/
/
/
/

سعى بعض المتابعين للمشهد السياسي التونسي، والعربي عامة، للزعم بأن حركة «النهضة» في تونس، على الرغم من كونها ذراعاً للتنظيم الدولي ل«لإخوان» المسلمين، فإنها مختلفة عن نظيراتها في البلدان العربية، وأن قيادتها أظهرت حكمة مكّنت تونس من عبور تداعيات سقوط النظام السابق ونشوء عهد جديد، مقارنة بالرعونة التي تبدّت في سلوك «الإخوان» في مصر مثلاً.

لا نريد أن نجادل في حقيقة أن زعيم الحركة راشد الغنوشي يتوفر على قدر من الدهاء السياسي جعله يقرأ توازنات القوى داخل تونس وفي الإقليم، وهو توازن لا يُمكّن «النهضة» من الاستئثار بالسلطة كما تشتهي، فاختار المناورة، بتأجيل هذا الخيار، ريثما يتحقق لحركته تراكم كافٍ من النفوذ يمكنها من الظفر بتلك السلطة عند أول سانحة.

هذا «الدهاء» لا يجعل من «النهضة» استثناء. لقد أبدى الغنوشي علانية إعجابه بالنموذج التركي؛ نموذج حزب أردوغان الذي اتبع سياسة «القضم» التدريجي لمواقع السلطة، حتى تدين له الأمور كاملة، وكأن الغنوشي بذلك ينتقد سلوك نظرائه من «إخوان» مصر، حيث يقال إنه نصحهم بألا يستعجلوا الأمور، لكنهم لم يسمعوا النصيحة، وانساقوا نحو الفخ بسهولة.

في الترتيبات الانتقالية بعد سقوط حكم زين العابدين بن علي، دفعت «النهضة» بالمنصف المرزوقي إلى رئاسة الجمهورية، وهو وإن لم يكن من قماشتها الفكرية، إلا أن تطويعه لمصالحها لم يكن صعباً، وحاولت أن تدفع به مجدداً، بعد أن جرّبته، إلى الرئاسة في أول انتخابات مباشرة أمام مرشح «نداء تونس» الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، لكنها أخفقت.

هذه المرة لم تتظاهر «النهضة» بالزهد في منصب رئاسة الجمهورية، فدفعت بنائب رئيسها مرشحاً للمنصب، ولكن العارفين بتعقيدات وملابسات الوضع الداخلي في تونس لا يستبعدون أن يكون هذا الترشح مناورة أخرى من الغنوشي لاستجماع القوة وحشدها في البداية، ثم إعلان انسحاب مرشحها لصالح مرشحها «البديل» رئيس الحكومة المستقيل يوسف الشاهد، الذي تعوّل على أن يكون نسخة أخرى من المنصف المرزوقي.

من اللافت للنظر أيضاً أن زعيم الحركة، راشد الغنوشي، رشح نفسه للانتخابات النيابية، وليس مستبعداً أن تكون عينه على رئاسة البرلمان في مقايضة قد تجريها الحركة مع حزب الشاهد، أو غيره من القوى الوازنة.

خلاصة القول إن النهضة نسخة حقيقية، غير مزوّرة، من الإسلام السياسي الطامع في الاستئثار بالسلطة. كل ما في الأمر أنها محكومة بما عليه المجتمع التونسي من سمات، وما يحكمه من توازنات.

«النهضة» ليست استثناء.. تونس هي الاستثناء.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل