/
/
/
/

 هل العراقيون محظوظون بجيرانهم؟ سؤال لا تتطلب الإجابة عليه بالنفي، أية قراءة معمقة أومفصلة، فسلسلة الحروب المدمرة والتدخل السافر في شؤون العراق الداخلية والإنتهاك المتواصل لحرمة أراضيه وسيادته، ليست سوى بعض من الحصيلة السامة لعلاقة نظام صدام حسين مع معظم جيران البلاد وعلى مدى اكثر من ثلاثة عقود، تلك الحصيلة التي إتسعت مأساويتها بعيد سقوط هذا النظام، يوم تعمدت القوات الغازية ترك حدود البلاد شمالا وجنوبا وغربا وشرقا مباحة لتجار الأسلحة والمخدرات ومهربي البضائع وعصابات الإرهاب المتعددة والمتنوعة التمويل والإعداد والأغراض، الأمر الذي سمح للعديد من عناصر المخابرات الدولية والإقليمية وأجهزتها إستباحة السيادة وهدر الكرامة الوطنية والتلاعب بمصير البلاد والعباد.

ورغم تباهي الحكومات المتعاقبة منذ العام 2003 وإدعاءاتها بالحرص على سيادة الوطن، الا انها فشلت وبامتياز في حفظ وصيانة هذه السيادة، فها هي القوات التركية تسرح وتمرح داخل الأراضي العراقية مستبيحة حدوده الشمالية في أعالي إقليم كردستان، وها هي الحدود العراقية الأيرانية من جبال قنديل وحتى الفاو مفتوحة بقوة السلاح أو هيمنة الفساد أمام مهربي البضائع والمخدرات، بشكل أغرق السوق الداخلية وحاصر المنتوج الوطني ونشر الخراب في صفوف الشباب، وها هي الحدود مع سوريا والممتدة لمئات الكيلومترات، مأوى آمنا لمن ضاقت به السبل من التنظيمات الإرهابية وبقية القتلة، وها هي حدوده الجنوبية ساحة رحبة للأشقاء العرب لممارسة كل المخالفات القانونية تحت ذريعة هواية  "الصيد البري"!

واذا كان حظ العراقيين مع جيرانهم سيئاّ جداً كما يشير واقع الحال الموثق بالعديد من الأحداث والدلالات، فإن سؤالاً مهماً يتطلب الإجابة من كل العراقيين، على من تقع المسؤولية الأولى عن هذا الخراب، أعلى جيرانه، ام على الحكومات العراقية؟

الجيران وان تنوعت قومياتهم - كلهم ودون استثناء – يريدون بل يقاتلون في سبيل تحقيق مصالحهم واجنداتهم  أولا، وقبل اية اعتبارات للروابط القومية أو الدينية، وهذا امر مفروغ منه ولا جدال فيه في عالم المصالح الدولية، ولذلك فهم لا يفوتون فرصة ما لتحقيق هذه المصالح مستغلين حالة فوضى الدولة الفاشلة في العراق. ولهذا فمن الموضوعية بقدر ما، القول إن المسؤولية الأولى لا تقع على الجيران بل على القوى السياسية التي حكمت وتحكم العراق. هذه القوى، وكل حسب ولائه، هي من ارتهنت لمصالح أنظمة دول الجوار وجعلت العراق سوقا لمنتجاتهم على حساب المنتوج العراقي .

إن دول الجوار هي المحظوظة اذا ما علمنا أن الميزان التجاري مع ايران حاليا 12 مليار دولار ويطمح الرئيس الإيراني الى رفعه ليصل الى 20 مليار دولار سنويا، والميزان التجاري مع تركيا بلغ العام 2018، 16 مليار دولار والرئيس التركي اعلن انه يريد تحطيم هذا الرقم القياسي مستقبلا، وحجم التبادل التجاري مع السعودية خلال عشر سنوات 8 مليار دولار، اما مع الكويت فقد بلغ حجم الصادرات الكويتية للعراق العام 2017 ، 3.9 مليار دينار كويتي (حوالي 15 مليار دولار)، وكل هذه الموازيين مختلة لصالح الجيران وبالضد من صالح العراق!

 "أحب جارك لكن لا تحن له رأسك"

جورج هيربيرت              

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل