/
/
/
/

دمر المصريون في 30 يونيه عام 2013 أكبر صرح فكري ودعائي لجماعة “الإخوان المسلمين”. كانت الجماعة، قد نجحت على مدار السنين ومنذ نشأتها عام 1928 في ترسيخ الفكرة الأساسية التي صاحبت نشأتها ألا وهي أن المسلم الحقيقي لا يكفيه أن ينطق الشهادتين ويقيم الصلاة، والحج إن استطاع إليه سبيلا، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، كل هذا لا يجعل إيمان المسلم كاملا، إنما يكتمل إيمان المسلم بالنسبة لهم حين انضمامه إلى جماعة “الإخوان المسلمين” وهو ما يعني إن صراحة أو ضمنا، أن الجماعة تمثل الدين الكامل والصحيح، وهي الأرضية الممهدة للتكفير .
ولم يكن مثل هذا الفهم منتشراً فحسب بين أعضاء الجماعة وعضواتها، ولكنه إمتد ليشمل قطاعات من الجمهور تزداد اتساعاً كل يوم، وعجلت وقائع وظروف ما بعد هزيمة 1967 بهذا الانتشار، ذلك أن الهزيمة كانت بمثابة سقوط أكبر الأوهام التي عاش بها العرب منذ ثورة يوليو 1952. كانت القومية العربية مشروعا وفكرا وقيمة شيئا مفروغا منه، وبدت الوحدة العربية وكأنها أقرب لهم من حبل الوريد كما يقال، رغم فشل مشروع الوحدة بين مصر وسوريا. وكان مشروع بناء السد العالي قد قارب على الاكتمال بعد الانتصار السياسي العربي على العدوان الثلاثي 1956 وسرعان ما جاءت الهزيمة لتعصف بكل هذا .
وعلى أنقاض هذا الوهم العظيم ترعرع مشروع الإسلام السياسي وإزداد عنفوانه بعد انقلاب السادات 1971، والانتصار السياسي في حرب 1973، الذي أطلق فورة النفط والهجرة الواسعة للمصريين إلى بلدان الخليج، وعادت النساء إلى مصر بالحجاب والنقاب، وعاد الرجال بالجلبات والسبحة، وفي هذا المناخ المواتي إزداد نفوذ جماعة الإخوان، وكل ما خرج من عباءتها من جماعات، ومع هذا النفوذ ازدادت الفكرة رسوخا، أي فكرة اكتمال إسلام المسلمين وإيمانهم بالانضمام إلى جماعة الإخوان، وأظن أن قاعدة هذه الجماعة قد شهدت إتساعا كبيرا في هذه الفترة التي أسست فيها لمشروع حكم مصر، وجاءتهم الفرصة المواتية بعد الموجة الأولى من الثورة في يناير 2011، والألاعيب التي استخدموها .
واستمر حكم الإخوان لمصر عاما كاملا اكتشف فيه هذا الشعب الذكي حقيقتهم دون أي رتوش أو تزويق، وكانوا قد وجهوا لأنفسهم ضربة قوية قبل أن يزيحهم المصريون من الحكم حين أصدر الرئيس محمد مرسي إعلانا دستوريا يؤسس لديكتاتورية من نوع جديد يختلط فيه الدين بالسياسة، وينشط صبية الجماعة لتوزيع صكوك الكفر والإيمان، وتدخل مصر في منطقة معتمة يكون النضال فيها من أجل التحرر عبئا مضاعفا، خاصة أن جماعة الإخوان كانت تتباهي بخطتها التي ستبقيها في حكم مصر لخمسة قرون قادمة، وهو ما أفزع كل من يعرفون تاريخ الإخوان.
تأسس وعي المصريين، كعادتهم، على الخبرة المباشرة، وهم اختبروا هذه الجماعة في حياتهم اليومية خلال عام حكمهم للبلاد، وكان لسان حال الكثير فلنجرب هذه الجماعة التي أسرفت في منح الوعود بالجنة على الأرض وفي الآخرة .
وما أن انقضى العام إلا وكان الوعي الجمعي قد وصل إلى ذروة أدركت عبرها أوسع القطاعات الشعبية الخطر المحدق بالبلاد، وكان هناك قرار شعبي ضمني بإبعاد شبح الدولة الدينية، وأخذت حركة “تمرد” تنشط في كل الأوساط ضد حكم الجماعة في ظل الغضب الشامل ضد ممارساتها، وانفجر الغضب في الثلاثين من يونيه حين خرجت الملايين إلى الشوارع والميادين في كل أنحاء مصر، وفي الثالث من يوليو التحمت القوات المسلحة مع الشعب مجدداً، بعد تجربة يناير 2011 وسقط حكم الإخوان ومعه كل ما جاهدوا من أجل ترسيخه من قيم وأفكار، وهو ما لم يفهمه الذين لا يثقون بقدرات الشعب، وبعضهم مغرضون ويصفون ما حدث بأنه انقلاب، ولم يسألوا أنفسهم كيف يتواطأ ما يزيد على ثلاثين مليون مواطن مصري لإنجاز إنقلاب!
كان العنصر الحاسم والذي أظن أنه لم يُدرس بعد جيدا في هذا العمل الملحمي المجيد هو عنصر الوعي الجمعي الذي شكله في هذه اللحظات تراث نضال المصريين القريب جدا، حيث خرجوا بالملايين في يناير 2011 وأسقطوا حكم مبارك، وعادة ما تستدعي الشعوب من ذاكرتها في مثل هذه اللحظات وقائع وصور نضال الأسلاف على مدار آلاف السنين ضد الظلم والاستبداد والاستغلال .
قال المفكر الراحل سمير أمين إن الثورة لم تغير النظام لكنها غيرت الشعب، وإذا بحثنا بعمق وتأن في طبيعة هذا التغيير ففي ظني أننا سنجد عنصر الوعي الجمعي حاكماً وفاعلاً، فإذا ما شئنا أن نتعرف على مصادر هذا الوعي لا مفر من أن نعود لا للأدبيات المتراكمة والعميقة التي انتجتها الأحزاب والقوى التقدمية في مصر على مدار السنين في سياق نضالها للتحرر المزدوج من الاستعمار والاستغلال فحسب، بل وعلينا أن نعيد إلى الذاكرة وقائع النضال العملي على مر التاريخ .
يعرف القاصي والداني أن إنتاج هذه الأدبيات قد تم غالبا في ظروف بالغة الصعوبة بالنسبة لقوى التقدم، واليسار في القلب منها على نحو خاص، كذلك ارتبط النضال في ساحة الفكر والوعي بالنضال العملي من أجل انتزاع الحريات وتأسيس الجمعيات والأحزاب والنقابات، فحق لهذا التراث المجيد أن يكون ملهما ومؤسسا لوعي المصريين الجمعي في الواقع الجديد وحق لهذا الشعب المتحضر أن يبهر العالم وهو يزيح من على صدره كابوس “الإخوان”.
ــــــــــــــــــــ
الأهالي” – 1 تموز – 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل