/
/
/
/

يتجدد النقاش حول عمل مجالس المحافظات، وهي تدخل عامها السابع، متجاوزة حدود دورتها الانتخابية المؤطرة بأربعة أعوام.
وفيما تتوجه الانتقادات الى سوء الادارة والفشل والفساد الذي رافق عمل العديد منها، قدم اعضاء في تلك المجالس وناشطون حلولا ومقترحات لإنجاح العمل فيها.

شرعية التمديد

يقول عضو مجلس محافظة بغداد، فرحان قاسم، لـ "طريق الشعب"، أن المواطن انتخب اعضاء مجالس المحافظات لمدة عمل محددة بأربع سنوات، وأن تجاوزهم هذه المدة، يعني أن وجودهم موضع تساؤل قانوني.
ويشدد قاسم، على أن ذلك يمثل تناقضا بين إرادة الناخب الذي صوت على أن يكون ممثله في المجلس لمدة أربعة سنوات، وبين أن يُفرض عليه عضو المجلس، وفقا لقانون انتخابات مجالس المحافظات، الذي اعطى الحق للبرلمان والحكومة في تأجيل الانتخابات أو عدم التقييد بحدودها الزمانية والمكانية.
ويبين عضو مجلس بغداد، بشأن الجدل الدائر حول بقاء مجالس المحافظات، من عدمه، أن ذلك لا تحدده الرغبات، ولا يُحسن هذا الجدل من أدائها، فهي جزء لا يتجزأ من النظام الاتحادي، الذي نص عليه الدستور، ووفقا له يتكون هذا النظام من سلطة اتحادية، تمثلها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، وسلطة الأقاليم، وسلطة أخرى تتمثل في سلطة الحكومات المحلية، التي تنقسم قسمين، مجالس المحافظات والمحافظ، ولأيمكن المساس بها إلا بتغيير الدستور.

بين الفساد والمصالح

ويقول قاسم، إن قانون انتخابات مجالس المحافظات المعدل، سيقلص عدد أعضاء مجالس المحافظات إلى النصف تقريبا، فضلا عن تخفيض سن الترشيح.
ويوضح أن الجانب الخطر بهذا الخصوص، يتمثل في اعتماد قانون سانت ليغو المعدل بتقسيم الأصوات في البدء على ١,٩، ما يعني أنه سيقصي الكتل والتيارات التي لا تتمتع بالنفوذ، وسيخدم بالوقت نفسه الكتل المتنفذة، في سياق يوضح بأن الأمر مخطط له من قبل تلك الكتل لتشريع هكذا قوانين تخدم مصالحها فقط.

دور المجالس المحلية

ويستطرد قاسم قائلا، أن "المجالس المحلية للأقضية والنواحي، جزء لا يتجزأ من عمل الحكومات المحلية، وهي تابعة إلى سلطة مجلس المحافظة، وأن الفكرة من وجودها، على أن تكون عينا رقابية مناطقية، ويعامل أعضاؤها بدرجة معاون مدير عام".

حلقة للبناء

من جهته، يؤكد عضو مجلس محافظة بابل، عقيل الربيعي، أن مجالس المحافظات حلقات مهمة في البناء الديمقراطي، معتبرا أن الفشل الذي رافق عملها جعل البعض يعتقد بضرورة إلغائها.
ويوضح الربيعي، لـ"طريق الشعب"، أن اعتبار مجالس المحافظات غير مجدية، وتمثل حلقة زائدة، يعود إلى ضعف ادائها وغياب الامانة والحرص والنزاهة التي لو كانت خلافا لذلك، لتحسنت أحوال المواطن، وازدادت اهمية الاقبال على المشاركة في انتخاباتها، فيما يشير إلى أنها تدعم النظام اللامركزي الذي يجب تقويته، وقد تعامل البعض معها وخلال الأموال المخصصة والصلاحيات المخولة، على أنها غنيمة سهلة، ما يستوجب إخضاع العملية إلى المعالجة والرقابة الصارمة في عملها.

علاقة متباينة

ويضيف عضو مجلس بابل، أن العلاقة بين مجلس المحافظة والمحافظ، علاقة متباينة وتعتمد على التنسيق بين الكتل السياسية داخل المجلس وخارجه، وهذا الأمر يعتمد على المصالح بالمطلق، وليس من اجل تطوير المحافظة وتقديم الخدمات أو بناء المشاريع وتطوير البنية التحتية.
ويلفت إلى إن هذه العلاقة تبقى بين مد وجزر، وتحددها مصالح الكتل السياسية وأفرادها، وهذا ما انعكس على أعضاء مجلس المحافظة، فضلا عن بروز ظاهرة الانشقاق الداخلية والتنقل بين الكتل حسب المصالح الشخصية، منوها على أنه من أصل ثماني كتل دخلت مجلس المحافظة في عام ٢٠١٣، لم تحافظ على أعضائها، سوى كتلة التحالف المدني الديمقراطي.

ثغرات مُهملة

ويبين، أنه في بابل وبعد استلام المحافظ الجديد للمنصب، أصبح الأمر مُعقدا وصعبا امام انجاز المشاريع وتطوير البنى التحتية.
ويوكد على أن المحافظة تعاني مشاكل كبيرة، وفجوات في عدد من القطاعات، يقابلها غياب الاعتماد على المعايير والمؤشرات الصحيحة في سدها، مستعرضا أمثلة حول الأمر، منها ثغرة قطاع المجاري في بابل والتي تعتبر من أسوأ القطاعات، وهي بحاجة إلى تخصيصات كافية من الأموال المرصودة لتقديم خدمات للمواطنين، كذلك الأمر ينطبق على الأبنية المدرسية وباقي القطاعات وبحسب أولويتها، في الوقت الذي تغيب فيه التخصيصات المالية الكافية لمعالجتها.
ويستشهد خلال حديثه لـ"طريق الشعب"، بما حدث في ناحية أبو غرق، وهي أصغر نواحي المحافظة، والتي تضم خمسة مشاريع سكنية في أماكن مميزة من حيث الموقع والمساحة، لكنها متلكئة، وفاشلة، وغير منجزة ولم يسكنها فرد واحد وتم إعطاء التراخيص الى هذه المشاريع لأغراض المنافع الشخصية.

أسباب الفساد

ويعزو الربيعي، سبب استمرار الفساد، إلى أن القانون والرقابة لا يطولان سوى الموظف الصغير.
ويُذّكر بمثال في المحافظة، عندما حققت النزاهة في عملية شراء حاويات النفايات، وقد جرى استبعاد اللجنة التي قامت بالشراء عن ذلك، والمدير الذي قام بالموافقة عليها، وتحميل كامل المسؤولية لموظف الاستلام، وهو الآن قيد التحقيق بانتظار عرضه على المحاكم، في حين جرى أيضا سجن مدير البلديات لمدة سنة واحدة بعد شرائه المتر المربع لمادة الخابط (السبيس) بسعر 8000 آلاف دينار، وتسجيلها بسعر 27000 الف دينار، رغم رداءة المادة حسب الفحوصات، وعدم قياس الرمل فيها وفحص المواصفات المطلوبة، وقد بقيت الكمية رغم ذلك موجودة واضيفت إليها مادة أخرى من دون استبدالها واعتبرت مُستلمة بعد التغطية عليها.
ويعتقد عضو المجلس الربيعي، أن مشكلة البلد الأساسية هي الفساد.

تطوير العمل

ومن اجل تطوير عمل مجالس المحافظات، يشدد الربيعي، على أهمية وجود هيكلية لها على أن لا ترسمها بنفسها، معتقدا أن الأنظمة الداخلية لها مطاطية، ولا يتم الالتزام بها، والقانون حمال أوجه ويمكن تفسيره سلبا وإيجابا، كما يجب إخضاعها للرقابة، وكذلك التوقف عن استحداث لجان على عدد أعضاء المجلس لأجل إرضائهم، في تجاوز واضح على معايير العمل الإداري، واختيار ذوي الاختصاص لقيادة اللجان داخل مجلس المحافظة.
ويؤشر إلى وجود تجاوزات على أراضي الدولة من خلال تغيير جنس الأرض وعشرات الثغرات القانونية الأخرى، فيما تجري حاليا في بابل، عملية تغيير الاستعمال للأرض، التي يجب أن تتم بموجب القانون وبموافقة الوزارة، وتم تنبيه مجلس المحافظة عليه ولكنهم ماضون في التجاوز على أراضي الدولة، وبالذات المميزة منها، مشيرا إلى تحويل ارض مخصصة للكهرباء، إلى سكنية للقضاة، وأخرى خضراء حوّلت صفتها في وضح النهار.

تقليص نحو الانتاج

في المقابل، يقول عضو لجنة الأقاليم والمحافظات غير المرتبطة بإقليم البرلمانية، النائب اسعد المرشدي، أن تقليص عدد أعضاء مجالس المحافظات، سيسهم في رفع انتاجية العمل ونضوجه أذا ما رافقه انسجام أكبر.
ويشدد المرشدي، لـ"طريق الشعب"، على أن وجود هذه المجالس هو أمر دستوري، لابد منه للأشراف على المحافظات، باعتبار أن العراق يتجه نحو الحكم اللامركزي، والذي يتطلب أن تكون هناك مجالس للمحافظات، تتولى أدارتها والتصديق على موازناتها، والأشراف على أعمالها.
ويعتقد أن المشكلة الحقيقية التي تواجه هذه المجالس، هي تجاوزها للمدة القانونية في دورتها الانتخابية، واستمرارها في العمل للسنة السابعة، لافتا إلى أن مجلس النواب صوت على تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات، بعد الاتفاقات التي جرت بين الكتل السياسية.

عبء الصلاحيات

ويرى عضو لجنة الأقاليم، أن نقل الصلاحيات إلى المحافظات يتضمن إيجابيات أبرزها تسهيل الإجراءات على المواطنين، فضلا عن ادارة المحافظات شؤونها بنفسها، والتي اظهرت عدم جاهزيتها لذلك.
وأردف، يبدو أننا خرجنا من ازمة إدارة الوزارة، إلى ازمة إدارة المحافظ الذي يتعين عليه إدارة سبعة وزارات، والنتيجة كانت فشل المحافظات في هذه التجربة، لأسباب من أهمها عدم تهيئتها لهكذا صلاحيات، بالإضافة إلى عدم وجود بنية تحتية تمكنها من استيعابها، وبالتالي يتم التوجه الان إلى إعادة صلاحيات إدارة دوائر الصحة والتربية إلى الوزارات، بينما يضيف من جانبه، عضو اللجنة القانونية البرلمانية، يحيى المحمدي، أن مجلس النواب العراقي عالج وضع مجالس المحافظات من خلال تعديل قانون رقم 12 لسنة 2018 الذي سمح بتمديد عمل لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي بشكل قانوني وأصولي فهي تعمل الأن بكامل صلاحياتها مع نفاذ قراراتها وفقآ للقانون.

الصلاحيات والاشكال !

في غضون ذلك، يذكر الناشط المدني، مزهر جاسم الساعدي، لـ"طريق الشعب"، أن مجالس المحافظات جرى ذكرها في الدستور العراقي، في باب السلطات، كون العراق يتكون من سلطات اتحادية، تتكون من مجلس النواب، ومجلس الوزراء، ومجالس المحافظات، ومجالس الأقضية والنواحي.
ويشير إلى أن الدستور حدد الصلاحيات المشتركة الحصرية، وجاء في المادة 116 من الدستور: يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة، وأقاليم، ومحافظات لامركزية، وإدارات محلية، وعليه فأن النص الدستوري لم يحدد شكل هذه المجالس، معتقدا بضرورة حذف هذه الحلقة الزائدة من حلقات البنية التحتية للدولة العراقية، شريطة أن لا يتم التجاوز على الدستور.
ويبين أن ذلك يكون من خلال تعديل قانون الانتخابات وجعل أعضاء مجلس النواب اعضاءً لمجالس المحافظات بنفس الوقت، موضحا أن بعض إيجابيات هذا التعديل تتمثل في جعل عضو مجلس النواب بدرجة وزير، بينما العضو في مجلس المحافظة بدرجة مدير العام، وبذلك يكون دور من هو بدرجة وزير في المحاسبة والرقابة أكثر فاعلية من غيره.
ويلفت إلى أن ذلك لن يمثل أي تناف، كون الدستور قد نص على عدم الجمع بين وظيفتين، تنفيذية، وتشريعية، وهنا سيكون الموضوع تشريعي فقط.

انعكاس للخراب

ويقول الساعدي، أن الأداء الحالي لمجالس المحافظات يعكس ما موجود على الأرض من خراب ودمار، وأن إطالة عمر هذه التشكيلات الإدارية في الدولة سيجذر الأحزاب المتنفذة والجهات المستفيدة من صنع مستقبل سيئ للعراق.
ويشدد، على أن المواطن غير معن بالصراعات السياسية، والمصالح الفئوية الضيقة، للأحزاب السياسية المسيطرة على المشهد العراقي، فهو يبحث عن خدمة، وأن هذه الأحزاب فشلت في تقديم هذه الخدمة، فهي تسعى إلى إيهام الناس، بعدم وجود البدائل كون هذه المناصب تمثل امتدادات ومصالح شخصية لهم.

احتكار للصلاحيات

ومن جهته، يؤكد الناشط الحقوقي، محمد السلامي، أن مؤشرات سير عمل مجالس المحافظات، والنظام الذي أدار الدولة العراقية، منذ تأسيسها، هو نظام مركزي، ويحتكر كافة الصلاحيات الإدارية، والمالية، والتنظيمية، إضافة إلى تخطيط السياسة العامة للدولة.
ويضيف السلامي، لـ"طريق الشعب"، أن النظام كان معرقلا في تلبية احتياجات المحافظات والأقضية والنواحي والقرى، ومع التغييرات السياسية التي عصفت بالوضع العراقي بعد 2003، تم تغير المفاهيم السائدة في إدارة الدولة العراقية بما فيها فلسفة إدارة الشؤون السياسية والقانونية والمالية، مبينا انه وعلى أساس هذه المتغيرات في المفاهيم والمبادئ التي أريد لها أن تكون أسساً جديدة لتسيير الدولة العراقية، نص الدستور العراقي في المادة 122، ثانيا، على أن "تمنح المحافظات التي لم تنتظم الى إقليم، الصلاحيات الإدارة والمالية الواسعة، بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية الإدارية"، وينظم ذلك بقانون، وفي المادة ،122 خامسا، والتي لها أهمية في فهم الفلسفة الجديدة لإدارة الدولة الراقية حيث تنص على أن "لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة أية وزارة أو جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة".
ويستنتج الحقوقي السلامي، من هذه النصوص الدستورية، بأن اللامركزية هي المبدأ الذي ترتكز عليه الدولة العراقية في تسيير شؤون المؤسسات في المحافظات، وان هنالك استقلالية واسعة تتمتع بها مجالس المحافظات في إدارة وتسيير عملها بوجود صلاحيات دستورية، من خلال تخصيص الموازنات المالية، وانتخابات لمجالسها واختيار محافظها، وبالتالي فإن مفاهيم الديمقراطية قد أخذت تتجلى ليس فقط في مبادئ العمل السياسي بل في الجانب الإداري، عبر توزيع صلاحيات المركز إلى الأقاليم وكذلك المحافظات التي لم تنتظم الى إقليم.

التطبيقات العملية

ويشدد الناشط السلامي، لـ"طريق الشعب"، على أن النظر من زاوية اخرى، يبين أن التطبيقات العملية، التي سارت عليها مجالس المحافظات، لا تنسجم مع روح اللامركزية التي وضع أسسها الدستور سنة 2005، لأسباب عديدة، وأن النظام القانوني والإداري والسياسي سابقا كان مركزيا، لذلك كانت وما زالت السياقات تسير وفقا للفهم المركزي، بالإضافة إلى أن الموظفين لم يتعودوا أن تكون لهم صلاحيات واسعة في التسيير الإداري لمحافظاتهم ، وان بعض القوانين مازالت تنحو منحى المركزية ولم يتم تعديلها، مع وجود بعض الوزارات التي ما زالت تهيمن ولا تريد التفريط بصلاحيات خاصة بها.
ويعتقد، أن موضوع استخدام الصلاحيات للمجالس المحافظات يسير في اتجاهين، اولهما يستثمر هذه الصلاحيات لصالح كتله، احزبه، أو شخصه، أما الثاني فيتعارض مع منهج الوزير أو الوزارة في الأمور التي لها علاقة بالجانب الإداري أو المالي، لذلك تم تكوين وزارة لتنسيق شؤون مجالس المحافظات ولحل بعض المشاكل فيها أو بين المركز والمحافظات.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل