/
/
/
/

أصبح تغيير رؤساء الجامعات بأوامر وزارية حالة ملازمة لفعاليات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو تلازم أظهرته الإعفاءات المتلاحقة، والتي طالت الجامعات الجنوبية خاصة، فأصبح تلازماً لا مفر منه قد لا ينجو منه أي مسؤول في الجامعات العراقية فيما عدا جامعات إقليم كردستان.

والتغييرات الشاملة هذه لم يعرف سببها لعدم تضمين الأوامر الوزارية على الأسباب إلا أنها حملت نوعين رئيسين من الصياغة قد تدل على فحوى الإقالة فأحدهما يتضمن تثمين جهود رئيس الجامعة في خدمة التعليم العالي، والأخرى لا تتضمن تثمين الجهود. فالإقالة بهذا المعنى هي مجردة عن تقييم أداء رئيس الجامعة. وإذا كان الأمر كذلك فجدير أن نتساءل عن الأسباب التي تدفع الوزير الى إقالة معظم كادر وزارته واستبدالهم برؤساء آخرين من دون "وجود آلية واضحة ومعايير محددة شفافة وموحدة" كما أشار اليها بيان نقابة الأكاديميين. وهنا نتفق اتفاقاً تاماً مع مطالبة النقابة بإبعاد توزيع المناصب القيادية للجامعات عن "المحاصصة المقيتة وما يسمى بالتوازن والذي ينذر بتحويل مؤسساتنا الأكاديمية الى واجهات حزبية وسياسية مبتعدة بذلك عن واجباتها ودورها وتقاليدها وأعرافها الاكاديمية العريقة".

إن مثل هذه التغيرات الجذرية في المناصب العليا لم تشهدها الوزارة منذ تأسيسها، فبالرغم من وجود عدد كبير من الاختلالات التي اعترت المنظومة التعليمية، وكثير من الإشكالات التي أثرت سلباً على أداء الجامعات لم نر تغييراً شاملا كمثل الذي يجري حالياً، وما يثير القلق هو انعدام الترابط بين تغيير القيادات، وبين دعم وتجويد العملية الاكاديمية، والمخرجات التعليمية وكسب ثقتها في عالم يتطور ويتقدم باستمرار.

الأسئلة الصريحة والواضحة التي تطرحها قضية الإقالة والتعيين المبتسرة على التعليم العالي في عراق اليوم، تتوزع على عدة محاور:

- ماذا يمكن أن يحدث في جامعات تعاني من اختلال في نظم التعليم، سواء تعلق الأمر منها بالمناهج والمضامين أو المخرجات، وهو ما تعكسه وتترجمه المراتب المتدنية لجامعاتنا ضمن التصنيفات الدولية ذات الصلة.. في ظل سياسات حكومية سريعة لا تعتمد على آليات ومعايير واضحة تخضع لدراسة جدوى وتقييم وتقويم...؟

- ماذا يمكن أن يحدث ببلد يعاني من أزمات الفساد الحزبي، والفساد المالي، ومن المحاصصة الحزبية.. ومن ضعف الإرادات التنموية، والى جانبها يعاني من فرض القرارات السلطوية، ومن تحديات البطالة التي تواجه الخريجين وحملة الشهادات العليا...؟

- ماذا يمكن أن يحدث بجامعات تلتقي على أرضيتها قلق التدريسيين من تجاهل الع-مل بقوانين التعليم الجامعي واحتمالات إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية، وقلق الطلاب من البطالة التي تنتظرهم، وقلق الباحثين من انعدام الموازنات البحثية والتراجع في التصنيفات الدولية، وقلق الرأي الأكاديمي المستشرف لآفاق التطور والانفتاح من انعدام الاستقرار وانتشار الآراء المعادية للابتعاث وللتوأمة مع الجامعات العالمية وهيمنة اتجاهات الانغلاق والحصار الذاتي...؟

- ماذا يمكن أن يحدث إذا التقت كل هذه الأزمات.. وكل القلق والغضب على إثرها، بظروف أزمة فقدان قيادات معرفية ذات خبرة إدارية وعلمية، تقترن فيها سيطرة واجهات حزبية وسياسية بما يعود بمنافع ضخمة لمكونات سياسية معينة...؟ 

لا أريد ولا أسعى الى الإجابة عن سؤال متعدد المحاور، فذلك شأن الحكومة. ولكن إشكالية الفصل الجماعي والتعيين بدون آلية واضحة في ظل انعدام التطوير الأكاديمي والعلمي والإصلاح البرامجي، أصبحت تفرض نفسها على التعليم العالي، وأصبحت تفرض على العلماء والأكاديميين والتربويين، الذين يملكون القرار والذين لا يملكونه، التصدي لها بالدراسة والتأمل والتحليل، والاحتجاج والاعتراض ولو من باب النصح والاستئناس والتساؤل.

ومعروف إن مشكلة القيادات الجامعية وحدها، وبعيداً عن السلبيات المؤثرة الأخرى، كانت منذ نشوء وزارة التعليم العالي، وما تزال تحظى بأهمية قصوى لدى كل الأكاديميين، وزاد الاهتمام بها بعد 2003 عندما أصبحت المحاصصة السياسية والتقاسم الوظيفي للمناصب الاكاديمية سمة أساسية للنظام التعليمي. إلا أن التقاسم الوظيفي بالرغم من كونه فعلاً مشيناً بحق الأعراف الاكاديمية يظهر أحيانا بصورة أسوأ عندما ينحاز نحو جهة أو مكون معين.

فلم تعد هذه المشكلة، وظيفية فقط، وإنما أصبحت تشكل أزمة ذات أبعاد أخرى، سياسية وأكاديمية في غاية الخطورة على الجامعات التي أصبحت بفعل السياسات الحكومية المتعاقبة عقبة كبيرة أمام الإصلاح الأكاديمي، وهو ما يعني انشغال الجامعات والتدريسيين في الصراعات السياسية مما يبعدهم عن مهمة تطوير قابلياتهم الاكاديمية واهتماماتهم الأساسية في التعليم والبحث العلمي ويعزز الرغبة في المناصب الجامعية بعيداً عن الاستحقاق الأكاديمي والعلمي.

الغريب في الأمر إن الجامعات العراقية جربت الآلاف من القيادات حيث أصبح منذ 2003 هدفاً لمعظم الوزراء سواء كان ذلك استجابة لما تتطلبه المحاصصة، أو لكون المسؤول الجامعي الجديد صاحب خبرة ومعرفة أكثر من سابقه. ولم يكن هناك شروط موضوعية ولا معايير أكاديمية إلا في بعض الحالات لاختيار أفضل المرشحين لأن الهدف كان ولا يزال هو إدارة المؤسسة بالصورة التي يعتقد بصحتها وملاءمتها المسؤول الأعلى، وتنسجم مع تعليماته ورؤيته ورؤية ومصالح المكون السياسي الذي يمثله. فهذه النظرة التي تعني بوضوح اكتساب القدرة على إدارة الوزارة فيصبح هو المؤطر والراعي وبذلك يتحمل المسؤولية عن تقدم أو تراجع الجامعات. أما رئيس الجامعة وعميد الكلية والتدريسيين فتضمحل اسهاماتهم داخل هذه المنظومة الإدارية ويتحولون الى مجرد منفذين للتعليمات الوزارية وتتحدد استقلاليتهم بما توفر لهم التشريعات والإمكانات والشروط اللازمة للعمل من مساحات تسمح لهم بالتحرك فيها، وبضمنها يمكن تحديد نوعية العلاقة الجماعية، أو الفردية مع أعضاء الهيئة التدريسية.

إن استئثار رئيس الجامعة العراقية بمكانة لائقة داخل المنظومة التعليمية وضمن محيطه الجامعي يتوقف على توافر شروط ومقومات ذاتية، وأخرى موضوعية. فالأولى تعود الى كفاءته في إدارة الجامعة، وتحمل المسؤولية في حل مشاكل العمل بما تحيل إليه من موضوعية، وتواضع وترسيخ للعمل الجماعي. والثانية تتعلق بتوفير البنى التحتية والشروط اللازمة للعمل بشكل سليم وبما يرضي المسؤول الأعلى ويتفق مع سياساته أو في بعض الأحيان مع رغباته.

اختيار رئيس الجامعة أو العمداء من قبل الوزراء لم يعد خياراً يقبله التدريسيون، وكثيراً ما ينسب إليهم قولهم بأن تدني المستوى التعليمي يعود الى سبب منح المناصب الإدارية المهمة استنادا الى انتماءات حزبية وطائفية ومحسوبية ومنسوبية، ويشير اتهام آخر الى أن التغييرات الإدارية على مستوى رؤساء الجامعات والعمداء والمستندة أساساً على تكريس الولاءات الحزبية أولاً، وبدون مراعاة وضع المؤسسة الاكاديمية هي أصل البلاء في المؤسسات التعليمية. وبالرغم من تباين الآراء والتحليلات يبقى الاتهام الأساس بأن عدم وضع الشخص المناسب في إدارة الجامعات والكليات يعود الى المحاصصة الطائفية والحزبية. كل هذه الاتهامات والآراء تفترض أن الاداري الذي استلم منصبه عن طريق ترشيح حزبي بالضرورة هو إداري فاشل، وهو سبب تدهور مستوى التعليم الجامعي والبحث العلمي!

لعله، وفي هذه الظروف العصيبة التي تمر بها جامعاتنا، وفي ظل الاعتبارات المهنية الخطيرة المتمثلة في إلغاء تكليف رؤساء الجامعات وتكليف آخرين بدلهم والتي تلقي ظلالها على مهمة القيادات الإدارية أرى ضرورة التريث في اختيار رؤساء جامعات جدد وتبني أساليب وآليات ديمقراطية وشفافة للاختيار. ولن أتقدم هنا باقتراح جديد لكيفية اختيار أو انتقاء المسؤولين الأكاديميين فقد كتبت حولها سابقاً ويمكن الاطلاع عليها بفتح الواصل ادناه*، ولم يؤخذ بها لأسباب ظلت مجهولة لي، الا أني أود أن أقدم كمثال صورة ملخّصة لكفاءات رئيس الجامعة التي أرى ضرورة التمتع بها:

أولاً، أن يكون ذا شخصية قوية وجذابة ومتزنة، ويتمتع بمهارات الاتصال والتواصل بالعربية والإنكليزية، وله علاقات جيدة بالأجهزة، والمؤسسات الخارجية (الوطنية والعالمية).

ثانياً، ذو سجل ممتاز في كل من البحث العلمي والتدريس.

ثالثاً، أن يؤمن بالاستقلال الأكاديمي والفكري للجامعة، ويسعى لتكون الجامعة مجالاً خصباً لإيجاد الحلول المناسبة للإشكالات التي تعترض المجتمع، بمنهجية علمية.

رابعاً، أن يهتم ويلتزم بالمعايير الأكاديمية، ويسعى الى الارتقاء بجودة التدريس والبحوث، وبسمعة الجامعة.

خامساً، وأخيراً، أن يلتزم بقوة بأسس الحكم الجماعي الصالح، الذي يجمع مصالح التدريسيين في الجامعة في عملية صنع القرار.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل