/
/
/
/

(تسحب البرجوازية كل الامم الى تيار المدنية وحتى الاكثر همجية منها، من خلال وسائل المواصلات ووفقا لسرعة تحسين ادوات الانتاج ورخص أسعارمنتجاتها التي هي في حوزتها، كمدفعية ثقيلة، تقتحم وتخرق اسوار الصين وتنحني امامها رؤوس اشد البرابرة، المعادين والكارهين للأجانب وترغم على الاستسلام واعلان الهزيمة، وهي تلزم كل الامم، لتقبل الاسلوب البرجوازي في الانتاج لتدخلها في المدنية المزعومة كي تصبح برجوازية وتخلق عالما على صورتها الخاصة بها). كما جاء البيان الشيوعي لماركس وأنجلز

يصف هذا الاقتباس حجم تفوق الانتاج الرأسمالي وقوة رأس المال لتحويل المجتمع عالميا، فالتعمق النظري بهذه العبارات للبيان الشيوعي فيه المزيد من التوضيح بناء على التركيب العضوي لرأس المال وعلى قانون ميل معدل الربح للانخفاض والذي يحتاج الى تخصيص مجال آخر له في الاقتصاد السياسي الماركسي.
يشير ماركس وأنجلز الى حقيقة متناقضة تتمثل في ان البضائع العالية الجودة التي تنتجها الآلات تكون أرخص من المصنوعة يدوياً، هذا التحليل لقوانين الاقتصاد السياسي أصبح اساساً لنظرية الامبريالية لدى لينين وروزا لوكسمبورغ في العمل الشهير (تراكم رأس المال) والذي لاتزال في غاية الاهمية.
وعندما كتب ماركس وانجلز البيان الشيوعي، كان هناك صراع قاسٍ في اوربا، حيث لم يكن بمقدور مصانع اوربا التنافس مع الصناعة البريطانية والمنتجات ذات القيمة السوقية العالية.
وهذا صحيح بشكل خاص في ما يتعلق بالمنسوجات التي غمرت السوق الاوربية، حينها قاموا بحماية صناعتهم الناشئة ببناء حواجز كمركية ضد الصادرات البريطانية.
وخلف هذه الاسوار اتيحت للاقتصادات الاوربية (واقتصاد الولايات المتحدة) فرصة للتطوير ولتصبح قادرة في آخر المطاف على المنافسة في السوق العالمية، ولهذا لم تكن مستغربة مطالبة البريطانيين في ذلك الوقت بشكل خاص بنظام التجارة الحرة.
ماركس شرح ذلك بالتفصيل في المجلد الاول من (رأس المال), وبالتالي فأن النضال من اجل التجارة الحرة أو اقتصاد السوق هو في المقام الاول صراع من اجل الهيمنة الاقتصادية وبالتالي فان السياسة العسكرية الليبرالية ليست مجرد نظرية اقتصادية، بل هي قبل كل شيء أيديولوجية تدعم وتضفي الشرعية لمصالح القوى الاقوى.
واتبعت بريطانيا العظمى مصالحها في الهيمنة الاقتصادية كقوة رأسمالية (امبريالية) رائدة في القرن التاسع عشر.
ولم تكن سياسة الليبرالية مقتصرة على قادة اوربا، بل كانت ايضاً أتجاهاً للامبراطورية العثمانية التي اعتمدت إيراداتها آنذاك وبشكل كبير على الانتاج الزراعي، التي كانت بحاجة ماسة الى رأس المال لتحديث جيشها ولتأمين سلطتها داخلياً وخارجياً.
في عام 1836 وقع السلطان العثماني اول معاهدة مع بريطانيا والمسماة بـ(الاستسلام) أُكد فيها على أعفاء بريطانيا من الرسوم الكمركية والاستثمار الحر وحرية حركة رأس المال، ونتيجة لذلك غمرت السلع البريطانية أمبراطورية آل عثمان مع تدفق رأس المال الخاص الى الخارج، ثم تبع ذلك عدة معاهدات اخرى عززت هذه المبادئ، فأُصيبت الامبراطورية العثمانية عام 1875بحالة إعسار غير قادرة على التزام دفوعاتها.
وبدا الامر وكأنه سخرية، فالعناصر الاساسية لهذا الاستسلام هي التجارة الحرة والغاء التعريفات والاستثمار الحر وتدفق رأس المال، وهذه بالضبط مبادئ اجماع واشنطن والسياسة الخارجية الاقتصادية للاتحاد الاوربي.
بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت حركات معادية للاستعمار والنضال من اجل الاستقلال، ففي عام 1955 التقى في مؤتمر باندونغ زعماء من الهند(نهرو) والصين(تشوإن لاي) ومصر(عبد الناصر) واندونيسيا(سوكارنو) وقد طالبوا فيها بالاستقلال السياسي لجميع البلدان المُستعمرة آنذاك، وعَرفت الدول المشاركة نفسها بـ(حركة عدم الانحياز)معلنة فيها الاستقلال عن الدول العظمى وكان عدد الدول بحدود 77 دولة ومن ابرز قادتها في السنوات اللاحقة (تيتو) من يوغوسلافيا و(كاسترو) من كوبا و(بن بيلا وبومدين)من الجزائر، ودعا المنظرون المناهضين للامبريالية مثل فرانس فانون وسمير امين (توفي عام 2018) الى فصل اقتصادات العالم الثالث عن السوق العالمية وبناء نظام اقتصاد تبادلي مشترك بين هذه الدول ودون اية تبعية اقتصادية ودمج بلدانهم في النظم الاقتصادية للحكام الاستعماريين السابقين.
الا أن هذا الهدف لم يتحقق كون العلاقات التي نمت تاريخياً مع الدول الامبريالية(السابقة) أثبتت انها قوية للغاية بالاضافة الى إجبار آليات النظام المالي العالمي الذي يحكمها، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي دول العالم الثالث على البقاء في نظام التبعية الاقتصادية وبالتالي الى تبعية سياسية.
وبأنهيار النظام الاشتراكي في أوربا الشرقية ونهاية نظام القطب الثنائي، اختفت ايضا مساحة المناورة للعالم الثالث البديل او حركة عدم الانحياز، وأعلن فرانسيس فوكوياما عام 1992 نهاية التأريخ والذي كان قائماً غلى تطبيق الديمقراطية واقتصاد السوق في جميع انحاء العالم، حسب فوكوياما.
وفي نفس الوقت تم نشر المبادئ الليبرالية الجديدة (لاقتصاد السوق الحر) التي نشرها آنذاك عام 1985 الخبير الاقتصادي في شيكاغو (ميلتون فريدمان) في وسائل الاعلام، تُرجمت الى الواقع كممارسة سياسية عند رونالد ريغان ومارغريت تاتشر واختفاء النموذج الاشتراكي البديل ليصبح نموذج النيو الليبرالية هو الموديل الوحيد للاقتصاد العالمي.
التدابيرالاقتصادية ليست خالية أبداً من المصالح والتي لها تداعياتها السياسية، فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي أنشأ بعد الحرب العالمية الثانية له فائدة في هيكل الاقتصاد العالمي وخلق نظام اقتصادي يصب في مصلحة رأس المال، ولازالت تهيمن من خلال الولايات المتحدة الاميركية أقتصادياً وسياسياً وتحدد النظام المالي والاقتصادي العالمي.
أن سياسة الدول الاوربية (السوق الاوربية) تستند هي ايضاً على هذه المبادئ اتجاه ما يسمى بالعالم الثالث، فعلاقات التجارة الحرة في صالح الدول الضعيفة اقتصادياً، ويفرض الاتحاد الاوربي هذه المبادئ في مفاوضاته مع دول افريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الهادئ وجميع المستعمرات السابقة للقوى الامبريالية الاوربية، وتمكنت دول الاتحاد الاوربي من تأكيد مواقفها المهيمنة على الرغم من الاستقلال الرسمي للمستعمرات السابقة، فلو نظرنا الى تطبيق المبادئ الليبرالية الجديدة كما يتضح من اتفاقيات (ياوندي 1963 و1969) واتفاقية (وومي 1975،1984و2000) مباشرة بعد استقلال معظم البلدان الافريقية ،يمكننا رؤية ذلك من العواقب على الغاء التعريفات بالنسبة للدولة المعنية والذي يعني خسارة كبيرة لدخل الدولة، التي تحتاجها للإنفاق على البنية التحتية في مجالات المدارس والمستشفيات ،بناء الشوارع والمشاريع الاجتماعية، وباختصار فأن الدولة تصبح غير قادرة على تأمين حاجات الناس الصحية وبها ستفقد شرعيتها امام اعين مواطنيها.
واصبحت البضائع تتدفق على هذه البلدان، والذي لا يتعلق فقط بالسلع الفاخرة ،التي تسعى اليها البرجوازية المحلية لتحقيقها، فأخذت باستيراد وسد الاحتياجات اليومية للسكان من مواد البناء والملابس والمواد الغذائية والتي تنتج باسعار رخيصة وبشكل افضل في البلدان الصناعية المتقدمة للغاية، واصبحت آثار ذلك واضحة على البلدان التابعة، فهي تحاول ان تكون مستقلة نوعا ما في انتاج الاغذية الاساسية، لكنها تفشل لان انتاج الحبوب واللحوم والحليب في اوربا ارخص من اسعار البلدان النامية، فالاستثمار الاجنبي ينحو الى الربح والى انخفاض مستوى الاجور في هذه البلدان، لهذا تقتصر الاستثمارات على قطاعات محددة او مراحل انتاج تتطلب عمالة كثيفة بشكل خاص مثل المنسوجات او المنتجات الكهروتقنية والتي لا تلبي الاحتياجات المحلية ولا تسهم في ظهور اقتصاد مستقل، اضافة الى ذلك فأن الاجور المتدنية لا تساعد على توليد قوة شرائية، وان نقابات العمال (ان وجدت)تظل خاضعة لرقابة صارمة.
وتعتبر القدرة على تحويل رأس المال في أي وقت اضافة مهمة فهي لا تَضمَن النقل المجاني للارباح فقط، بل تَضمَن تنقل رأس المال حيث يمكن للمُستثمرين الاجانب على تحويل رؤوس اموالهم من بلد الى آخر باسرع وقت وبالقدر الذي يضمن ارباحاً اعلى في اماكن اخرى، والدول المتأثرة بهذه الاستثمارات لا يساعدها أن تتولد لديها أية دخول، بل على العكس من ذلك، يتعين عليها في كثير الاحيان ان تدفع دفوعات وسيطة عن طريق بناء الطرق وربط الكهرباء والمياه لتوطين الصناعات، فالبرجوازية الوطنية لا تستفيد عموماً من هذه المزايا وبالتالي لا يمكنها ان تنافس المُستثمرين الاجانب.
ان مبادئ أقتصاد السوق الحر يقع في تناقض حاد مع عقائد الليبرالية الجديدة، فالزراعة الاوربية مدعومة بشدة وتصل الاعانات الى حدود 265مليار يورو سنوياً، وهذا يشوه بشكل اساسي المبدأ المقدس المتمثل في المنافسة الحرة ويمنع تطوير الصناعة الوطنية الفعالة، أضافة الى ان المنتجات الزراعية تتعارض بشكل صارخ مع مبادئ حرية السوق وتخضع لقيود كثيرة ويُرى ذلك بوضوح من خلال الاتفاقات المبرمة مع دول شمال أفريقيا، التي تخضع صادراتها الزراعية لقيود صارمة، فلا يمكن استيراد بعض المنتجات مثل زيت الزيتون، البرتقال او الطماطم من الاتحاد الاوربي في بعض الاحيان، عندما لا تنتج الدول الاعضاء مثل أسبانيا او أيطاليا او اليونان هذه السلع بسبب الاختلافات المناخية بين الشواطئ الشمالية والجنوبية للبحر الابيض المتوسط، حيث ان قيود الاستيراد والاعانات للزراعة الاوربية تخلق سوقاً مضافة وبشكل مصطنع لمنتجات الاتحاد الاوربي لدول العالم الثالث، أذا تأثرت مصالح الاقتصادات المهيمنة والتي هي بالضد من مبادئ السوق الحرة.
باختصار، فان ضمانات الاستثمار الحر والتمويل المجاني لرأس المال هي فقط لصالح المُستثمرين الاجانب، فالاعفاء الضريبي لهؤلاء له تأثير مباشر على دول الجنوب والذين تقع على عاتقهم مسؤولية الامن والخدمات الاساسية لسكانها، وهنا لا فائدة من الاستثمارات الاجنبية.
ولذلك ليست هناك (يد غير مرئية للسوق) فقبضة رأس المال واضحة للغاية والتي تريد ضمان الحفاظ على التخلف وتآكل الدولة هناك والتي تتعرض الى ضغوط محيطية، فتكون مهمتها فقط هي توفير الامن للمواطنين وتوفير الغذاء، السكن، الاهتمام بالمؤسسات الصحية، المدارس ووسائط النقل.. الخ.
فكيف يمكن للدولة ضمان ذلك، اذا كان دخلها يتآكل ويزداد النمو السكاني، فهي كدولة سوف لا تفشل في تقديم الخدمات الاساسية لشعبها فحسب ،بل ان هيكلتها الحالية وعلاقاتها مع اقتصادات الدول الحاكمة هو سبب للفساد والقمع ايضاً، ولبقاء هذه الاُسر الحاكمة في السلطة، خادمة للمصالح الاجنبية.
هذه الظواهر إن جاز التعبير (غير طبيعية) تصبح فيها الهيمنة الدكتاتورية فعالة للغاية للحفاظ على الهياكل الاستغلالية على المستوى العالمي.
وأود هنا الاشارة الى تعريف الدولة في العلوم السياسية الكلاسيكية بأعتباره الصاحب الشرعي للعنف المتمثل في احتكارها للقوة وأدواتها من الشرطة والجيش والذين يدفعون ثمن ولاءاتهم للطبقات الحاكمة المتنافسة عن طريق منح الامتيازات، ولكن هل يمكن ان يكون العنف مشروعاً اذا كانت هيمنة الغرب هي السبب الحقيقي للحكم الاستبدادي.
في مصطلح الامم المتحدة، الدولة الفاشلة هي الدولة التي لا تكون قادرة او راغبة في حماية سكانها، او بعبارة اخرى، ان الدولة غير قادرة على أداء وظائفها الاساسية، وعلى الرغم من ان الدولة قد تكون قادرة على قمع السكان، لكنها من جانب آخر لا يمكنها توفير الاحتياجات الاساسية مثل مياه الشرب والسكن والمواد الغذائية، وقد وصفها هانزفون سبونيك مبعوث الامم المتحدة الخاص في العراق والمسؤول عن تنفيذ العقوبات والذي استقال من مهمته احتجاجاً بسبب العواقب المأساوية على الشعب العراقي.
غالباً ما يُستخدم مصطلح الدولة الفاشلة لوصف الظروف في بلدان مثل الصومال وأفغانستان والعراق وليبيا ...الخ حيث دمرَ التدخل العسكري الاجنبي هذه الدول، وفي هذه الحالة ينبغي للمرء ان يتحدث عن فساد في الدولة، وهو التشخيص لعدم تمكن الدولة من أداء وظائفها الاساسية والذي لا تأخذه بنظر الاعتبار وخاصة في بلدان العالم الثالث.
مثال واحد على ذلك هو سوريا، ففي عام 2004 نفذت الحكومة سلسلة من الاصلاحات الرامية الى تنفيذ مبادئ السوق، التي من شأنها الحد من إحتكار الدولة الحالي للاقتصاد والتمويل وتم قبول البنوك الخاصة في نفس العام والتأمينات الخاصة عام 2006 وألغيت التعريفات جزئياً وتم فتح جميع قطاعات الاقتصاد للاستثمار الخاص، كان الهدف منه تأسيس بورصة في دمشق (نيسان 2006) لتشجيع الاستثمار الاجنبي ،وأخيراً تم توقيع أتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الاوربي في عام 2009 وعلقت جريدة(هاندلس بلات) قائلةً (لقد عمل تحرير السوق على جعل عدد قليل من العائلات ثرية)، وتولدت اختلافات طبقية حادة لم تكن موجودة في سوريا سابقاً من خلال دعم النظام، وعلى المدى القصير عزل نفسه عن القطاعات الاقل ثراء في المجتمع وعزز من المحسوبية والذي تسبب في تهميش الكثيرين على المدى الطويل، الذي دمر النظام الاجتماعي في البلاد مساهماً في الاحتجاجات التي بدأت عام 2011، وإضافة الى هذا التحول كان على سوريا إطعام 4 ملايين لاجئ، بعد الحرب التي اعلنها جورج بوش الابن على العراق، وتسبب الجفاف الشديد لثلاث سنوات في سوريا في الحاق اضرار جسيمة بالانتاج الزراعي والتي ادت الى زيادة دراماتيكية في أسعار المواد الغذائية، بدأت فيها الاحتجاجات والحرب الطائفية والصراع على السلطة .
واصبح الانتماء لجماعات محددة عرقياً اوطائفياً نمطا مشتركا للصراعات ومنها على سبيل المثال الفارق بين الشيعي والسني، ومنذ زمن طويل ونموذج ملائم يشرح ذاته مدفوعاً بمفهوم صموئيل هنتغون المبسط وغير التأريخي الذي روج له عن صدام الحضارات، الذي يجادل فيه بأن النزاعات بين الثقافات هي الاطول والاكثر والمنتجة لصراعات اكثر عنفاً (تظل الاختلافات بين هذه المفاهيم غير واضحة في تحليله)
والسؤال، لماذا يبدو هذا المفهوم بمثابة نبوءة تحقق ذاتها، إذا لم تُف الدولة بوظائفها في حالة اقتصاد منقوص، ينظم الناس فيها حياتهم بأنفسهم لضمان البقاء على قيد الحياة، دولة لم يعد ينفذ فيها القانون، واصبحت الاعمال الاجرامية طبيعية لحد ما، سواء الشرطي الذي لا يتقاضى راتبه فيسلب المواطنين وكذلك الجنود، الذين يمارسون العنف لابتزاز اموال البضائع من المواطنين العزل.
وعلى مستوى آخر ينظم الناس انفسهم في عصابات لاكتساب ما يبدو مفيداً من اجل تبرير الاعمال الاجرامية بالاشارة الى (القيم) المتفوقة المستمدة من افكار التفوق العرقي او الاخلاق الدينية ومن ناحية اخرى تهدف هذه التركيبة الى اعطاء بعض الشرعية للعنف وتخلق من ناحية اخرى قواعد لاستدراج وإبعاد الناس الذين لايتبعون التفسير المتعصب للدين المتمثل في ما يسمى الدولة الاسلامية غير( السُنة ) الكفار، وهذا ما يبرر ادخال قواعد لمصادرة الممتلكات واستبعاد مجموعة كاملة من الناس وتنظيم الاتجار بالبشر او انشاء نقاط مراقبة على جانب الطريق لفرض الضرائب وهذا ما تم تطبيقه على المسيحيين والايزيديين أوالكُرد ليحصلوا في اليوم الواحد على مبلغ اكثر من 4 ملايين دولار، أضافة الى المصادر المالية الاخرى التي قُدمت من منظمات وخاصة من دول الخليج، زيادة على عمليات تصدير وبيع النفط.
ويسيطر ما يسمى بالقاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وحركة الوحدة والجهاد في غرب افريقيا والمنافس على اهم طريق المخدرات في العالم باستلام الكوكائين من كولومبيا، التي تنقل جواً والسفن البحرية الى غرب افريقيا عبر الساحل والصحراء الى أوربا، ومن مصادر الدخل الاخرى المهمة تهريب السجائر والاسلحة والاشخاص عبر الصحراء، واحتجاز فنيي حقول النفط والسياح والصحفيين وحتى الدبلوماسيين في الاماكن او المناطق التي يسيطرون عليها، فارضين عليهم افكارهم عن الاسلام الجامد، ليس من منطلق الدين، بل بهدف إرهاب السكان وإبادة (المذنبين)،هذه هي الدوافع الحقيقية وراء فظائع الجماعات الجهادية وكذلك العصابات في العراق وسوريا ، اما جماعات القاعدة في المغرب الاسلامي ومنها مالي أو جماعة بوكوحرام، التي تهاجم القرى المسيحية او التجار العرب او الاقليات كالطوارق.
إن تدمير الدولة هو في النهاية نتيجة للنظام النيوليبرالي وصعود جهات العنف الطائفية والنزاعات الاثنية كنتيجة لامفر منها كونها تمثل شكلاً آخر من اشكال تنظيم البقاء الاقتصادي لهؤلاء الفاعلين سواءً كان دينياً او سياسياً ليصبح العنف هيكلياً، الذي يميز النظام الليبرالي العالمي الجديد.
لقد تم التركيز في بداية المقال على الاتحاد الاوربي وسياسات التجارة والاستثمار الخارجية ومن دون شك فإن الاتحاد الاوربي ليست القوة الوحيدة المسؤولة لتآكل الدولة في (العالم الثالث) السابق، ما يولد البؤس واليأس، فهناك عوامل أخرى مثل التغير المناخي، المسؤول عن اختفاء تربية المواشي في مناطق السواحل حيث تكاد الامطار لا تسقط في السنوات الثلاثين الماضية ودمرت سبل العيش امام البدو ليتجهوا الى التهريب والابتزاز كي تكون مصدر دخلهم، وأدى الاستيلاء على الاراضي الذي تروج لها الجهات المالية الدولية الى طرد مئات الالاف من المزارعين والصيادين من وادي النيجر ليدمر القاعدة الغذائية لملايين الاشخاص .
وعندما يجري الحديث عن حل النزاع، يتوجب ان يكون القرار الفعلي والفعال والطويل الامد، ومن دون التحليل الجاد لهذه الاسباب سيظل مجرد وهم وسيكون مستحيلاً إعادة بناء مجتمع يستحق العيش فيه.
إن اعادة التصعيد الخطابي وأساليب التواصل والعمل على مكافحة التحيز على المستوى الايديولوجي سيكون مصيره الفشل ما لم تتم معالجة الاسباب الحقيقية للصراع، ورغم ان هذه الاسباب ليست في متناول الاطراف المتصارعة ذاتها، الا انها جزء من النظام الليبرالي العالمي الجديد، وهونظام يتم الحفاظ عليه وفرضه تحت ضغوط كبيرة من قبل المنظمات المالية العالمية، صناديق التحوط، الاتحاد الاوربي.
والعنف يبدأ في الاماكن التي لا يضمن فيها الانسان سبل عيشه للبقاء، فالاسباب متجذرة فيه من خلال النظام الرأسمالي المفتوح، فلا يمكن للعمليات التجميلية أن تمنع العنف والصراع وجذورهما، والنتيجة هي تغيير النظام جذرياً مرة واحدة والى الابد للقضاء على الاسباب الحقيقية للصراع وبالتالي فلا لزوم للجهود السطحية لمكافحة الصراعات، بل يجب حل النزاعات على مستويين، في المصالحة بين الجهات الفاعلة العنيفة على ارض الواقع، ويجب تسييس هذا العمل من خلال الوعي السياسي المتمثل في لاعبيه الاساسيين، ويجب معالجة أسباب اضطراب النيوليبرالية من جذورها في مراكز القرار الرأسمالي في الشمال الغني، وايقاف صادرات الاسلحة لينتهي بالتغلب على النظام النيوليبرالي السائد ولوضع حد للآثار المدمرة للبشرية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل