/
/
/
/

في 7 آذار 1942، شب حريق في بيتها الصغير بمدينة شيكاغو الامريكية، في شارع  ـ نورث تروي ـ  وكانت آنذاك قد بلغت 86 عاماً، فأتى عليها وعلى البيت سويةً. ولدت القائدة النقابية لوسي كَونزاليس ـ بارسونس عام 1856 في ولاية تكساس لعائلة ملونة ( مكسيكية ـ سوداء ـ ومن السكان الاصليين)، وكانت عائلتها مملوكة ضمن العبيد. وتعتبر أول امرأة من اصول ملونة ولجت دروب النضال العمالي النقابي ـ والتحرري السياسي، من اجل الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة ليس في امريكا فحسب، بل وفي كل العالم . وقد اصطدم اختيارها هذا وبعمر مبكر مع المنظمة العنصرية الارهابية الواسعة الانتشار في الجنوب الامريكي والمسماة كو كلاس كلان، مما ترتب عليه تعرضها للملاحقات والسجون والى العمل الشاق والحياة الاجتماعية القاسية  وحتى خسارة أقرب الناس اليها.  لكن دروب الكفاح هذه دلّتها ايضا الى توأم روحها، ذلك الشاب (الابيض) الوسيم والمدافع عن المساواة والعدالة الاجتماعية بين الامريكان ومن كل الالوان، فكان أن اقترنا، إلا ان النظام العنصري في ولاية تكساس الامريكية لم يعترف بعقد الزواج، لا بل تم طردهما من الولاية بعد ان أصّرا على البقاء سوية، فتوجها للعيش في مدينة شيكاغو .

بعد وصولهم الى شيكاغو، التي كانت تعج بالنضالات السياسية والعمالية، انضما لحلقتين واحدة تدعو لتشكيل اتحادات قوية لعمال القطاع الصناعي، والثانية تدعو لنشر الافكار الاشتراكية . وفيما ركزّت (لوسي) عملها لتنظيم العمل النقابي النسوي ، فقد انصرف زوجها ( آلبرت بارسونس) الى العمل التنظيمي والخطابي، وكان يعتبر واحداً من النقابيين اللامعين القلائل في شيكاغو من غير المهاجرين الجدد!

في صبيحة السبت الأول من آيار 1886، قام الزوجان ومعهما ابنتاهما بقيادة اول مسيرة احتفالية بمناسبة (عيد العمال) في مدينة شيكاغو (في شارع مشيكان آفنيو) شارك فيها (80 ألف) عامل مطالبين بيوم عمل من (8 ساعات)، وتزامنا معها انطلقت مسيرات احتفالية في مدن امريكية اخرى وصل عدد المشاركين بها الى (100ألف عامل) من حوالي 13 ألف معمل وورشة صغيرة .

مضت أربعة ايام على هذا الحدث حيث انطلق تجمع آخر يوم 4 آيار 1886 في منطقة (هي ماركيت سكويرـ قبالة معمل مكورمك) للتضامن مع العمال المضربين، وكانت توجد حشود من الشرطة والمخبرين في تلك الساحة، وحدث ما كان يخطط له اصحاب المعامل ورؤوس الاموال المعادون للحركة النقابية، حيث القيت قنبلة على تجمع الشرطة راح ضحيتها (7 قتلى) من الشرطة، التي بادرت باطلاق النار العشوائي والقاء القبض على ثمانية من  ابرز قيادات التظاهرة، وانتهى الامر بعد أشهر بصدور احكام جائرة ضدهم، أدت الى وفاة احدهم في السجن، وحكم على إثنين بالسجن 15 عاما، وواحد بالسجن المؤبد، وأربعة بالشنق، ومن ضمنهم كان زوج  لوسي النقابي آلبرت بارسونس.   

لقد مثلّت تلك الحادثة ونتائجها ضربة كبيرة للعمل النقابي وللحركة العمالية في عموم البلاد، وأظهرت مدى استعداد الرأسماليين وأصحاب رؤوس الاموال لإغراق الشوارع بالدماء منعاً لقيام حركة عمالية كبيرة ومنظمة، لكن كل تلك الاحداث ونتائجها لم تثني ـ لوسي ـ من المطالبة بإعادة المحاكمة للمعتقلين وإثبات الجناة الحقيقيين في مقتل الشرطة السبعة، وأمام اصرارها هذا دفع أحد المسؤولين في شيكاغو للقول: إن هذه السيدة أخطر بكثير من آلاف المتظاهرين !  وقد اثبتت التحقيقات لاحقا بأن المتظاهرين او القادة الذين ألقي القبض عليهم كانوا أبرياء من هذه الجريمة، و رغم خسارة زوجها، وفقدانها لابنتها بعد عامين نتيجة المرض ، لكنها استمرت بالنضال وهذه المرة مع النساء المعدمات والفقيرات حيث قادت التظاهرات باتجاه الاحياء الغنية لعرض اوضاعهن وكسب التعاطف مع شرعية مطالبهن.

ويستمر عملها ومشاركتها في الاضرابات والتظاهرات، وفي عموم البلاد، ومع العام 1905، حضرت هي و (الأم جونس) الى مؤتمر ضم 200 مندوب كنّ هنّ المرأتين الوحيدين فيه، والذي تمخض عنه تأسيس (جيش العمال الصناعيين) وكانت تناشد النساء بالقول: لا تكونوا عبيدا للعبيد، وكانت تستنكر استخدام الشرطة للعنف والقمع في مواجة التظاهرات العمالية، لا بل انها طرحت في خطاب مطوّل بالمؤتمر الى تبني مبدأ نبذ العنف، والاعتصامات السلمية، والبقاء في المعامل أثناء الاضراب والحفاظ على كل الممتلكات من التخريب، ويبدو ان هذه المناشدات وجدت صداها في السنين اللاحقة (بعد ثلاثين عاما) في النضال السلمي الذي قاده ـ المهاتما غاندي ـ ضد النظام الكولونيالي الاستعماري في الهند للمطالبة بالاستقلال، وذات الشئ في عقد الخمسينات والستينات من القرن المنصرم في حركة الحقوق المدنية التي قادها ـ القس مارتن لوثر كنج ـ والتي تكللت باصدار مجموعة من التشريعات المدنية والغاء التمييز العنصري ضد السود والملونين.

اكتسبت شخصيتها بعداً وطنياً وعالميا في الحركة العمالية، وقد شاركت في مؤتمر نقابي بانكلترا في شباط 1941، ومن ثم طلب منها تجمع عمال المكائن الزراعية، والمطالبين بحقوق المكفوفين والعمال المؤقتين من القاء خطابا حماسيا في مؤتمرهم لدفع نضالهم واعطائه مزيدا من الحيوية. كما دعيت في نفس العام لتكون ضيفة الشرف في مسيرة الأول من آيار في لندن .

من المؤكد بأن ما حصل عليه العمال والشغيلة من الحقوق التي يتمعون بها الى اليوم ، لم تأت بالمجان،  بل كانت نتيجة تضحيات وسهر وعمل وملاحقات وسجون، لكن تبقى هناك غصة في القلب في الطريقة التي تعاملت السلطات أمس ولليوم مع القائدة النقابية (لوسي كونزاليس ـ بارسونس)، حيث لا يرد لها ذكر من بين الرائدات النسويات، ولا توجد اية اشارة لها في المناهج الدراسية، وهذا يكشف مدى العنصرية والطبقية في التعامل مع هذه الشخصية المضحية .

عشية الحريق الذي اتى عليها وعلى بيتها الصغير يوم السبت السابع من آذار عام 1942، وقف رجال الامن والمحققون أمام ذلك الحطام ليتأكدوا بأن قضية (لوسي كونزاليس ـ بارسونس) قد انتهت مع هذا الحريق! فقاموا بجمع كل كتاباتها وأوراقها ومكتبتها وكل مقتنياتها الشخصية، وأختفت منذ ذلك اليوم وإلى الآن، لكنهم لم يتمكنوا من محو اسمها ودورها النضالي والارث الذي تركته، وكما قال الكاتب الامريكي ـ اوجي ماندينو ـ : كل عمل عظيم في تأريخ البشرية هو انتصار لمبدأ التفاؤل، ولا يمكن تحقيق أي شئ دونه، لأنه يمثل حالة التحدي لأي شئ مهما كان صعباً أو مرعباً، وبدونه فإن الانسان يسقط في الوهن، لكن معه تستطيع تحقيق المعجزات!

المصادر:

  1. جمعت معظم هذه المعلومات من صفحة (زن ـ للتعريف بالشخصيات الامريكية)
  2. من كتابات المؤرخ والباحث الامريكي وليام لورين كاتز ، المختص بتأريخ سكان البلد الاصليين وعلاقتهم بالشعب الاسود

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل