/
/
/

بعزيمةٍ قويةٍ و بحركةِ أقدامٍ خفيفةٍ لَبْسَ الرئيس عادل عبد المهدي حذاءً رياضياً ، بعد بضعة شهور ، من الممارسة الحيوية ، في أعقاب اختياره  بمنصب الوزير الاول في عراق     ديمقراطي  مثقلٍ بضبابٍ أبيض، لا يخفي عن الأنظار مظاهرَ فسادٍ ماليٍ واداريٍ ، واسع و جبار، يطوف فوق عظام وجماجم  المدن  و الشوارع و المدارس و المستشفيات و الطرق والجسور،  التي تقسم بأغلظ الايمان،  ان المواطن العراقي لم يعد قادراً على تمشيط شعر رأسه   .

 اتجه الرئيس  التنفيذي الأول، الى بحيرة واسعة ، مليئة بماءٍ ملّوث كمياهِ  شط العرب بالبصرة. اسم البحيرة المعروف   تداولها في الصحافة العراقية وحسب مصطلح الحداثة السياسية : ( بحيرة الفساد المالي).  ربما هذا المصطلح كان نافعاً وخطيراً حين حمله الرئيس عبد المهدي الى اجتماع ضم مجموعة كبيرة من كبار رجال الدولة العراقية ، عقدوه في  صالة فخمة بمبنى مجلس الوزراء العراقي . كانت أقداح الشاي ، الأسود و الأخضر، بأيديهم مع موبايلات موضوعة أمامهم .

 تجاذبوا أطراف الحديث  امام الرئيس عبد المهدي ، الذي كان في ذهنه و في يديه، نصٌ منجزٌ عن احتمالات قدرته ، التاريخية و الوزارية ، على تخليص البحيرات العراقية من لوثة (الفساد المالي) لأنه ظن  أن جميع من  اختارهم يملكون كفاية تلك القدرة ، خاصة و ان خياله كان مبتهجاً لأنه يعتبر نفسه زاهداً في هذه الدنيا وقادراً على معاقبة غير الزاهدين ،من كبار الموظفين والوزراء و المدراء  وعموم الفاسدين وأنصارهم، من اصحاب القيم الدنيا والرغبات المشتركة  في  وصولية المراتب العليا. 

 تحركتْ  جميع ألسنة المستشارين ، المجتمعين مع الرئيس مؤيدين  بحرية التعبير ، لمناقشة نصّه المنجز عن دلالة الطريق المؤدي الى تحرير البلاد من الفساد . كانوا مسرورين  ، جميعاً،  حين حل  نور الصباح و قام مذيع الإذاعة والتلفزيون ، في الفضائية العراقية، بإعلانِ بيانٍ مهم عن تشكيل هيئة عراقية جديدة  بعنوان ( الهيئة العليا لمكافحة الفساد).  عمّ الشعور بالارتياح جميع أعضاء الهيئة العليا ، ظناً منهم انهم تقاسموا كل انواع الاقتدار و الارتياح ، حين ادركهم الصباح بألف سؤال و سؤال.

السؤال الاول ، هنا، هو : هل ادرك الرئيس  عادل عبد المهدي ، قبل تشكيل الهيئة العليا او بعدها ، معنى تشكيل (اللجان) ببلدٍ  لا يخلو من قدرات  استكشاف شعبي  واسع ، بالرغم من نحافة جسده وتكسّر أضلاعه  ..؟   هل امتلك رؤية  علمية – أخلاقية صحيحة،  عن السبب وعن المسببين  ، أي عن خفايا مستوطنات ( الفساد)  و ( الفاسدين)  و عن قدرات جميع معذّبي الشعب العراقي الكادح ..؟

الفساد ليس شيئاً طارئاً في بلادنا ، كما يظن الرئيس و غيره من المسؤولين الكبار و الصغار في الدولة العراقية . الفساد بذرة نشأت في التاريخ ، زرعها الانسان المتسلط  حين وصل الى مستوى من الفهم و العقل و الحياة تساوى فيه  كثير من رجال الدين مع كثير من الشحاذين في رؤية منافع (المال) ومزاياه في السلطة والسيطرة والتحكم بشؤون البشر.  لذلك   تطلّع الساهرون في الطبقات الاجتماعية العليا الى جني حصاد محصول تلك البذرة ، كي يعيش الفاسد  الشحّاذ بمستوى مالك الارض و المصنع وكي يعيش مع رجل الدين بصورة شبحية مضاعفة. 

الفاسدون في مجتمعنا و بكل مجتمع  ليسوا مشابهين   للشحاذين ، فحسب ، اي ليسوا أقلية بالمجتمع. الفاسدون العراقيون ليسوا شقاة ، فحسب،  اي انهم ليسوا أقلية بمجتمعنا . انهم ليسوا  بائسين،  محبين لنهب المال العام والخاص ، و حسب ، بل انهم مجموعة هائلة من الاشباح المسيطرة بالظلام  على  مفاتيح ابواب الخزائن ، يدور في عقولهم و بين صفوفهم و مؤيديهم ، محرك اوتوماتيكي لانتهاك ( الاخلاقية الانسانية ) ، بل ينتهكون كل شيء ، بشكل دائم و حتمي، من اجل الحصول على المال الحرام . 

في تجارب التاريخ ، الغربي و الشرقي، ممارسات كثيرة عن الفساد تحوّلت من اشكاليةٍ حكوميةٍ الى دلالةٍ عامةٍ،  متبلورة في إطار الحداثة الرأسمالية ، قيل عنها انها غدت سمة عامة للسياسة الحديثة، خصوصاً في دول العالم المتخلف حيث العالم العربي جزء كبير منه ، حيث يرتدي الموظفون  في دولهِ ، كافة،  ثياب رجال الدين،  يتنكرون بها و يسترون ممارساتهم  بها. 

ثمة سبب رئيسي لتنامي حجم الفساد في بلد مثل العراق المعاصر . كثير من الإحصائيات و التقارير الدولية تؤكد ان العراق افسد بلد بالعالم. 

الفساد المالي مرتبط بالفكر السياسي المهيمن  . ربما مرتبط ايضا بصفات ليست إنسانية أصلاً ، اي من أصولٍ حيوانية.  الفساد المالي اساسه انحراف في اخلاق الانسان الفاسد نحو الاخلاقية الحيوانية. الانسان الفاسد هو الشكل الاعلى من نموذج الخداع  و حمل الصفة الدهماء و استخلاص وسائل سرقة الدود من أنف المقابل، عدوّاً كان او صديقاً ،او القيام بدجل من نوع ما قادر على سرقة تخم أسنان صناعية ، من فم صديقه او عدوه،  من دون ان يشعر المسروقة اسنانه بأي همّ او صداع . الفاسد  تعلّم (المكر) من ( الثعلب) لأن  كل عملية مالية فاسدة لا تحتاج الى آداب  او اخلاق الفلاسفة ، بل تحتاج الى اخلاق وآداب الثعالب و القرود ، الذين يتحايلون من اجل سرقة او نهب مادة غذائية او غيرها من التي يحتاجها ولا يحتاجها.  قياس العملية المالية الثعلبية ، ليس كقياس العلاقة بين الكلب و القناص او بين الفرس و الفارس ، انما هي نفس العلاقة بين الشهوانية المالية  في الاخلاقية الانسانية المنحرفة  وبين الغضبية الحيوانية المفترسة و بين اللذة الثعلبية الماكرة.

ثمة سبب لفساد جسم الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 فقد نشأ هذا الجسم في ضوء الترابط مع الشخصية البريطانية، الاستعمارية ، الحيوانية ، التي احتلت العراق.  كان الاحتلال قد بلّور أساليب تفسيد الموظف العراقي من خلال التمهيد لهيمنة رجال الاعمال و رجال الكومبرادور على اغلب العمليات المالية و الاقتصادية ، حيث لم يتفهم اغلب قادة الحكومات العراقية المتعاقبة ولم يعمل أي منهم على انشاء ثقافة وظيفية عامة مبنية على رفض (الرشوة)  و (الواسطة)  زاعمين ان حركة الدولة الشرق أوسطية ، لا يمكن تحريرها من دون ارتباطها بهذين العنصرين إذ بنيت الشخصية الوظيفية على أساس الارتباط بالفساد المالي ، الملازم للفكر السياسي البورجوازي،  منذ أواخر القرن الثامن عشر من خلال الممارسات الجشعة لموظفي شركة الهند الشرقية ، التي كان مديرها  اللورد كورنواليس قد ابتدع البقشيش (الرشوة)  كوسيلة من وسائل تسريع الخدمة تحت مسميات مخصوصة باسم (المكافاة)  و (الهدية).  يقال ان خطة هذا المدير سمحت لأخلاق الشعوب الشرقية بالانحراف التام من دون السماح لانحراف اخلاق ذوي الدم الإنجليزي الأزرق  .  

يمكن القول باختصار أن  أية عملية مالية فاسدة ،مهما كان حجمها، هي (عملية أخلاقية)  من نوعٍ   السلوك المنحرف ، القادر على (لسع) و (قرص)  الإنسان  الآخر و الاعتداء على حقوقه ،  من دون ادراك  ان الفساد المالي  شيء ضد الانسانية ، ضد الحرية ، ضد الاخلاقية الانسانية    النموذجية ، المروج لها بالأديان و كتبها السماوية..

ماذا يريد الرئيس عادل عبد المهدي ان يصنع بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد او من خلال إعلانه عن تضايقه من وجود آلاف المشاريع الصناعية  و الزراعية و الخدمية  (المتلكئة) و (المتوقفة) عن العمل ،بما كلفتها المقدرة بأكثر من ثلاثمائة مليار دولار ، كما اعلن عن ذلك في جلسة برلمانية يوم3 /9/ 2019 حين كان حاملاً بيديه مجموعة من أوراق تقريرية مختارة ، عن أشكال الفساد  من دون الإشارة الى نوع الأخلاق الاجتماعية المنحرفة،  الموجودة بمختلف مؤسسات الدولة من دون اي استثناء . لا توجد أية سلّة في اي دائرة او مؤسسة حكومية لا تتقبل نزول المال الحرام فيها ، كرشوة لقاء توقيع موظف ، كبير او صغير، على ورقة واحدة او اكثر من أوراق موضوعة على منضدته ،  او لقاء تمشية معاملة روتينية تتحرك خلال بضع دقائق مع حركة الرشوة و لا تتحرك خلال أشهر او سنين من دون الرشوة . كما يتحول عن طريق الرشى حق  المواطن الى باطل و الباطل الى حق حين يسكت حوالي ٩٠بالمائة من موظفي الدولة عن (الحق) اذا كانت أفواههم  مملوءة ً بمال حرام .  حتى اذا كانت العملية المنحرفة لا يرضى عنها أفلاطون او أبقراط او يسوع المسيح  او علي بن ابي طالب. 

كما ان السنوات الخمسة عشر الماضية شهدتْ نشاطات (عصابات الواسطة) تنزل على جميع الوزارات بمظلات اتباعها او اتباع احزابها الإسلامية لاحتلال اكبر الوظائف الرسمية واصغرها ، حتى يتجلى فيها،لاحقاً، دورهم في التمهيد لصفقات الفساد المالي.

ان استهلاك  ( الأخلاق الحديثة) بنوعيتها ( البورجوازية القديمة) أثّرت و تؤثّر، كثيراً، على مسارات الفساد و الفاسدين . يتمثل هذا التأثير في انتاج ( فساد متنوع) بمحاولات جبارة للدفاع عنه عندما ينكشف امام الجميع ، بعيون الجميع، للدفاع عن  سيف الفساد و عن (رقيّ) اخلاق الفاسدين ووصولهم الى مراكز الآلهة او باللجوء الى لغة الحماية بالدِّين و التدين و بأنهم من القوة الاجتماعية العالية، المتمسكة بالله،  القادرة على تبرئة وزير تجارة فاسدة ،  انكشف ، فساد ذمته ، بالعالم اجمع . هؤلاء ، جميعاً،   يملكون لغة سنسكريتية لتبرير مدلول الفساد و ممارساته. بنفس اللغة يقفون امام القضاء ليحصلوا بسرعة البرق على تعميم يحمل لقب ( البراءة) لإسكات اخلاق الناس الأرسطويين أو  أخلاق الناس الواثقين بأفكار أبن خلدون أو أفكار الدكتور علي الوردي و غيرهم من دعاة مكافحة الفساد و اتهامهم بالغضب و الحسد و التسقيط و التشهير والباطل و البطلان.  هكذا ، بهذه الصور،  تظهر فوارس السيطرة على المجتمع و الدولة من قبل ( منظومة) كبيرة تظهر من خلالها صفات ( الشجاعة) و ( الشرف) بما في ذلك  الشجاعة الذئبية المفترسة، متعمدة بأشكال من البطولة الاخلاقية المثالية في الدفاع عن شرف الفاسدين ، من خلال التشهير بالحكام الأوربيين غير الفاسدين باعتبارهم من آكلي لحم الخنزير ، معلنين الدفاع عن الحكام العراقيين باعتبارهم من الملتزمين بأوامر السماء بأكل لحوم الأغنام و الأبقار. 

يبدو واضحاً بعد فشل حكومة الدكتور حيدر العبادي بمكافحة الفساد و الفاسدين المحيطين به ، من الحكام الإداريين و من المتحزبين اسلامياً منذ عام ٢٠٠٣ ان الرئيس عادل عبد المهدي أوجد شكلاً تنظيمياً متجددا لمكافحة الفساد و الفاسدين،  المتمسكين  بأخلاقية حيوانية ثعلبية ماكرة ، لكنها  أي حكومة عادل عبد المهدي ، عاجزة  ، حتى الان،  عن مواجهة أساليب ضغط و  اغراءات تمارسها (منظومة الفاسدين) في كل مؤسسات الدولة ، كما عبّر الرئيس عبد المهدي ، نفسه،  عن الدكة الثعلبية  العالية لتلك المنظومة باجتماع برلماني  معلناً أن (المنظومة) خشخشت نفسها وعجلاتها  لتطويق (النزاهة)  خلال 15 عاماً و تحقيق  نسبة متصاعدة في ارقام   الفساد و الفاسدين ، بكل مراحل بناء دولة الاسلام السياسي،  بما فيها المرحلة ، التي يقودها الرئيس عادل عبد المهدي،  حتى وصلت الى مئات الملايين من الدولارات ، بكل عام من أعوام الميزانية العمومية و في بعض العمليات المالية الاستثمارية و غيرها . 

تعبتْ جميع مصادر الأقلام و الدواة الكاتبة وكيبوردات الكومبيوترات  حول (النزاهة)  و( الفساد)  مؤكدة بتقارير ورقية بالآلاف  متحولةً،  بجميع صفحاتها ، الى غمغمة تجريدية لا غير ، حيث ظل الفساد المالي ميتا في تصريحات كبار قادة الدولة ومسؤوليها  ، مطروحاً على الورق من دون دفنه بمقبرة، متحولاً الى (قوة عظمى)  لا تقهر  في أبراج الفاسدين و معابدهم..!  السؤال هنا:  هل يتعب الرئيس عبد المهدي ، أيضاً،  و يتحول الى كاهن راضخ لإرادات أخرى اقوى منه لا يجسر على دفن جثامين الفساد  ودفن الأخلاقية الفاسدة،  المتنعمة بشواطئ بحيرات الفساد المالي و الإداري..؟

 

مثلما انطلق اللورد كونوراليس ومن بعده جميع لوردات الاحتلال البريطاني للعراق  ، بداية القرن العشرين، كذلك فعل الحاكم المدني بول بريمر في اثناء الاحتلال الامريكي في بداية القرن الحادي و العشرين ، حيث انطلق هذا الحاكم مع عدد من المستشارين و الموظفين الأمريكان و وتوابعهم من الطامعين  العراقيين نحو دفع الحاكمين العراقيين الجدد ، بالبحث عن الثراء غير المشروع بمختلف الطرق و الأساليب ، بما فيها رشاوى الوظائف الحكومية والسماح بقبض أثمانها و دفعها ونهب ما فوق الارض العراقية و متاحفها و كذا نهب الخزينة العراقية ومواردها من عائدات  تصدير النفط . من تلك اللحظة سادت و انتشرت تعددية انحرافات (الاخلاقية الوظيفية) بعادات عمومية جديدة و بنسق التمكين السريع و المباشر بولادة الرأسمالية الإسلامية،  بأصناف من المكروه و المحبوب من الأساليب الثعلبية و الذئبية ، لتحقيق مساقط و أهداف وتدابير السلطة السياسية، غير المتوقفة بأية نقطة من النقاط او باي مستوى من المستويات ، حتى صار تحويل كل شيء  في العراق الى ذهب،  أمراً حلالاً وغريزة مجبولة بكل مستويات الحلال، ايضاً، حسب عقول قادة احزاب الاسلام السياسي وطبائعهم المتمكنة بالميليشيا المسلحة ،  من تحقيق ( التفوق المالي) على المجتمع و الدولة . صار ( التفوق المالي) ضرورة تمهيدية لتحقيق ( التفوق الطائفي) . لذلك نشاهد ،هنا، ولادة ظاهرة شاملة في البنوك و شركات تصدير و استيراد البضائع الاستهلاكية الاكسباير و غيرها ، هي ظاهرة ( عدم الخوف من العاقبة ) ، بمعنى تشجيع الحس البورجوازي الغريزي على احتلال المكان الاجتماعي الأعلى،  للسيطرة على كل اشياء المجتمع ، حيث الناس قد تحولوا – بنظر حكامهم - الى بهائم. سيطروا ، بالقوة و المال على  الدولة والسلطة ونصبوا (السباع) لحمايتهم وخلال كل ذلك تمكن عنكبوت الحزبية الاسلامية من نسيج ثوبه على جميع مرافق الدولة . صار كل من يرفض دخول بيت العنكبوت يُقتل او يُهجر،  حتى صارت سرقة المال  العام خاضعة لدقة عمل و تخطيط منظومة أخلاقية فاسدة.

هل يعلم الرئيس عادل عبد المهدي ان المواطن العراقي الفقير البائس على استعداد للتراجع (أخلاقياً)  من اجل الحصول على طبقة من بيض الدجاج او من اجل الحصول على موعد في مستشفى حكومي لإجراء عملية جراحية لإنقاذ احدى كليتيه او عينيه.

نفس (التفوق)  ارتفع في صنف المقاولات الحكومية العامة إذ لا يمكن ان يهين المقاول نفسه، من اجل الحصول على ملايين الدولارات ، إلاّ من خلال إهانة (الاخلاق الفردية)  أولاً واهانة (اخلاق المجتمع) أخيراً. 

 لقد ارتقت الرشوة اليومية بدوائر الدولة الى مرتبة عليا بيد اغلب موظفي الدولة ، كبارها و صغارها ، في ظل التسابيح الدينية المتنوعة لتزكية تلك الشواطئ و تلك البحيرات . لقد ديست بالأقدام جميع تعدديات الأخلاقية الإنسانية في عراق جديد معني بالمنافسات و الخلافات المذهبية .

هذا هو التحدي الكبير المواجه لحكومة الرئيس عبد المهدي و لكل رئيس قادم حيث البرعمة الأخلاقية فاسدة بكل أشجار الوظائف العراقية الحالية .

ترى ، هل يستطيع عبد المهدي إزاحة تلك الأخلاقية عن الدولة و المجتمع .. هل يستطيع ان يوجد أخلاقية جديدة بديلة تستوطن ضمائر جميع موظفي البلاد العراقية.. هل بإمكانه ربط الواجب الوظيفي بالمعدن الأخلاقي والبحث عن صفات النزاهة الإنسانية – الوظيفية الثمينة ، القادرة على حماية أموال الدولة و الشعب.. هل بإمكانه إلغاء وعود مقدسة،  سرية وعلنية،  ممنوحة للفاسدين من كل نوع ، بهدف حمايتهم ، قبل صعوده الى رئاسة مجلس الوزراء  ..؟

لا ادري هل يملك الرئيس عبد المهدي او لا يملك القدرة على رؤية الحياة الاجتماعية العامة ..؟  لكنني ازعم انني ادري ، تمام الدراية،  ان الفساد المالي و الإداري في وطننا ، اصبح ارقى الفنون النهضوية واعلاها شأناً،  في الخيال الاقتصادي عن صنف التاريخ المعاصر للشخصية العراقية الإسلامية الحاكمة ، حيث انهزمت (الأخلاقية الإنسانية) واصبح الكثير الكثير من الموظفين العراقيين ، من مستوى وزير الى مستوى فرّاش و موظف استعلامات،  معرضين للرشوة و راضين عن  الفساد و التهتك الإداري  ، خصوصاً بعد انهزام (العدالة القضائية) حيث لم تعد شخصية القاضي نفسه بطلاً من ابطال ملاحم الفساد و حماياتها، كما تمنّى الكاتب المسرحي وليم شكسبير في احدى مقاصير مسرحياته العظيمة عن التاجر اليهودي الجشع .

أقول أخيرا للرئيس عبد المهدي ان الحاجة العراقية، السياسية و الاقتصادية،  ليس في تشكيل (لجنة) عليا لمكافحة الفساد و ليس في اعلان قائمة المؤسسات الفاسدة بالبرلمان،  انما هي الحاجة الماسة الى مصلح اجتماعي شعبي قادر على إيجاد سيرة وظيفية شجاعة ونموذجية في الانضباط و اكتساب العادات النظامية استناداً إلى العملية الأخلاقية الإنسانية  والمواظبة على خدمة الشعب و المجتمع وعلى طاعة بنود قانون مزمجر بسؤال قادر على مصارعة الفاسدين وآلهتهم : من أين لك هذا..؟

كل ساعة من ساعات المجتمع العراقي بحاجة الى أخلاق وزارية قادرة على  هتك الفساد بفتكٍ مبينٍ بكل اخلاقيات  الفاسدين .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بصرة لاهاي في 12 – 3 – 2019

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل