم المتظاهرين. كان وهو "المهم" قرارا مثيرا اتسم بطابع ثوري سلمي ينم عن موقف وطني "مسؤول وثابت" في مرحلة عصيبة من تاريخ العراق تراكمت فيها مطالب الشعب العادلة دون انجاز يذكر. ظل الحراك إلى حد كبير في الايام الأولى بعيدا عن العنف والفوضى. بيد أنه اصطدم بردة فعل سلطوية مضادة تميزت بالعنف المفرط من قبل قوات الشرطة واجهزة الامن والميليشيات. واستعمل الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل والقنص عن بُعد. وللتنصل من مسؤوليتها اتهمت الحكومة العتيدة بمؤسستيها التشريعية والتنفيذية كعادتها المتظاهرين بالخارجين على القانون والمندسين والمتآمرين.

واذ كان الدستور والقانون ظاهريا يكفل حق التظاهر كما يؤكد على حرية المواطن للتعبير عن رأيه اينما يشاء. فما الذي استوجب لاصدار الاوامر بتوجيه السلاح الى صدور المتظاهرين العزل؟ وما الهدف الحقيقي من وراء حملات الملاحقة والاعتقال والترهيب؟. وان كانت مؤسسة الدولة تتعامل حقا بحسن النية مع مواطنيها، فلماذا توعز لقواتها والميليشيات المسلحة التابعة للاحزاب الحاكمة، باستعمال الاقنعة السوداء للتستر؟. في الدولة الديمقراطية التي يسودها القانون والعدل والمحاسبة، لا يستطيع اي مسؤول مهما كان منصبه وتحت اي ذريعة كانت، التجاوز "مجتمعيا واخلاقيا" على مبدأ القانون والدستور، وان حدث سيعتبر خيانة تتعلق بالشأن العام يعاقب عليها بلا رحمة امام القانون!.

اما في وضع سياسي معقد ونظام حكم طائفي راديكالي كما هو حال العراق، لا يسود فيه العدل والقانون، ويتعرض الانسان للخطر وتنتهك حقوقه وكرامته وتنتشر الفوضى وتسلب ممتلكات الدولة واموالها. لم يبق امام المواطن سوى الخيار الثوري بأي ثمن لمواجهة الظلم وفساد السلطة الذي لا ينتهي.. ونتيجة للصراع الطبقي القائم جدليا بين طرفين متناقضين في المواقف والممارسات والمناهج والرؤى. بين سلطة شللية ـ طائفية شوفينية تنظر لمصالحها الضيقة أولاً ومن هذه الزاويا حصرا، ومعارضة جماهيرية واسعة مسحوقة، همها الاصلاح والعدالة الاجتماعية وتحقيق السلم الاهلي والحفاظ على الوطن وأمنه. انطلقت المظاهرات هذه المرة بشكل مختلف ارتقى الى مستوى الاسطورة الوطنية بعيدا عن الايديولوجيا ومتناغمة موضوعيا مع طبيعة المرحلة التي نتج عنها تمرد السلطة على القانون والمجتمع باكمله بشكل فاق كل التوقعات، وجعل الاصلاح المرتقب من بعد 2003 في اتون المجهول.   

ان جزئية مفهوم الدولة والسلطة والموقف منهما في ظرف اشتدت فيه التناقضات بين اطراف الصراع خلال المظاهرات الاخيرة، كان من شأنها ان تفضي الى تحول حقيقي في حياة ومصير الآمة. فالدولة على اساس انها تعني مفهوم "الوطن"، قطعا،ً وجودها وامنها متأصل في جذور ابنائها. أما السلطة التي تتبجح بديمقراطية زائفة غير مكتسبة وتقوم بقمع شعبها وتسلبه قيمه وحقوقه، فمهما اشتد الضيم وطال الزمن سيكون سبيلهم  بالتاكيد زواله.. اذن التظاهرات وان كان عفويًة، فهي ولاول مرة اقتربت بوضوح من موضوعتين هامتين اعادتا للذاكرة انتفاضات العراقيين لاسقاط الدكتاتوريات: ظاهرة النهج الثوري لتحقيق التغيير، وتجلي الموقف الاخلاقي لتحمل مسؤولية الاصلاح .

السؤال؛ هل ستغلب الاحزاب والقوى المعارضة لنهج السلطة ارادتها للحفاظ على هذا الحراك الثوري ومساندته؟ أم انها ستبحث في الاروقة المظلمة عن حلول ترقيعية تعيد تموضع الكتل الحاكمة على الساحة السياسية وتضيّع الفرصة من جديد؟ والسؤال الاهم؛ هل ستستجيب القوى المتنفذة في السلطة لارادة الشعب وتتحمل المسؤولية الاخلاقية دون الانقضاض على الحراك بقساوة؟ فلننتظر الى ما تؤول اليه الاحداث والمواقف في قادم الايام ونرى!! 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل