/
/
/
/

أضم صوتي إلى صوت الرفيق المناضل جاسم الحلفي بما دوّنه من ملاحظات عن خلفيات وظروف ثورة 14 تموز من عام 1958 في صفحته على الفيسبوك والذي صادف تاريخه في ذكرى انقلاب البعث الثاني في 17 تموز من عام 1968 بعد إنقلابه الدموي الأسود الأول بالتحالف مع القوميين الناصريين في 8 شباط من عام 1963 وهو واحد من أكثر الإنقلابات العربية التي اُرتكبت خلاله مذابح طاولت آلاف الشيوعيين والوطنيين الديمقراطيين المستقلين والأبرياء . وبعيداً عن التجاوزات التي رافقت الإطاحة بالنظام الملكي العراقي البائد رهين إرادة الإستعمار البريطاني  إلا أن ما جرى لم يكن مجرد إنقلاب للظفر بالسلطة والإنفراد بالحكم -  كما يُفترض على الأقل مبدئياً - بل ما كان لينجح أصلاً ويحظى بشعبية لو لم تمهّد له مسبقاً القوى الوطنية الأرضية السياسية لنجاحه ، سواء من خلال الانتفاضات والهبات الجماهيرية  التي قادتها والتي سبقت هذه الثورة أم من خلال تأسيس جبهة الإتحاد الوطني التي ضمت الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية وكان للحزب الشيوعي العراقي دور محوري في تأسيسها ، كما كان له دور في مد جسور العلاقة مع تنظيم الضباط الأحرار الذي  تشكل منذ عام ١٩٥٦ بقيادة عبد الكريم قاسم ونجح في تموز / يوليو 1958 في تحقيق إنقلاب ثوري على النظام الملكي البائد معبراً حينها عن تطلعات أماني الشعب العراقي في التخلص منه و الذي كان ركيزة من ركائز الإستعمار الإنجليزي في المنطقة وإقامة الأحلاف العدوانية معه ضد حركة التحرر الوطني العربية الصاعدة .  وإذ يحتفل  الشعب المصري في مثل هذا اليوم 23 يوليو / تموز الجاري بثورة 1952 والتي سبقت ثورة تموز العراقية بست سنوات فقد كانت شعاراتها هي الاخرى تحررية ديمقراطية من أجل إنهاء النظام الملكي السابق الركيزة الاخرى للإستعمار الإنجليزي في المنطقة العربية ومن  أجل التحرر الوطني وتحقيق السيادة الوطنية المصرية الكاملة بعيداً عن نفوذ وتدخلات المستعمَر الإنجليزي ، وكان لقوى اليسار أيضاً دور في التمهيد لها  بل وكان بعض ضباط الثورة من التيار اليساري ، بغض النظر عن الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها قيادتها ، ومنها دورها في دعم  انقلاب شباط على ثورة 14 تموز العراقية انتقاماً لموقفها والقوى الحليفة لها من الوحدة المصرية السورية رغم فشلها قبل عامين وتحقيقاً للتفرد بالزعامة القومية على امتداد العالم العربي ورفض قاسم انصياعه لها  . ومن المؤسف أن ينبري اليوم من يُزيّن وجه النظامين الملكيين السابقين في مصر والعراق لمجرد المقارنة بالكوارث والمآسي التي جرت على أيدي حكام العهد الجمهوري في كلا البلدين بعدئذ ، فكأنما هذين النظامين سيتورعان عن ارتكاب ما ارتكبته الزمر العسكرية الجمهورية لو أمتد العمر بهما و شعرا بتهديدات جدية تهدد حكمهما  . يكفي القول هنا بأنهما كانا ليسا فقط رهينتين  لتدخلات المستعمِر الإنجليزي وفاقدين للإرادة السياسية الكاملة المعبرة عن السيادة الوطنية غير المنقوصة ، بل ورغم ما يُقال عن ديمقراطية وتعددية دستورية مزعومة يمتازان بها ، فإن هذا المستعمِر  وقف ضد مساعدة القوى الوطنية والشعب لتطوير ذلك النظام الملكي في القطرين العربيين إلى ملكية دستورية ديمقراطية على غرار الملكية الدستورية التي ينعم بها شعبه  . ففي الوقت الذي تنعم فيه أحزاب وقوى اليسار في بلاده بحق العمل العلني المشروع كان هذا الحق مصادراً على قوى اليسار في البلدين ، ناهيك عن تواطئه في جرائم ومجازر اُرتكبت بحق قياداته سجناً وإعداماً . ولنتخيّل جريمة مثل الجريمة التي أرتكبها  النظام الملكي المقبور بدم بارد بإعدام قائدومؤسس  الحزب الشيوعي العراقي فهد ورفيقيه حسين الشبيبي  وزكي بسيم قد جرت في بريطانيا بحق قادة من قواها اليسارية ، فهل كانت تمر مرور الكرام ؟ ومع ذلك كان موقف المستعمِر البريطاني منها موقف التواطؤ المتخاذل ، إن لم نقل المبارك المشارك في تلك الجريمة والتي جرت في ظل صمت دولي مخزي وفي  وقت بدايات ارتفاع حدة الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي وحيث لم  تظهر فيه بعد منظمات حقوق الإنسان الدولية .                                             وبالمقارنة التاريخية بالثورتين   اللتين وقعتا في خمسينيات القرن الفائت يتبيّن لنا أنهما  إذ جاءتا تعبيراً عن تطلعات وأماني شعبين في التحرر الوطني والإستقلال التام من المستعمِر الإنجليزي وحققتا تحولات إجتماعية تقدمية هامة ملموسة  ، بغض النظر عن النهاية المؤسفة لكل منهما حيث عجزت قيادتاهما في إستكمال تلك التطلعات والأماني الشعبية في الجانب الثاني للثورة والمتمثل في تحقيق الحرية والنظام الدستوري  الديمقراطي التعددي  ، حيث كانت كلاً منهما ترى في نفسها الوريث الشرعي لاحتكار الثورة لأنها اُنجزت بفضلها وحدها ولا يحق للقوى السياسية الوطنية المعبرة عن فئات واسعة من الشعب حق تقاسمها ، سواءً بالإنتخاب أم بالتوافق  ، نرى  الحال مماثل في الثورتين الحاليتين السودانية والجزائرية ، ذلك بأن القيادات العسكرية أو جنرالات الجيش بات من المقطوع به أنهم يرون في أنفسهم اليوم أصحاب الفضل فيما تم تحقيقه بإزالة رأس النظام ورموز من حاشيته في كلا القطرين ، ومن ثم فهم لا يتغاضون عن مساومة  قوى الثورتين لتقاسم السلطة القادمة ،  في حين لم يكن لهما دور يُذكر فيما تحقق حتى الآن من منجزات ومكاسب لإزالة رموز الفساد الكبيرة والدكتاتورية في كلا النظامين الحاكمين اللذين ثار عليهما الشعب  ، بل وليس لديهما ثمة أية شعارات وطنية للتحرر الوطني أو ديمقراطية يتلطيان بها في المزايدة على قوى التغيير والثورة ؛ ما لم نقل أن هؤلاء الجنرالات كانوا  أصلاً جزءاً وورثة لمنظومة نظام دكتاتوري شمولي عسكري كانوا شركاء فيه وتوارث جنرالاته الإنقلابات العسكرية،  و أخفقوا جميعاً  في تحقيق تطلعات شعبهم في الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية منذ الإستقلال الوطني قبل أكثر من نصف قرن ونيف . 

فأين كان جنرالات الجيش السوداني حينما كانوا جزءاً من نظام الدكتاتور الإسلاموي عمر البشير قبل إسقاطه تحت ضغط هبات الشعب السوداني بقيادة قوى إعلان الحربة والتغيير  ؟ وإذا كانوا يدعون اليوم من فضل في إزاحة حكم البشير وكبار رموزه الفسادية فلماذوا  لم يجرؤا على القيام بهذه المهمة  الثورية من داخل النظام للتعبير عن تطلعات شعبهم قبل اندلاع الثورة الشعبية في ديسمبر / كانون الثاني الماضي الماضي . فعلى مدى 64 عاماً حكم الجيش 52 عاماً على ثلاث فترات متقطعة واُسقطته الثورات الشعبية ليعاود العسكر  إجهاض السلطات المدنية المنتخبة أو قبل أن تستكمل مهام التحول الديمقراطي .

وما ينطبق على جنرالات المؤسسة العسكرية السودانية  ينسحب تماماً على الجنرال المتربع اليوم على رأس المؤسسة العسكرية الجزائرية أحمد قايد صالح رئيس الأركان  ، الذي أعلن بكل صراحة ، دون أن يرف له جفن ، رفضه القاطع لأحد شعارات الثورة " لا للحكومة العسكرية نعم للحكومة المدنية " .  وبالتالي يمكن القول لولا ضغط الحراك الشعبي الجزائري منذ فبراير / شباط الماضي لتم تمرير  بنجاح مسرحية إعادة اتتخاب الرئيس المقعد عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة ، وهو الفاقد لأي إمكانية في حكم البلاد منذ أن تم تمرير إخراج مسرحية إعادة انتخابه لولاية رابعة ، وهكذا اُجبر بوتفليقة تحت ضغط الإنتفاضة والقوى المتنفذة حوله على التخلي عن الترشح لولاية خامسة جديدة  ، وسرعان ما تكشّف بأن المستفيد  من استمراره في الحكم هم بالطبع حاشية رموز الفساد الكبيرة المعششة في مؤسسة الرئاسة والجيش ، وعلى رأسهم شقيقاه ناصر والسعيد ، وغيرهما من رموز رجال الأعمال المليارديرية مثل كريم كريم ونوح وطارق والإخوة كونيناف ملاّك أكبر مجموعة للمقاولات وأسعد ربراب ( مدير مجمع سيفيتال للصناعات الغذائية ) ،  ووزير الطاقة الأسبق شكيب خليل ، ووزير الأشغال العمومية الأسبق عمر غول ، ناهيك عن رؤساء حكومات سابقين مقربين من الرئيس السابق مثل عبد المالك سلّال وأحمد أو يحي .  

وفي غياب أي مشروع للتحولات الديمقراطية والإجتماعية يمكن القول بأن كل قيادات جيوش الجمهوريات العربية الممسكين بالسلطة إستنفذت مبرر وجودها في السلطة ، فمن جيوش تنادي بحماية الأوطان وبتحرير فلسطين وتحقيق الإشتراكية أو العدالة الاجتماعية والوحدة العربية إلى جيوش قمعية معنية بالدرجة الأولى لحماية الأنظمة وحكم الفرد قائد الإنقلاب ومسببة لتفتيت شعوبها وأوطانها  . أو على حد تعبير الباحث السوسيولوجي فؤاد إسحاق خوري فأن أكثر الجيوش العربية التي تدخلت في السياسة لم تسيطر على الحكم مباشرة فحسب ، بل أنها ألغت جميع المؤسسات التي تحدد شرعية الحكم ، وطالما أن الانقلابات لا تعمل وفق دستور شرعي أو قواعد ديمقراطية فمن المستحيل أن يُتوقع من الإنقلابيين الجُدد العمل على إقامة نظام ديمقراطي دستوري جديد ليسلموا السلطة بمقتضاه ثم يعودوا لثكناتهم طواعيةً  .

 وهكذا وجدنا سلطتي ثورتي يوليو / تموز في مصر والعراق العسكرية إذ يُحسب لهما أنهما اختصرتا فعلياً لشعبيهما طريق الخلاص من الهيمنة الإستعمارية الإنجليزية وفتحت آفاقاً جديدة للتحولات الإجتماعية ، إلا أنهما رفضتا التخلي طواعية عن احتكار السلطة وحكم الفرد ( ناصر في الحالة المصرية وقاسم في الحالة العراقية ) ، وهذا ما أفضى في النهاية لانتكاسة كلتا الثورتين على أيدي قوى حليفة من داخل النظام والمؤسسة العسكرية التي قادت التغيير  ، على نحو ما جرى في الإنقلاب الدموي الأسود بقيادة تحالف القوميين والبعثيين في فبراير / شباط 1963 ، وكما جرى في مايو / ايار 1971 على يد رفيق وصديق قائد الثورة عبد الناصر ووريثه في الحكم  أنور السادات فيما أطلق عليه " ثورة  التصحيح " بإنقلابه على الجناح اليساري الناصري في السلطة والحزب الحاكم " الاتحاد الإشتراكي "   .  

إن واحداً من أهم دروس  إجهاض ثورات الربيع العربي كان لغياب وحدة القيادة والخبرات التنظيمية لدى الشباب الغرر ونقص خبراتهم والتجربة واللتين ميّزتا الأحزاب والقوى الوطنية في قيادتها للهبات الشعبية إبان صعودها ما سهّل لجنرالات الجيش للمخاتلة والظهور بمظهر  المتعاطف معها ،  كما في الحالة المصرية خلال ثورة يناير 2011 ثم خلال انتفاضة 30 يونيو 2013 ضد حكم الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي  ،  وهنا تكمن ثمة مخاوف جدية بأن يتكرر ما حدث في ثورات الربيع العربي بحيث  يتمكن العسكر  مجدداً من إجهاض ما حققته كلتا الثورتين السودانية والجزائرية من مكاسب ، وبخاصة الأولى التي أ سكب شبابها دماء غزيرة في مواجهة شراسة قمع جنرالات حاشية الدكتاتور المخلوع  ومساعديه في جنرالات المجلس العسكري الإنتقالي الحالي الذين استغلوا الثورة للإنقلاب عليه والتظاهر الكاذب بالتجاوب مع مطالب الثورة في حين أن ما ارتكبوه من مذابح بحقها يفوق ما فعله الدكتاتور المخلوع في شهورها الثلاثة الأولى .  ولم يأتِ الأصرار العنيد من قِبل المجلس العسكري في المفاوضات الشاقة المريرة مع ممثلي قوى إعلان الحرية والتغيير اعتباطاً ، بل لتكون لهم الغلبة في المحاصصة على مقاعد مؤسسات الفترة الإنتقالية مع ممثلي الثورة ؛ وهذا مما لا يبشّر بوجود نوايا حسنة حقيقية لديهم لمد يد التعاون مع ممثلي الثورةو الشعب لتحقيق كامل آماله استكمال مهام ثورته نحو إقامة نظام ديمقراطي مدني حقيقي . 

ولئن كان من حسن حظ الثورة السودانية أن انخرط في طليعة قيادتها قوى سياسية ونقابية مُجرّبة تمكنت بسرعة من التعبير عن آمال وتطلعات شباب الثورة وعرفت كيف تفاوض بإسمها ، وتكشف دهاء وخُبث وتكتيكات الجنرالات الممسكين بالسلطة فهذا ما لا يبدو حتى الآن للأسف متوفراً في الثورة الجزائرية الراهنة حيث لم يسمح النظام السياسي الذي شيّد بعد انتصار الثورة على المستعمِر الفرنسيي منذ عام 1963 في أي فترة من فترات انفراده بالحكم بالتعددية الحزبية وإقامة نظام دستوري ديمقراطي . مهما يكن  فإن قيادات وقوى كلتا الثورتين مدعوتان اليوم للإستفادة من دروس وعِبر  إجهاض ثورات الربيع ، فضلاً عن دروس وعِبر انتكاسة ثورتي تموز / يوليو المصرية العراقية لتفادي تكرار المصير نفسه . 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل