/
/
/
/

الأيام التي قضيتها قبل شراء السيارة، كانت حافلة بالمفاجآت غير السارة طبعا، ما بين انتظار سيارة تاكسي والتفاوض مع السائق، وتحمل تكرار السيناريو ذاته من فضول أبو التاكسي وأسئلته ( وين تشتغلين، وشكد عندج أطفال، وشكد راتبج، واني اصيرلج خط ووووو ) وبطبيعة الحال فإن استخدام واسطة نقل أخرى مثل( الكيا) يحمل من المآسي ما هو أصعب لأي فتاة تحاول الوصول الى عملها والرجوع كل يوم. المهم قررت ان اشتري سيارة وصممت إن أساعد كل امرأة تمر بطريقي، وكانت المصادفة إن تستوقفني امرأة قرب أحد التقاطعات، بدت في منتصف العشرين من عمرها، لكن ملامحها توحي بالحزن والتعب، لملمت عباءتها السوداء التي تحول لونها الى الرمادي وهي تحاول إخفاء اثر ثقوب ظهرت فيها.
قالت لي بصوت خافت ممكن توصليني لنهاية الشارع؟ رحبت بها وأخذتها معي وتبادلت معها بعض الأحاديث، شكت لي وقتها من ضيق حالها بعد استشهاد زوجها وبقائها مع ثلاثة أطفال بلا معيل، فهي لم تحصل على أي راتب رغم مرور نحو عام ونصف على استشهاده، وهي ما تزال تنتظر إكمال معاملة الحصول على الراتب ذاك، وهي تعرف مسبقا انه لن يكفيها سوى عشرة أيام من الشهر لكنه أفضل من لا شيء، حسب قولها. سألتها، لما لا تجربين العمل، فأنت مازلت صغيرة وبإمكانك العمل بأي مهنة تدر عليك بعض المال، كان ردها هو المفارقة بعينها، إذ قالت إن أعمام أولادها أي أخوة زوجها الشهيد يرفضون عملها أو حتى خروجها خارج البيت بحكم تقاليد العشيرة وهم بالمقابل غير قادرين على تلبية احتياجاتها أو احتياجات أولادها. كانت الدموع تسكتها قليلا لتعاود الحديث بصعوبة وهي تقول إنا أعيش على مساعدات الناس التي تعرف قصتي، ولا اعرف كيف أتصرف.
حدثتها عن أهمية ان تحاول إقناع أهلها أنها بحاجة للعمل كي تكمل مسيرة تربية أولادها ولا تبقى رهينة المساعدات فكثير من النساء اليوم يعانين المشكلة ذاتها ، العمل ممنوع ولا يجوز للمرأة الخروج الى الشارع، وكل رغباتها بتطوير حالها والاعتماد على نفسها تذهب مع الريح بوجود مثل هذا التعصب الذي يمنعها حتى من الحصول على فرصتها في العيش الكريم والدراسة وزيادة المعارف وتطوير ثقتها بنفسها وجعلها كيانا قادرا على العطاء وتطوير المجتمع.
مازلنا مع الأسف أمام صور كثيرة للنساء وهن بأوضاع لا تسر لكن الأعلام غائب عنهن، مقابل تكرار صور لغيرهن ممن يعشن ظروفا اخرى توفرت لهن الفرص والإمكانية لأجل الظهور وتطوير الذات، في حين إن هناك آلاف من النساء يعانين شظف العيش وبيئة غير صالحة تماما، ويتحملن مزيدا من الضغوط لأجل تولي مسؤولية البيت وتربية أولادهن وسط إهمال حكومي خطير ومرير، فهناك نساء معامل الطابوق ونساء النفايات ونساء العمل الشاق، ولابد من تركيز الأضواء عليهن، وانتشالهن مما يعانين، والانتباه بشكل اكبر لأهمية توعية المجتمع وخاصة العشائر العراقية بأن المرأة ركن أساس في الحياة وان لها حقوقا ومنحها حق التعليم والمساندة والعمل لا يتقاطع أبدا مع تقاليد العشيرة ولن يخرب سمعتها بل على العكس ستعيش بكرامة وسيكون نصيبها اكبر في حياة كريمة بعيدا عن ذل العيش والاندثار والركون للتخلف والانزواء والارتهان للقدر الذي لن ينصفها حتما.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل