/
/
/

في يوم الشهيد الشيوعي العراقي، نستذكر جمهرة من العراقيين ممن تعرضوا إلى مصير درامي. إن خسارة هذه النخبة الخيرة من أبناء أرض الرافدين ومن كل مكوناته وألوانه، لم تكن تخص الحزب الشيوعي العراقي والوطنيين العراقيين فحسب، بل أنها ألحقت خسارة فادحة بمصير البلاد وشعبها وعرقلت تنميته ومساره السياسي والاجتماعي الديمقراطي. أقول ذلك لكي لا أتعصب للتيار التقدمي التنويري الذي انتمي إليه. فالمهارة والثقافة والتنوير والصدق في وطنيتهم والولاء لشعبهم الذي كان ديدن وخصال هؤلاء الشهداء هو الذي  يدفعني إلى استذكار مآثرهم، وليس لإثارة الانتقام والحزن والإحباط، بل لأشير الى أن هذه البلاد العزيزة هي خزين لكل المهارات والخبرات وحافلة بسمات الصدق وحب الشعب لدى جمهرة من أبنائها.

ومن هذه النخب الخيرة اخترت للقارئ الكريم الشهيد فيصل الحجاج، رفيق الدرب وصديقي وزميلي، الذي واجه الموت وبشكل درامي في قصر النهاية ذي الصيت المشؤوم بعد انقلاب 8 شباط المشؤوم عام 1963، حيث دفن حياً وعدد من رفاقه، كما يروي ذلك عدد من المعتقلين،على يد شلة من الجلاوزة فقدت كل الصفات الانسانية تنفيذاً لأجندات خارجية كُشف الكثير عنها في مؤلفات حررها اكاديميون، بل وحتى من شارك في هذه النكبة التي تعرض لها الوطن والتي أطلق عليها منفذوها "عروس الثورات".

ولد الشهيد فيصل في عام 1936 في قرية "كوت الحجاج" التي تبعد بمسافة كيلومترين عن مدينة البصرة والعشار، وترعرع في أحضان عائلة كريمة متوسطة الحال. تأثر شأن سائر أقرانه بالموجة التحررية التنويرية التي سادت العالم وانتقلت إلى بلادنا. وكان للأخ الأكبر المحامي نصيف الحجاج الناشط في صفوف الحزب الشيوعي ونزيل السجون في العهود المختلفة وشقيقتيه النشيطتين في الحركة النسائية مهجة الحجاج وإيمان الحجاج، إضافة إلى زملاء له في المحلة وفي المدرسة، دور في اجتذاب الفتى فيصل صوب الفكر التقدمي والتنويري واليساري والشيوعي. وكان هذا الفتى الذكي يحلم بأن يكون طبيباً ويبني مستشفى كي يعالج ويسهم في وضع الحلول للمآسي الصحية التي كان يعاني منها أبناء البصرة، وانقاذ ابناء جلدته من داء الملاريا الذي كان يزهق أرواح العراقيين وخاصة أبناء الجنوب. ويستذكر الصحفي والكاتب ورفيق الدرب جاسم المطير، فيصل الحجاج بهذه الكلمات:" مشروع فيصل بدأ معه منذ دراسته في المدرسة المتوسطة. كان يقول كلامه بشجاعة وأمل وتفاؤل وبنزعة مؤكدة تشير إلى قدرته الانسانية الوثابة. ربما كان واعياً في عمره ذاك لشناعة مرض الملاريا وأمراض أخرى كانت منتشرة في البصرة كالتيفوئيد والسل الذي اصيب به أحد ابناء عمومته داخل سجن بعقوبة حين كان يقضي محكوميته بتهمة الشيوعية. ظلّت الآمال محفوظة في قلب فيصل الحجاج، سنة بعد سنة، مختلطة في ذهنه المنفتح على المبادئ الإنسانية والافكار التقدمية، يواصل دراسته في المدرسة المتوسطة والثانوية والجامعية، متابعا حياته المزدوجة، العائلية على أحسن وجه والحزبية على افضل ما فيها من نضال". ويستطرد جاسم المطير في استذكار الفترة التي عمل معه في صفوف الحزب ليقول:" تعلمتُ من فيصل الحجاج مثالية الاخلاقية الشيوعية: الصدق، الذوق، النهوض الدائم، الصبر وعدم التأجيل، الفعل المتواصل، الامانة، الغفران لمن يخطئ في العمل، البحث عن اسباب الحياة".

شرع الشهيد في النشاط بصفوف اتحاد الطلبة العراقي العام الذي كان يعمل بشكل سري في العهد الملكي. وبعد حين انخرط فيصل الحجاج في صفوف الحزب الشيوعي العراقي حيث ترشح إلى الحزب في أواخر عام 1953. عندها ساهم بنشاط في فعاليات الحزب في دعم عمال الميناء في البصرة وتضامناً مع مطالب الفلاحين فيها. وعلى هذا المنوال اعتقل في مطلع عام 1956 بتهمة النشاط في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وبعد تدخل والده طيب الذكر جاسم الحجاج تم إطلاق سراحه. وبعد حصوله على شهادة الثانوية بامتياز، قرر الأب إرساله إلى القاهرة لدراسة الطب في العام نفسه تجنباً لحدوث أي مكروه لابنه على يد التحقيقات الجنائية العراقية.

شرع فيصل الحجاج بجدية وولع في خوض مضمار العلوم الطبية التي حلم بحيازتها في مطلع شبابه. واستمر في الدراسة بجامعة القاهرة قرابة السنتين إلى أن بلغته أصداء ثورة 14 تموز في الوطن، وقرر العودة فوراً ليشارك رفاقه الفرحة بهذا الحدث الكبير وليساهم في مرحلة بناء البلاد. وما أن حطت قدماه على الأرض العراقية حتى بادر إلى الالتحاق بصفوف الحزب وانتقل إلى بغداد لتقديم الطلب لإكمال دراسته في الصف الثاني في الكلية الطبية – بغداد. وأصبح مسؤول التنظيم الطلابي الشيوعي في الكلية الطبية، ثم نُسّب لاحقاً إلى عضوية اللجنة الطلابية في بغداد التي كنت مسؤولاً لها في ذلك الوقت، والتي ضمت الرفاق باسم مشتاق ووجدي شوكت سري وماجد عبد الرضا وفاضل المرعب وآخرين.

لقد جمع الشهيد فيصل بين الجدية والحماسة والتفوق في دراسته العلمية الطبية والجدية نفسها والحماس نفسه في نشاطه الحزبي، مما أكسبه احترام زملائه ورفاقه. وتميزت أحاديثه بالود والغنى المعرفي، وكان على الدوام يغني اجتماعات اللجنة بالمقترحات لتطوير عملها. ولم يخل حديثه من الدعابة والنوادر في مناسبتها. ويروي رفيق دربه باسم مشتاق عمله مع الشهيد قائلاً:" لقد أصبح الشهيد فيصل مسؤولا عن الكلية الطبية، وثم عضوا في اللجنة الطلابية. وكان ذا شخصية محترمة ومحبوبة ويمتاز بالجدية في تنفيذ مهماته الحزبية وفي سلوكه المتواضع والمتميز لدى كافة المحيطين".

لم تطل تلك السنوات الحافلة بالنشاط والأمل لتهب الريح الصفراء على العراقيين في 8 شباط عام 1963، وليقع فيصل الحجاج، وهو في الصف المنتهي من كلية الطب، في قبضة الانقلابيين ويُرمى في اقبية "قصر النهاية" ويتعرض لممارسات الوحوش القائمين على هذا المرفق الموحش سيئ الصيت. وكان الجلادون يقومون بين حين وآخر بجمع الضحايا من مختلف مرافق "القصر"وبملابسهم الداخلية وقد تورمت أجسادهم جراء التعذيب تنفث منها الدماء وتفوح منهم رائحة التعفن والتفسخ.  ويشير شريك الأسر باسم مشتاق إلى تلك اللحظات الرهيبة قائلاً:"لا يفوتني أن أذكر بشجاعة الشهيد و هو يسير بثقة و شموخ عندما سيقت كوكبة لامعة من الرفاق من قصر النهاية الى ميدان الإعدام  على يد المجرمين، ومنهم عبد الرحيم شريف ونافع يونس وابراهيم الحكاك وصاحب احمد الميرزا وعبد الخالق البياتي وعلي الوتار ومهيب الحيدري وفيصل جاسم حمادي الحجاج وآخرون".

لتبقى أيها الحبيب العزيز في الذاكرة نبراسا لكل الساعين إلى الخير لشعبنا ووطننا.

14/2/2019

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل