/
/
/
/

يبدو للبعض ان عنوان المقالة غريب والغريب فيه ليس مصطلح دولة المؤسسات، بل مصطلح دولة الميليشيات، وهنا لا نستهدف ولا نقصد احدا لأننا لسنا بصدد اتهام احد، كما اننا لا نرغب ان نكون كذلك او على هذا النحو وبالتالي فان ما ستتضمنه المقالة هو تعريف لما يعنيه المصطلحان لا اكثر وتبيان تبعات كلا الحالتين او ما سيترتب على كل حالة.
دولة المؤسسات – هي دولة ذات مؤسسات تستند في نشاطاتها الى القانون، اي القانون الذي تم تأسيس هذه المؤسسات بموجبه، ووفقا لذلك تكون فعالياتها ونشاطاتها استنادا الى القانون ،ويكون لمثل هذه المؤسسات رأي في بعض القرارات التي تتخذ من اعلى المستويات، فبداية بناء الدولة مؤسساتيا هو اختيار الاسس السياسية والفلسفية والفكرية والاقتصادية وعلى هذه الخيارات يتم بناء دولة المؤسسات حيث اختيار مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون، وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية المتضمن اتاحة الفرص للجميع في مختلف المجالات دون تمييز، اي ليس للتميز على اساس الدين او القومية او المذهب او الفكر او اي نوع اخر من مبررات التميز لدى البعض الذي لا يدرك معنى دولة المؤسسات، واتاحة الفرصة للجميع وفق الشروط المطلوبة والتي تنسجم مع المصلحة العامة للمجتمع، فسيادة القانون يكون حيث دولة المؤسسات وفي ذاك ضمان لحقوق الناس واتاحة الفرص بشكل متساو ووفقا للقانون لما يصح ومالا يصح تلك هي دولة المؤسسات التي ليس فيها تجاوز على سيادة القانون، وهناك مواطنون مهما علت او دنت مرتباتهم ومهامهم يشعرون ان هناك قانونا يحاسب، هي دولة لا مكان فيها للفاسدين حيث يوجد جهاز للرقابة والاشراف وبالتالي تشخيص حالات الفساد واتخاذ القرار الذي ينسجم مع القانون وبالتالي احالة المقصرين الى القضاء، هي دولة فيها سيادة للقانون لا يسمح فيها التجاوز على المواطنين او حقوقهم في مختلف النشاطات لان هناك اجهزة امنية وعسكرية تأخذ دورها في حماية المواطنين والاملاك العامة والخاصة ولا مجال للتجاوز على القانون، نعم، هي تلك دولة المؤسسات، هي دولة ليس فيها تجاوز من العشائر على الدولة او رجال الامن والعسكر بل هناك قانون يتم اللجوء اليه والاحتكام الى ما يقوله القانون. دولة فيها جيش مهني وحرفي بامتياز وله قياداته المهنية والمجربة والمدربة بشكل حرفي ومهني ممتاز، دولة فيها اجهزة امنية ومهنية وتعمل وفقا للقانون في حماية الامن الداخلي. هي دولة يتوفر فيها الامن والامان دون خوف او قلق من المواطن على حياته او حياة أبنائه او املاكه او الاموال العامة للدولة، هي دولة مؤسسات يخشى فيها المقصر من العقاب ويأمل فيها المتميز في ادائه المكافاة من ادارته ويلقى الدعم والتشجيع، دولة المؤسسات هي دولة ترعى قطاعاتها الاقتصادية الزراعية والصناعية والسياحة والخدمات وتعمل على ضمان احتياجات شعبها وتتفقد هذه الاحتياجات باستمرار هي دولة توفر الخدمات الصحية والتعليمية من خلال بناء قطاع تعليمي رصين وممنهج وهذا طبعا بما ينسجم مع القدرات الاقتصادية والمالية وفق الاليات التي تدعم هذا القطاع للنهوض به الى مصاف الدول المتقدمة هي دولة تعمل على تقديم خدمات صحية واسعة ومتقنة بتوفير وسائل العلاج الحديثة واختيار ودعم المختصين والمهنيين في مجال الخدمات الصحية، دولة ليس فيها تجاوز على حقوق الاخر ويتمتع فيها المواطنون وبمختلف اطيافهم بذات الحقوق والامتيازات وعليهم ذات الواجبات، وفيها ضمان لحقوق الناس من حيث الحرية الشخصية بما فيها حرية التعبير والمعتقد والقراءة والكتابة وهذه حقوق تضمنتها اغلب دساتير دول العالم ولائحة حقوق الانسان واكدت عليها مواثيق الامم المتحدة وتحاول جاهدة توفير فرص العمل للعاطلين لان البطالة مشكلة اجتماعية كبيرة ومؤثرة في حياة المجتمعات والشباب تحديدا.
اما دولة الميليشيات فهذا النوع من الدول غير مألوف ولم نسمع به من قبل الا بعد ظهوره في بعض الدول ويبدو ، ليست ميليشيا واحدة والا لماذا يقال دولة ميليشيات ولكن المتحدثين والباحثين في هذا الموضوع لم يذكروا امثلة لهذا النوع من الدول ولكن يبدوا ان واقع الحال يختلف في الدولة ذاتها والتي تسمي نفسها دولة لكن الامر الغريب ان هذه الدولة لا يستطيع اركانها الاساسيون ان يتخذوا القرارات التي يريدون ، دون ان يكون لهذه الميليشيات رأي او دور في هذا القرار، فالبعض منها يقترح ويفرض مقترحاته وتتخذ فيها قرارات هي في واقع الحال غريبة وغير مألوفة حتى في ابسط الدول، كما ان القضاء فيها غير قادر على اتخاذ القرارات السليمة المنظمة لإدارة المال العام ويترتب على ذلك فساد اداري ومالي في كل مفاصل الدولة، دول كهذه لا يرى شعبها النور ويبقى يعاني من التخلف والتراجع في كل شيء وهناك تجارب حية يستطيع المرء استشعارها ومعرفة نتائج ما تتركه الميليشيات في ادارة الحكم، حيث التعليم في تراجع والخدمات الصحية في تراجع وهناك فقدان للأمن وغياب للاستقرار الامني في مختلف مناطق البلد المعني ، وتأخر لمسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية بسبب الفساد المالي وعدم التمكن من فرض القانون ولذلك يكون الهدر المالي في مثل هذه الدول هدرا كبيرا، مما يترتب على ذلك شيوع ظاهرة البطالة في ظل تراجع التنمية حيث لا استثمارات ولا وجود للمساءلة او المحاسبة للمسئولين عن الفساد ويقال ان البعض من المسؤولين في دول من هذا النوع تطلب دليلا او برهانا على الفساد، والسؤال الذي يطرح نفسه هل الفاسد ماليا او المرتشي او اي سارق يصطحب معه شهود ليروا انه فعلا سرق او حصل على رشوة هذه طلبات غريبة، الكل المرتشي والراشي يحاولان ان لا يعرف احد كيف ومتى وفي أي مكان تتم الصفقة لإحالة عقود او لا استلام رشوة ومن غير المنطقي ان يطلب دليلا في بعض الحالات، على سبيل المثال زيد من الناس لا يملك دارا ويعاني من عسر مالي وعلامات الحاجة بادية عليه، وعندما حصلت انتخابات رشح مع احد الاحزاب او الجماعات التي سمح لها بالمشاركة في الانتخابات ومكنته هذه الجماعة او الحزب من الفوز واصبح في منصب او مستوى معين من المناصب وبعد اقل من ثلاث سنوات انتقل الى السكن في ارقى أحياء المدينة واصبح يقتني احدث السيارات التي لا يستطيع استاذ جامعي انهى اربعين عاما في التدريس ويحمل الدكتوراه في حقل اختصاصه وبدرجة بروفسور ان يشتريها، ولديه استثمارات هنا وهناك وبعضها لا تسجل باسم الشخص نفسه بل بأسماء اخرى يطمئن اليها من اقاربه، الا يعد هذا قرينة واضحة بل ودليل واضح ايضا، ان محاربة الفساد المالي ليست مهمة صعبة و في زمن الراحل عبد الكريم قاسم اصدر قانون الكسب غير المشروع برقم 15 لسنة 1958 وعمل وفق هذا القانون الا يمكن اعتماد مثل هذا القانون للكشف عن الفساد في الدول التي ترغب ان تكون دولة مؤسسات . لكن لا أحد يستطيع الحديث والاشارة الى هذا المعني بسبب سيطرة الميليشيات في دول من هذا النوع ولذلك يفترض بهذا النوع من الدول ان تعيد النظر في سياستها وتحديد صلاحيات مكوناتها وبالتالي اعتماد منهج دولة المؤسسات لان ذلك هو المنهج الصحيح واعتماد القانون وتأييد الشعب لان الشعب هو صاحب المصلحة وله الكلمة الفصل.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل