/
/
/
/

اعتدنا ان نسمع او نقرأ ان الفلسفة مشروع نقدي يطول بنية الثقافة، او بنية الوعي. وان للفلسفة مهمة تغيير العالم او اكتشافه او حتى اسقاطه..الخ. لنتوقف عند الشق الاول مما تعلمناه في الفلسفة حتى لا تتفرق بنا السبل، وتتيه بنا الاحلام – بالاخص – وان للوظيفة النقدية للفلسفة بريقا اكثر وميضا.

ولكن قبل ان تتحول الفلسفة الى مشروع نقدي في ثقافتنا المتداولة، لا بد وان نضع حجر الاساس للغة فلسفية جديدة. لا بد ان يتوفر للفلسفة لغة سلسة ومتداولة، يستطيع الكم المطلوب من القراء فهمها، وتداول قراءاتها وتعاطي مفاهيمها، وان لا تبقى حبيسة لتداول المختصين بها، ومعتقلة في سطور مؤلفاتهم وفصولها التي لا يقرأها احد.

يجب ان تكون لغة الفلسفة، لغة في متناول فئات – ما دون المختصين بها او الاكاديميين – كما لا يمنع ذلك ان يكون النص الفلسفي نصا مقروءاً بالنسبة للجماهير التي تقرأ وتطالع وتريد ان تتعلم ..

اذاً لا قيمة لأي مشروع نقدي حقيقي، دون ان يصل ذلك المشروع الى وعي وفهم الطبقة الاجتماعية الراغبة في صنع التغيير، والقادرة على استيعابه وتداوله.

ليس هناك اي مشروع نقدي للفلسفة او لغيرها، دون ان تتحول تلك الغاية المعرفية الى هم ثقافي ومعرفي، يتحاور به الناس في الطرقات والمقاهي والاروقة، وتصير لهم فيه كلمة ورأي وفكرة.

السوفسطائيون كانوا اول الفلاسفة الحقيقيين الذي هجروا لغة الفلسفة الايونية المعقدة، ونزلوا بها من عليائها الى مستوى فهم ووعي الجماهير البسيطة الراغبة في التعليم، والتي لها ارادة في ان تصغي وتتعلم وتقرأ.

كَم اثار ذلك حفيظة الطبقات الارستقراطية المتنفذة في الثقافة والتي كانت تحتكر لغة الفلسفة لنفسها، وتختص بقضاياها ومقالاتها في أضيق نطاق؟

بطبيعة الحال لم يرق لها ان ترى الفلسفة وقد أمست لغة متداولة بين الجماهير، يتداول قضاياها، الملاحون والمتسكعون في طرقات اثينا وساحاتها العامة. لكن ذلك لم يمنع سقراط الذي انتقد السوفسطائيين كثيرا ان يتبنى مشروع السوفسطائيين النقدي نفسه، وان يأخذ على عاتقه وظيفة تثقيف الجماهير بلغة تداولية ميسرة.

كان سقراط أنموذجاً رسالياً للفلسفة. يسير في الطرقات ويتحاور مع الناس، ويبحث في المعاني ويخوض في المضامين ويتحرى في التفاصيل حتى كاد ان يحدث ثورة.

ادرك افلاطون ممثل الارستقراطية الاكبر في اثينا، خطورة ما يفعله سقراط، ومن قبله السوفسطائيون. فماذا يعني ان تنشر الوعي الفلسفي بين الجماهير؟

كيف يستطيع الارستقراطيون والاغنياء والمتنفذون ورجال الكهنوت ان يستعبدوا الجماهير، اذا كانت الفلسفة لغة ودرساً مفهوماً لأولئك البائسين؟

جن جنون افلاطون ومن بعده ارسطو لهذا الحدث المفجع، جن جنون كل اولئك الذين ارادوا ان تبقى الفلسفة اسيرة في نص معقد وملغز. ان تبقى الفلسفة نصا إحفورياً مطلسماً، لا يفك عقده ومرموزاته غير نخبة منتخبة من الفلاسفة العاجيين.

فكان لهم كل ما ارادوا، نفذوا حكم الاعدام في سقراط، واضرموا النيران في كتب ومؤلفات بروتو غراس، كبير الفلاسفة السوفسطائيين، وارغموه على الخروج منفياً.

عاد افلاطون تارة اخرى الى تراث سقراط، تأوّله، كلمة كلمة. فسّره حرفا بعد حرف. غيّر وشوّه حقيقته، مقالة إثر مقالة. لم يبق أي اثر من سقراط الحقيقي، ذلك الثائر المتفجر بالحياة وبالفلسفة وبالحقيقة.

وجدت بعض الاكاديميين من زملائنا ورفاقنا في الدرس الفلسفي، من يجادل بحجة ظاهرة وفي قوله فصل وعزم وإرادة: كيف لنا ان نغير في لغة الفلسفة الاكاديمية المختصة بالرصانة والتقنية والعلمية، كي نهبط بها الى لغة الجرائد والمقاهي والمنتديات؟ ماذا يتبقى للفلسفة اذا جردّتها من لغتها الفنية العالية، الشاهقة. الاحرى بها عندئذ ان تموت او تحتضر وينتهي الامر؟

حسناً، فلنتفق كلنا على امر، ماذا نفعل بفلسفة رصينة، لا يقرأها احد، ولا يفهمها احد. يتراطن بها الاكاديميون في صفوف مغلقة، اجساد حاضرة واذهان شاردة؟

ألم نتعلم من تاريخ الفلسفة الاسلامية درساً؟ ألم تختنق تلك الفلسفة المعقدة، بكثافة لغتها، وثقل مفاهيمها، ووعورة مقالاتها؟ ألم تكن اللغة الرصينة التي امتازت بها الفلسفة الاسلامية، غربة لها عن واقعها، واغتراب؟

ماذا نفعل بفلسفة تقنية متخصصة بلغة عربية مذهلة، حبيسة الرفوف والاصدارات والأفاهيم؟

اذا توفرت لنا ارادة على صنع الحياة، ورغبة صادقة في تغيير النظم الاجتماعية والسياسية والدينية البائسة التي تجثم على صدورنا كليل مظلم وطويل، لا بد لنا ان نتمثل ونستعيد تجربة الحزب الشيوعي العراقي الريادية في حقول التوعية الجماهيرية الشاملة، وذلك منذ ثلاثينيات القرن المنصرم حتى سبعينيات ذلك القرن، وكيف استطاعت الارادة الواعية للقيادة الشيوعية العراقية الفتية آنذاك، ان تهضم وتستوعب الفلسفة الماركسية، وتحولها، غذاءاً روحياً مستساغا للجماهير.

وبالرغم من ان الغالبية العظمى من جماهيرنا العمالية والفلاحية وعموم جماهير الشغيلة، كانوا يجهلون مبادئ القراءة والكتابة، مع كل ذلك استطاعت النخبة الواعية والمثقفة، ان تترجم الفلسفة من لغتها العويصة والمكثفة، الى لغة عملية سهلة ومستساغة احدثت مدّها الثوري في طبقات مجتمعنا والتي كان لها مصلحة حقيقية في التغيير.

فكانت الماركسية اول فلسفة حقيقية، استوعبت اساسياتها وتثقفت بها الجاهير العراقية بسهولة ويسر نسبيين.

في الحقيقة لم تكن لدينا مدارس يومذاك، ولا دور كتب، ولم يكن لدينا اكاديميون ولا حملة شهادات يتبارون بالألقاب ويتهافتون على الاصدارات، بل كانت لدينا معتقلات وسجون، واقطاعيون نهمون، مرتبطون بالاستعمار. مع كل ذلك استطاع الشيوعيون ان يحولوا المعتقلات الى مدارس علم ومعرفة وتثقيف. استطاعوا بالارادة والعزم والبصيرة، ان يرغموا الفلسفة الماركسية على  ان تلين لكي يفهمها الفلاح العراقي، ويستوعبها الكادح والجائع في محطات السكك. استطاعوا بعد ان عادوا بالفلسفة من برجها العاجي الى الجماهير، ان يخلخلوا اسس النظام الاقطاعي والمشيخي والمتعفن، وان يرجفوا الارض تحت اقدام النظام الكنسي المتحالف مع الجهل.

الدرس الشيوعي في الريادة الثورية للنص الفلسفي، دليل لا يستهان به، على قدرة الفلسفة على التغيير، اذا ما تخلى المثقف والاكاديمي عن انانيته ووطن قلمه لكي تقرأه الجماهير، وتستوعب ما تحدّث به الغرب المعاصر، من نصوص عن الانسان، وعن الثورة، كما فعل الشيوعيون من قبل.

الانانية الاكاديمية المنتفخة بالحماقة والغرور، تمنع الفلسفة من التحول الى درس ثوري تهيأ الجماهير للانتفاضة ضد الفاشلين والفاسدين، وبقايا الانظمة الكنسية الرجعية المتخلفة.

لا جدوى مما نكتب او نعطي من دروس في الفلسفة، اذا كانت الجماهير لا تقرأ، ولا تريد ان تتعلم، وهي في معزل عن ما نطرح من افكار واطاريح فلسفية.

كل العظماء الذين احدثوا التغيير، وارجفوا الارض وزلزلوا فيها، عادوا الى الجماهير، عاشوا بينها، تحدثوا اليها، فكروا معها، كتبوا لها، ماتوا من اجلها.. لا توجد رسالة للفلسفة اكثر من هذه الغاية النبيلة. آن الاوان ان يكون للفلسفة خطاب نقدي ميسر، مقروء من قبل الجماهير.

الفلسفة كانت وما زالت مشروعا لخدمة الحياة وتغيير المجتمع والاطاحة بالانظمة الاجتماعية والسياسية والدينية البائسة والمتخلفة، التي تتحكم بوعي الانسان، وتتآمر على بقائه متخلفاً صامتاً متغرباً عن حاضره.

يمكن لنا ان نستعيد المشروع الفلسفي الميسر الذي بدأه الشيوعيون في العراق، وان نجعل من لغة الفلسفة لغة مفهومة لدى الجماهير ومستساغة.

تأثير لغة فلسفية واعية ومسؤولة على عقل الانسان العراقي ووعيه – حتما – سيكون فاصلاً:

العراقيون من اكثر الشعوب حباً للقراءة، لكنهم هجروها الآن، بسبب المناهج السلطوية الفاشلة، التي تهيمن على مداخل ومخارج الثقافة، وتتحكم بها نظم اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية رجعية. استطاعت تلك النظم المتخلفة التي هيمنت على عقل وضمير واهتمام الانسان العراقي منذ سبعينيات القرن المنصرم حتى اليوم، ان تحوّل ميادين القراءة والثقافة والتعليم، الى مشاربع استهلاكية خاسرة ورخيصة.

فالنظام التعليمي كله اصبح نظاما مشكوكاً في مصداقيته، ذلك انه اخذ ينتج اجيالاً لا تقرأ ولا تفهم ولا تعي. والجامعات العراقية اليوم تمنح الشهادات العليا لكل من رغب فيها، دون ان يكلف نفسه مهمة قراءة كتاب واحد.

اطوار الانتقال من الحكم الدكتاتوري المستبد، الى النظام الديمقراطي الجديد، اورث البلاد فوضى اجتماعية وسياسية عارمة، اختلطت فيها الحدود وذابت فيها الفواصل وضاعت فيها القيم. والحقيقة نفسها لم يعد لها لون او هوية او طعم مميز.

وحقول الثقافة لم تكن بمنأى عن ذلك التأثير المدمر، نرى ذلك من خلال فوضى الاصدارات وما يطبع وينشر من كتب ومؤلفات ودواوين وجرائد ومجلات، واكثرها اصدارات في الغث والهابط والرديء.

وعلى الارجح، حقول الثقافة والتعليم امست اليوم مشروعا استثمارياً للربح واستقطاب المال. وبالتالي فإن المعايير والأسس التي تقاس بها النظم المعرفية، لم تعد مقاييس علمية او جمالية، بل معايير مادية او ريعية لتكديس رأس المال واستقطاب الارباح.

كيف نواجه ذلك؟ هل نستطيع ان نقف في وجه الفوضى؟ هل يمكن لنا ان نستعيد رغبة الانسان العراقي بالقراءة الجادة؟

يبدو ذلك مستحيلا فقد تغير الزمن، ومعه الانسان قد تحول ايضاً. اما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض، ذلك هو القانون الصارم الذي سيقول كلمته في النهاية. ما ينفع الناس من قوة وتأثير الكلمة الصادقة والمخلصة، سيبقى وسيمكث في الارض وسوف يصمد، وأما زبد الاصدارات الرخيصة، زبد الكلمات الجوفاء والفوضى. زبد الاطاريح والرسائل التي علاها الغبار في اروقة وزارة التعليم العالي، سيذهب جفاءً.

القضية الجوهرية في أي مشروع توعوي، يتمثل في ورح المسؤولية وشجاعة التخلق بالمسؤولية. الباحث والمفكر والاكاديمي يجب ان يكون شجاعاً قبل ان يكون مثقفاً. يجب ان يكون بصيراً وواعياً قبل ان يكون انانياً يسعى الى الظهور. والشجاعة والوعي هو تحمّل اعباء مسؤوليتنا اتجاه مجتمع أخذ يخسر بوصلة الاتجاه الصحيح. وفي تشخيص الاسباب والعقد المتوارية بعيدا عن الانظار، والتي هي علل رئيسة خافية في تأخر مجتمعنا، وفساده الاخلاقي، وانحلال ضمائر شرائح واسعة منه. واول مرحلة في سلّم المسؤوليات اتجاه قضايا الوطن، ان لا نتحول الى ادوات رخيصة، بيد انانيتنا الجشعة، ضيقة الافق. كما يجب ان لا نكون ادوات بيد السلطة الاجتماعية سواء كانت سياسية او دينية او حزبية ..الخ.

ما زال المثقف العراقي، سواء كان اكاديمياً او باحثاً او اديباً او ناقداً او فناناً، حبيس ذاته الباحثة عن الخلود والشهرة. ما زال رهيناً بمعتقل انانيته النرجسية. تلك الانانية التي تحثه على طرح مزيد من الكتب والأطاريح والرسائل، يستلهمها من هنا او هناك، بعيدا تماماً عن هموم ومعاناة مجتمعنا العراقي وعن قضايا وطننا الاساسية. لماذا لا نواجه ونشخّص ونحلل علل وامراض مجتمعنا المزمنة؟

باختصار، لأننا جبناء، نخشى الحقيقة. نخاف ان ننطق بها فنخسر مراكزنا الاجتماعية وامتيازاتنا الوظيفية. نخاف من غضب انانيتنا السمجة والبدائية.

وفي الوقت الذي يتخلي فيه المثقف العراقي عن مسؤولياته الفعلية اتجاه وطنه وشعبه، يبقى المواطن العراقي يدور في دوائر مفرغة، ويتحول الى فريسة سهلة بأيدي الفاسدين والمخادعين والمشتتين لوعيه وبصيرته. وفي الوقت عينه، تمتلئ الرفوف والارصفة بالأطاريح ودواوين الشعر والكتب الرخيصة.. خاسرة الجدوى والمضامين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل