
بصدور مواثيق نيروبي حول إعلان المبادئ وتصنيف المؤتمر الوطني منظمة إرهابية وميثاق القاهرة تكون القوى السياسية والمدنية قد اتخذت خطوة للإمام في توحيد الصفوف لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة والحكم المدني الديمقراطي. بعد الحراك الجماهيري الذي جرى بمناسبة الذكرى السابعة لثورة ديسمبر المجيدة.
لكن كان من المهم أن نستند على ما راكمته قوى الثورة من تجاربَ والتقييم الناقد لها حتى يتم الاستفادة من دروسها وضمان نجاح الثورة في المستقبل وتحقيق أهدافها، فضلا عن مواثيق الثورة مثل ميثاق قوى الحرية والتغيير (يناير ٢٠١٩) الذي مثل الحد الأدنى لأهداف قوى ثورة ديسمبر. فقد تم التوقيع على ميثاق قوى الحرية والتغيير في ٣ يناير ٢٠١٩ الذي أشار إلى الآتي:
-تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية بتوافق جميع أطياف الشعب السوداني تحكم لأربع سنوات. وتكون مهامها:
- وقف الحرب بمخاطبة جذور المشكلة.
- ترتيبات أمنية لاتفاق سلام شامل وعادل.
- قيام المؤتمر الدستوري.
- المحاكمات العادلة للجناة.
- وقف التدهور الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين المعيشية، ودعم الصحة والتعليم والإسكان وحماية البيئة.
- استقلال القضاء وحكم القانون.
- حل وتسريح الدفاع الشعبي ومليشيات الدعم السريع وجميع المليشيات التي أنشأها النظام البائد، ونزع أسلحتها، وقومية القوات النظامية كحامية للوطن وسيادته.
- انتهاج سياسة خارجية متوازنة.
- إلغاء قانون الأمن 2010 وكل القوانين المقيدة للحريات، وأهمها قانون النقابات 2010 (قانون المنشأة)، واستبداله بقانون ديمقراطي يكرّس ديمقراطية واستقلالية الحركة النقابية.
- إعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية (النظامية) بصورة تعكس قوميتها وعدالة توزيع الفرص دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة .
- تحسين علاقات السودان الخارجية وبنائها على الاستقلالية والبعد عن المحاور.
لقد كان من أسباب اجهاض الثورة التوقيع على الوثيقة الدستورية التى قامت على الشراكة مع العسكر والدعم السريع والمليشيات، حتى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ الذي قاد للحرب الجارية حاليا بهدف تصفية الثورة ونهب ثروات وأراضي البلاد وإيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر من المحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب.
نلاحظ التراجع عن ميثاق قوى الحرية والتغيير (يناير ٢٠١٩) في مواثيق نيروبي والقاهرة كما في الآتي:
- وثيقة نيروبي تخاطب الخارج، ولا تعطي الداخل الوزن الحاسم في التغيير، كما في انطلاقها من الرباعية رغم أهميتها. علما بأن العامل الخارجي مساعد، لكن الداخل هو الحاسم.
- الإسلاميون والدعم السريع كلاهما إرهابيين ارتكبوا في حق السودانيين انتهاكات وجرائم بشعة غير مسبوقة. شعب السودان أسقط في ثورة ديسمبر الإسلامويين مع صنيعتهم الدعم السريع، ولا يحتاج للخارج لتصنيفهم إرهابيين. وقادر على اسقاطهم مرة أخرى مع التفكيك الناجز للتمكين واستعادة أموال الشعب المنهوبة، ووقف الحرب واستعادة مسار الثورة وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي.
- لم يشر ميثاق القاهرة بوضوح إلى تفكيك التمكين، وخروج العسكر والدعم السريع والمليشيات من السياسة والاقتصاد، ووقف الحرب واستعادة مسار الثورة، والترتيبات الأمنية لحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية، ودعم التعليم والصحة والدواء والماء والكهرباء والوقود وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية.. وقيام المؤتمر الدستوري.
مما يقود للتراجع عن ثورة ديسمبر والتسوية التي تعيد إنتاج الأزمة والحرب مرة أخرى.
- الوثائق الثلاثة لجأت الى استخدام تعابير مرسلة دون تحديد وضبط المفاهيم والمقولات الواردة فيها، مما يغمض ويشوش ويلتبس على المتلقي المعاني وماهيتها مما يجعل التعابير قابلة للتأويل.
- لم يرد في وثيقة ميثاق القاهرة اي تحليل او ادنى اشارة لأسباب اخفاق الفترة الانتقالية طوال عامين ونيف، قبل الانقلاب، في تطبيق اهداف الثورة وارساء قواعد التحول الديمقراطي وازالة تمكين النظام المدحور في الاجهزة العامة وفي الاقتصاد وتفكيك الدولة العميقة .. الخ،مما جعل الميثاق ينطلق من فراغ سياسي اجتماعي لا يمت واقعا لثورة ديسمبر ومواثيقها ولا للاعلان السياسي الموقعان من قوى الثورة في صدر الثورة فى 3 يناير2019. كان الميثاق يدعو للتراجع عنهما والبداية من جديد انطلاقا من وقف الحرب.
- اورد الميثاق فى الالتزام رقم4: [ الالتزام الكامل قولا وفعلا بوحدة الصوت المدني كخطوة لا تقبل التأجيل لوحدة المركز المدني من اجل ايقاف الحرب واعادة بناء الدولة ومؤسساتها]. هكذا دعا الميثاق لوحدة الصوت متجاوزا ودون تحديد للخلافات التى طرأت وكنهها بين القوى المدنية رغم توحدها قبل الثورة واثنائها والتوافق والتوقيع على الميثاق والاعلان السياسي، علاوة على عقد مؤتمر اقتصادي خرج بتوصيات لايقاف التدهور وتحقيق اصلاح اقتصادى مستمد من ميثاق الثورة؛ ومفارقة لنهج الليبرالية الجديدة.
- ورد في الالتزام رقم 6: [ دعم اي جهود لوقف الحرب، وحق السودانيين/ات في استعادة المؤسسات الدستورية ، وعلى رأسها الآلية الرباعية ..]. يبدو ان هذا الالتزام هو بيت القصيد من الوثائق الثلاثة. ميثاق القاهرة لم يضع في اعتباره ولم ينبه الى الصراع البين، الدائر بين اطراف ومحاور دول الرباعية على مد النفوذ وعلى موارد وثروات السودان وتموضعه الجيوسياسي تجاريا وعسكريا على شاطئ البحر الأحمر على موقع ساخن تتنافس فيه قوى كبرى بغية الهيمنة على المنطقة وعلى ثروات افريقيا، مما جعل ذات اطراف الرباعية مواصلة كل منهم تمويل حليفه من طرفي الحرب، بالعتاد والمساعدات اللوجستية.. الخ، رغم طرحهم المشترك للمبادرة. علما ان الميثاق في كل حناياه لم يلتزم باستنهاض حركة الجماهير للاستناد تحسبا ولفرض ارادته على الطامعين الخارجيين، واعتماد الميثاق كليا على بيان وخارطة طريق دول الرباعية حلا لأزمة السودان العامة.
- سبق ان دعا الحزب كل القوى السياسية والمجتمعية التي انضوت تحت تحالف قوى الحرية والتغيير الى تقييم مجريات الاحداث في الفترة الانتقالية وسبر غور الاسباب التي ادت الى الاخفاق في تحقيق اهداف الثورة وعودة السودان الى الانقلاب والحرب والتبعية مظاهر الأزمة العامة في السودان، ومن ثم استنادا على التقييم الجاد يمارس النقد والنقد الذاتي للعودة لمسار الثورة وتحقيق اهدافها ومبادئها الواردة بجلاء في الميثاق والاعلان السياسي الموقعان في صدر الثورة.
- يرى الحزب:
* ضرورة ان يتخذ الصراع ابعاده الطبقية محليا ودوليا لتحويل الانتصار الرمزي الذى تحقق في ديسمبر الى قوة اجتماعية تترجم الى قاعدة جماهيرية قادرة على فرض مشروعها الثوري من اسفل.
* ان ما يفتح أفق الإمكان هو تحرك القوى الاجتماعية الشعبية المقهورة وبناء آليات نضالها، ممثلة فى الجبهات الجماهيرية العريضة وتحالفات الطبقات الكادحة والدخول الى مشروع التحول الشامل لتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع، حاملة لأجندة مجتمع متكامل يحقق ويطور دوما الحرية والمساواة والعدالة، وتجسد قيم الحق والخير والجمال.
المكتب السياسي
للحزب الشيوعي السوداني
٩ يناير ٢٠٢٦







