/
/
/
/

نشهد في هذه الفترة هجوما كاسحا لتجار المخدرات بعشرات الأطنان من المخدرات وملايين الحبوب المخدرة ، لا يؤثر فيه وضع اليد على شحنات هنا وهناك أو إلقاء القبض على عدد محدود من المتاجرين والمتعاطين ، فكل الحدود العراقية مفتوحة لهذه التجارة ، بالاضافة الى المطارات والموانئ ، وإذا كانت الكميات التي تم وضع اليد عليها بأحجام فلكية قياسا لوضع هذه التجارة في العراق سابقا ، فكم هي الكميات التي دخلت العراق ، وكم تسرب منها الى الناس خاصة الشباب .
نحن أمام كارثة حقيقية كبرى ، وإذا قارناها بخطر الإرهاب وداعش فانها أخطر من ذلك ، لتأثيرها المدمر على الناس والإقتصاد والمجتمع وبشكل غير منظور . ما الذي طرأ من جديد حتى تتفاقم هذه المأساة في الفترة الأخيرة ، فالحدود العراقية هي نفسها والحكومات تحمل نفس الطابع  والنهج ، حكومات الإسلام السياسي والطائفي والقومي ، لا بل إن الوضع الأمني الآن أفضل من السنين السابقة ، هل إن السبب يكمن بطابع الكسب السريع ’ طبعا هذا جانب ، ولكن هناك جانب آخر أكثر أهمية وخطورة وهو جانب سلب وإخضاع إرادة الإنسان العراقي ، فهذا الإنسان بدأ بالتمرد و الإحتجاج وتسفيه ما لقن به من أفكار طائفية وتشويه لتعاليم الدين والتقاليد ، وكانت الإنتخابات البرلمانية الأخيرة ونتائجها والعزوف عنها مقياس واضح لذلك ، إضافة إلى تزايد اهتمامات الناس وخاصة الشباب بأمور حديثة وثقافية كثيرة . فما هو الحل بالنسبة للمتسيدين ولإدامة حكمهم وتأثيرهم وليس لديهم القدرة على البناء ومعالجة النواقص ، بل لا تجد عندهم حتى النية لإنجاز ما تحتاجه البلاد والناس ، وأمام التهديد من ضياع سيطرتهم على موارد العراق وشبح محاسبتهم عن أعمالهم إذا فليأتي الطوفان ولتدمر الذات العراقية لعموم الناس وخاصة الشباب وخلق شعب مسطول فاقد الحس والإرادة ، همه الأول والأخير هو الحصول على هذه المخدرات ولا يهمه بأي سبل سيحصل عليها ، ولا يهمه أيضا العائلة والوطن والناس ، وهذه الحالة معروفة على نطاق دول أو مناطق أو أحياء تحكمها مافيات المخدرات ، والكل شاهد الأفلام وقرأ القصص الواقعية عن هذه الحالة . من يبيعك المخدرات سيكون صاحب السيطرة والسيد عليك ، وهذا التسلسل الهرمي يجعل من في القمة من المتاجرين بالمخدرات هم الأسياد . وهذه ليست مسألة حديثة ، فقد بدأت بتوثيق رسمي منذ حرب الأفيون الأولى بين بريطانيا والصين عام 1842-1838  ، وحرب الأفيون الثانية بين بريطانيا وفرنسا من جهة والصين من جهة أخرى في 1858-1857 . وكان الهدف من هذه الحروب هو السيطرة على السوق الصيني والحصول على معدن الفضة ’ فقد كانت نفوس الصين في ذلك الوقت أكثر من 400 مليون نسمة وهي تعتبر أكبر سوق تتطلع إليه بريطانيا وغيرها لتصريف بضائعها بعد الثورة الصناعية ، ولكن المجتمع الصيني كان منغلقا على نفسه ولم يسمح لبريطانيا ببيع بضائعها إلا من خلال ميناء صيني واحد ، ولهذا بحثت بريطانيا عن وسيلة شيطانية للوصول الى السوق الصيني وذلك بتصدير المادة المخدرة الأفيون الى الصين . ومن أجل هذا الهدف أمرت الحكومة البريطانية شركة الهند الشرقية وهي اليد الطولى الإقتصادية والعسكرية والسياسية لبريطانيا في العالم والتي كانت لها أنشطة اقتصادية وسياسية في العراق أيام الحكم العثماني . أمرت هذه الشركة بزراعة الأفيون في الهند بشكل واسع لتصديره الى الصين . وصلت أول شحنة من الأفيون الى ميناء كانتون الصيني عام 1781 ، وانتشر توزيعه واستهلاكه بسرعة كبيرة بحيث بلغ عدد المدمنين عليه عام  1838 أكثر من 12 مليون مدمن وبدأت الزراعة والصناعة الصينية بالإنهيار لأن أكبرهم وأصغرهم صاروا مدمنين على الأفيون، الى أن منع الامبراطور الصيني كافة أنواع تجارة الأفيون ، وأمر باعدام أي شخص يتاجر بالأفيون مما أدى الى ضرب مصالح بريطانيا في الصين وأشعل الحرب الأولى والثانية الى أن وصلت القوات الأجنبية الى قصر الامبراطور الذي وقع على وثيقة الاستسلام وفتح السوق الصيني واسعا أمام تجارة الأفيون والتجارة الأجنبية بشكل عام . 
إن تجار المخدرات لا يعرفون القيم والأخلاق ولا شئ عندهم اسمه الوطن والشعب ومصلحة البلاد ، فكل شئ يجب أن يخضع لمصالحهم التي بوسعها أن تجد طريقها الى الحياة السياسية في البلاد أو اندماج مصالح تاجر المخدرات والسياسي الفاسد . لهذا نشاهد اليوم هذه الهجمة الشرسة للمخدرات على بلدنا والتي ربطتها بعض الأجهزة الأمنية بسياسيين وقوى متنفذة ، ونجد تعبير ذلك بأنه كلما تكون حملة أمنية ودعائية ضد تجارة المخدرات نشهد بعدها فترة هدوء وكأن الموضوع انتهى ، وهناك مشكلة تشخيص الأماكن التي تدخل منها المخدرات الى البلاد في وقت نسمع ونشاهد قادة القوى الأمنية في البصرة يصرحون الى وسائل الإعلام بأن 80% من المخدرات التي تدخل البصرة تصل من ايران يبادر السيد رئيس الوزراء بالتصريح بأن المخدرات تصل من الأرجنتين عن طريق لبنان وسوريا ، وهذا شئ واقعي لو ان السيد رئيس الوزراء ذكر باقي المنافذ التي تغرق العراق يالمخدرات وان تجاهل ذكرها يهدف الى تزكيتها ويضعف الجهود لمحاربتها ، فهل محاربة المخدرات في العراق تدار بهذه الطرق والأساليب . من الضروري لاعطاء هذه الحرب أهميتها والحرص على نجاحها ، أن يعقد مؤتمر وطني بمشاركة القوى الأمنية المسؤولة عن مكافحة هذا الوباء وكذلك كافة القوى السياسية والمدنية و الإستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال ، للخروج بصيغة عمل وأساليب واضحة وكيفية تطبيقها وتحديد المسؤوليات والمراقبة لذلك ، وتحشيد وتعبئة الجماهير الشعبية لدعم هذا الهدف ، فالوقت لا يرحم في مثل هذه المعركة .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل