/
/
/
/

لكن هلِ يتخيل إمرئ يوما ما إّنّ العراق من دونِ نهرين..؟ او من دونِ مدنِ الحضارةَ واسمائهِ الاولى..؟ او من دونِ الأهوار.. من دونِ نخلة.. نعم النخلَة..؟

 كيف للعراقي تحديداً أْنْ يتخيل مشهدَهُِ اليومي وهو يفتحُ عينيهِ على طبِيعةٍ خالية من نخلَةٍ او زقزقةِ طائرٍ فوقَها او ساقيةٍ تجري تحت ظلالها.. كيف لنا الحياة من دونِ عمتنا النخلَة..؟ عمتنُا النخلَة التي تقصُِ شعرهَا كي ننسجُ منه ما يلبي حاجِا ِتنا اليومية ، كيف لصورِ طفولتنا أْنْ تتخلى عن صورهِا بِصحبةَِ عمتنا الواقفَة دوماً بكلِ رشاقتها..

سألت العديد من الأخوة العراقيين " ماذا تعني لك النخلة..؟؟" الأجماع كان إنها تعني لهم الشموخ في وقفتها وصورتها ودلالتها الباسقة في طريقة وقوفها..

 يا.. للنخلةِ من جمال صورتها وشموخ لون الأخضرار المرتفع نحو السماء ودلالة حيث سعفها تنثره فيتناسق متناهي الدقة والجمالية على دائرة كاملة، لا تحيد عنها وكأنها مركز الكون، والعالم حولها يدور بكل كواكبه.. وهي متشبثة بعشق وتراب ارضها حيث لها من الصلابة في صد العواصف والرياح وهي تمد جذورها القوية لمئات الامتار في بواطن الأرض.. والأجمل فيها إنها دوما هي العاشقة، ونراها برفقة الفرات ودجلة عند ضفافيهما حبيبة، تحيي موجات النهرين الفضية الراقصة..

النخلة كيف لا تكون قريبة منا.. فهي جنسين ذكر وانثى، ولا ينضج ثمرها الا بالتلقيح، وإن تضررت لبة رأسها تموت، وإن قطع جزء منها فلا ينمو بديلاً عنه

يا لهذه النخلة التي تقف على بين صوت العقل " الحيوان " و صمت الاحساس " النبات " . النخلة شجرة راقية بل هي الأرقى من كل النباتات لأكونها دائمة الاخضرار وفصول السنة. يا لها من شبيهة للانسان، فهي النبات الوحيد الذي يموت عند قطع رأسها وليفها كأنه شعر جسم الإنسان. أكتب هذه الأسطر وأنا غارق في بحر ما دفعني اليه من الهواجس ما علق في ذاكرتنا من خواص وخصائص للنخلة العراقية تحديداً ، هذه الشجرة التي ارتبطت وتجذرت في تربة وخارطة العراق رغم ثلمها المستمر على طول التاريخ المكتوب منذ الحضارة السومرية الى حد يومنا هذا.

لقد جعلني استفزني الفنان الفوتوغرافي العراقي المبدع بما ادهشني بصدمة تكوينات صوره الملتقطة بزوايا لا يمكن ان تغض النظر عنها.

ان الفنان الجيزاني مبهر في هذه الصور وغيرها، فهو مصور يختار موضوعة حياتية مرتبطة بحياة الانسان، ودلالات البيئة دوما تكون واضحة داخل اطار الصورة، وهو يقف عند زاوية لها دلالة الانحياز الانساني في الموقف العام، وذات الزاوية تكون هي اهتزاز بصري واضح بكل حيزها اللوني الذي يدفع للرائي في تبني موقف  لا يمكن الحياد عنه، كما هنا في هذه المجموعة من الصور الفنية لموضوعة قتل النخلة وتغير الجغرافية البيئية لمساحة التراب العراقي ، وقد وجد لنا الفوتوغرافي المبدع اطلالة عالية النداء منها تنطلف صرخة نحو وجه السماء التي تركت الانسان ونخلته وحيداً امام الموت اليومي الحقيقي منذ مايقرب من نصف قرن ، كما نشاهدها هنا من هذه الزاوية التي توضح لنا الاوصال المتقطعة وهي تنتهي بجذع محفور فماً ملي بصرخة عراقية متجذرة..

النخلة العراقية التي تاريخها منذ تفتح الانسان الحضاري في تدوين افكاره على ورق الطين. فقد رسمها السومري منذ البداية رفيقة له وظلاً لحضاراته الأولى بما منحته من مادة ساهمت في تطوير إحتياجاته الحياتية وأدواته في ترسيخ أنماط وصور حضارته واكتشافاته الأولى.. ولما لا .. وقد تكون هي عشبة الخلود بفسيلتها الاولى التي احضرها جلجامش لتكون ابدية اسم بلادنا وابدية بقاء العراقي حيث تكون هي. انها ظل الخلود وهل من خلود في ان ارسم بلادي من دونها وكيف تتجذر حكايات أهلنا من دونها لكنها اليوم متروكة لوحدها في ساحة وحشة الاعدام، وكأن رأسها للتو قد تدلى من علوٍ تاريخها الذي شمخت به أرض العراق، حيث زاوية الرصد لعدسة الجيزاني تمتد من زاوية اليمين نحو شموخ يسار صورة الحياة المهشمة في خطوط رماد الموت وضياع الاخضرار الذي ملأ سني صدى أمل فرح وحكايات طيور كانت تلوذ الى دفئها المزركش على خرائط النجمات والحضارات حيث باتت الظلمة تهبط اليها عنفية.. اما الاكرام لها من دون وعي، حين يغني " ناظم الغزالي" وغيره من العراقيين " فوْقْ النخلْ فوْقْ.." بدلا مما كان ينويه "ملا عثمان الموصلي" حين صاغها "فوق لنا خل"..

كم تعشقون عمتكم أيها العراقيون..؟ ولماذا تركتموها وحيدة من دون ظلٍ ومن دون ثوبها الاخضر الذي دكن الى حد السواد.. تركتموها تلتصق في زاوية الكاميرا وهي تنثر نوحها واقفة على مرأى شاهد لموتها الا وهو احسان الجيزاني الذي برع في لملمت خيوط الجريمة التي برع الكثيرون في تنفيذ قتلها عند وضح النهار ليصدح تحت ظلالها " ناصر الحكيم " عند حاضرة السماوة " نخلْ السماوة يقول.. طرَتنْي سَمْرا .. سعفْ وكربَ ظليتْ مابيَّ تمرةَ ".

وكم هي كريمة حتى يبني العراقيون مدينة حلمهم من ثمار النخيل، كما نادى بها الشاعر ملا عبود"الكرخي " بغداد مبنية أبتمر فلس وآكل خستاوي

واجمل من أنصفها هو قول النبي محمد بن عبدالله (ص) " اكرموا عمّتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم"

وعنها يقول الشاعر أبو العلاء المعري : " شربنا ماء دجلة خير ماء وزرنا أشرف الشجر النخيلا "

 وأجاد السياب في رحاب عيون حبيبته فمنحها وسع غابات النخيل فقال "عيناك غابتا نخيل ساعة السحر"..

فماذا بقي منها في وطن نحت تاريخه الطغاة حروباً والسراق والمزورين والمهربين عبثوا فيه فساداً..؟ فماذا بقي للرائي من سواد وهو المسرع اليها ماء وكلأ وتاريخ وفنون..؟

 لقد قتل الشموخ الذي ترك ظلاله منذ الازل.. وأصبح العطش يلهث بين مدنها على شطآن نهريها العظيمين.. وباتت عواصف الصحاري تهب فيها عبثاً فوق جثث عمتنا النخلة العراقية، التي قتلت كما يقتل الانسان العراقي الذي صنع الحضارات الأولى وبات يلوك الحسرة والجوع وهو فوق ارض متخمة الثروات والتاريخ..!

يوماً ما قلتُ " حيث كان النخل ..هي تلك بلادي.." لكن ماذا بقي من بلادي وانا ابحث في لمعة عدسة الجيزاني عن ما يثبت ان هذه الارض اسمها العراق عبر وجود بساتين عمتي النخلة، التي بحث لي عنها فناننا المبدع احسان عن ثوب لها كي يغطيني في زمن عاصفة الخراب والحروب وموت الترصد والتنفيذ.

أن شريعة حمورابي فيها عددا من المواد القانونية لحماية زراعة النخل : فالمادة ال 59 من شريعة حمورابي تنص على تغريم من يقطع نخلة.. لكن اليوم من سينقذ عمتي..؟ من مجزرة محقت بها كما عصفت بالعراقي منذ عام 1980، ها هي المقابر النخيل الجماعية يرصدها الفنان الجيزاني بعدسته الوثابة، حيث سجل بسواد حزن وظل تعب وانهيار مقبرة دفن عمتها وهي حية.. كما في هذه الصورة ادناه التي يغسلها اللون الرمادي لون الموت والتنفس الترابي على ارض عطشة مزكومة برائحة موت الاخضرار، ها هو الفنان احسان الجيزاني يسجل انهيار الشموخ ويعطي له لون جسد العراقي على شكل نخلة في محاولة للوقوف وهي تومئ موتاً.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل