/
/
/
/

ليس هناك مايشي بتوقف الانحدار في سوق العمل في الولايات المتحدة الامريكية، منذ اذار الفائت، وبسبب استمرار ازمة الوباء بلغ عدد العاطلين عن العمل، حتى منتصف ايار الحالي، وفق معطيات وزارة العمل الأمريكية، اكثر من 33 مليون خلال هذه المدة القصيرة، والرقم آخذ بالتصاعد، في حالة لم تشهدها البلاد سابقا.

والارقام التي اعلنتها الوزارة تعكس التطور الحاصل حتى 9 ايار. وفي ضوئها يتوقع المختصون زيادة تتراوح بين 2 الى 3 مليون عاطل جديد. وفي الاسبوع قيد الرصد، قدم 3,2 مليون طلبات معونة العاطلين. وقبل انتشار كورونا كانت الطلبات لا تتجاوز 100 ألف طلب في الاسبوع. ويقول الخبراء ان عدد الطلبات يمثل مؤشرا موثوقا بشان التطور الذي يشهده سوق العمل.

وبلغ معدل البطالة في الولايات المتحدة في نيسان الفائت 14,7 في المائة، وبسبب اخطاء في حساب التصاعد قالت السلطات المختصة حينها ان النسبة الحقيقية تصل الى 20 في المائة. وهذه النسبة الرسمية تعكس وضع درامي في سوق العمل الامريكية، واذا ما اضفنا الى القائمة العاملين  لفترات قصيرة، الذين لا يحق لهم اصلا تقديم طلب المعونة، وكذلك العمال غير المسجلين باوراق رسمية، فان نسبة البطالة تصل الى 25 في المائة، وهي اعلى نسبة منذ الحرب العالمية الثانية. وقبل انتشار الوباء كان معدل البطالة الرسمي في الولايات المتحدة منخفضا جدا 3,5 في المائة فقط.

ويعاني العاطلون من الصعوبات الفنية التي تحول دون استلامهم المعونة ، وكذلك مبلغ 1200 دولار  المخصص خلال ازمة الوباء لدعم المواطنين المحتاجين، فنظام التسجيل الألكتروني غير مناسب لهذا الاعداد الهائلة من مقدمي الطلبات. ومن جانب آخر تكون العرقلة مقصودة، لقد قام الحاكم الجمهوري السابق لفلوريدا ، ريك سكوت ، بتغيير النظام الالكتروني، وجعله مملا من  خلال العديد من الأسئلة والتطبيقات المتكررة.  بهدف ضغط المبالغ المصروفة للعاطلين، وبالتالي يمكن للحاكم أن يتباهى بأن عدد العاطلين في ولايته اقل من الولايات الأخرى.

وفي ضوء المعطيات المتوفرة ليس هناك امكانية لتحديد السقف الزمني الممكن لتجاوز معدلات البطالة الاستثنائية. لقد كانت نسبة البطالة اثر الأزمة الاقتصادية المالية 2007 / 2008، قرابة 10 في المائة، واحتاج الأمر 6 – 8 سنوات لتجاوز المشكلة. وخلال سنوات الكساد الكبير بلغت نسبة البطالة 25 في المائة، وهي قريبة من النسبة الحالية، لذلك يصعب حتى على المختصين تحديد السقف الزمني المطلوب لتجاوز ازمة البطالة الراهنة.

وتشير تقديرات البنك المركزي الامريكي  إلى أن البطالة قد تصل إلى 30 في المائة .  وحتى لو عادت المرافق العامة لسابق عهدها، فان الكثير من الناس سوف لا يرتادون المطاعم أو دور السينما أو الحفلات الموسيقية على الفور ، بسبب الخوف من الإصابة بالعدوى. وسيحتاج  الاقتصاد وقتًا أطول ليعود ثانية الى ما قبل انتشار الوباء. وخلال هذه الفترة ستعلن العديد من الشركات  افلاسها.

الانسان ليس سلعة

وفي الولايات المتحدة، في الغالب، يؤدي فقدان العمل الى فقدان التامين الصحي. ووفق دراسة اجرتها مؤسسة عائلة القيصر، سيؤدي ققدان العمل الى فقدان 27 مليون مواطن تامينهم الصحي، لان التامين الصحي يجري من خلال ارباب العمل، وعلية سيكون من الصعب جدا على العاطلين الاستمرار في دفع تكاليف التامين الصحي لهم ولعوائلهم.

وتفترض الدراسة أن حوالي 21 مليون مواطن يمكن أن يأملوا في الحصول على مساعدة الدولة بعد فقدان التأمين  الصحي عبر رب العمل  ، بما في ذلك قرابة 6 ملايين طفل مؤمن عليهم. ولكن بسبب العوائق البيروقراطية أو الدعم غير الكافي، من المرجح أن يبقى الكثيرون في خلال ازمة الوباء بدون تتأمين صحي، وتشير الدراسة ايضا  إلى ان قرابة 6 ملايين عاطل سيكونون غير مشمولين بالدعم الحكومي.

  ومعروف ان الولايات المتحدة التي تتزعم البلدان الرأسمالية المتقدمة، هي البلد الوحيد الذي يفتقر الى  تامين صحي عام.  وقبل انتشار الوباء كان هناك 28 مليون مواطن يمثلون قرابة 10 في المائة من مجموع السكان بدون تامين صحي، والآن مع تصاعد نسب البطالة سيتضاعف العدد. لقد وسع الرئيس الامريكي السابق اوباما دائرة المشمولين بالتامين الصحي، ولكن ترامب الساعي  الى دورة رئاسية ثانية  يريد ان يلغي التغييرات، او ما يسمى بـ" رعاية اوباما".

ومعدل تكلفة التامين الصحي في الولايات المتحدة عالية جدا، ويبلغ المعدل للفرد 10500 دولار سنويا، مقابل 6 آلاف لنظيره الالماني. وهناك على الأقل ثلاثة انواع من التامين الصحي في الولايات المتحدة هي: الخاص والحكومي، وتامين  المصانع للعاملين. ويمثل التامين الصحي تجارة رابحة تدر مليارات الدولارات.

يبدأ التامين الخاص من ألف دولار شهريا، يضاف الى ذلك ما يدفعه المريض عن مراجعة الطبيب، وهو مبلغا يتراوح ما بين 10 – 50 دولار. ويقدر سنويا بـ 5 آلاف دولار  على المواطن تامينها قبل الحصول على التامين. ولذلك فالسؤال الأول في عيادة الطبيب عادة ما يكون عن البطاقة المصرفية.

لقد كان عدد المواطنين فاقدي التامين الصحي 45 مليون، خفض العدد في عام 210 ، نتيجة لاجراءات الرعاية في عهد اوباما الى الثلثين. وبفعل الأزمة سيضاف 20 مليون جديدة، ناهيك عن الزيادة الطبيعية في عدد السكان خلال العقد الأخير. بالاضافة الى ذلك يعاني 80 مليون مواطن من نقص في التامين الصحي، لذلك هناك حالات انتحار كثيرة بسبب الفقر والضائقة المالية.

النقاش حول نظام التامين الصحي مفتوح منذ سنوات، والناس يريدون  نظام تأمين صحي ممكن للجميع، يؤمن مخاوفهم ويزيل عن الكثيرين منهم حسابات السنت الاخير ، لكن الجمهوريين  يعتقدون أن حرية السوق تنظم كل شيء، وما عدا ذلك فهو دعوة الى  الاشتراكية وعمل شيطاني.هناك حاليا حراك بطيء داخل الديمقراطيين، فحتى رموز اليمين مثل  جو بايدن وهيلاري كلينتون ، دعوا اخيرا إلى تأمين صحي شامل .

اجراءات حكومية ولكن!

كانت الحكومة والكونغرس الامريكي قد اطلقا نهاية اذار حزمة دعم لمواجهة الوباء بلغت 2,7 بليون دولار(البليون يساوي الف مليار دولار) لدعم الاقتصاد المتراجع. ويعمل الديمقراطيون الذين يمتلكون اكثرية في البرلمان، على اطلاق حزمة اخرى بقيمة 3 بليون دولار، ولكن الاكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ ستعيق تمرير المشروع. وعلى شاكلة البلدان الراسمالية الأخرى سيبنى توزيع تخصياصات هذه الحزم على اعطاء الأولوية للشركات والبنوك الكبرى، في حين تبقى الشركات الوسطى والصغيرة وملايين الفقراء بعيدة عن الاستفادة الجدية والمباشرة من هذه التخصيصات.

كان الاقتصاد الأمريكي، حتى شباط مازال معافى ، وتم تسجيل ارتفاعات في مؤشرات البورصة، وتوقع الخبراء نموًا اقتصاديًا  بحوالي  2 في المائة. لكن الانتشار السريع للفايروس  في بداية اذار انهى الآفاق الاقتصادية الجيدة، وتتجه الولايات المتحدة الآن نحو ركود عميق.  وما يحدث مقلق للغاية بالنسبة للرئيس دونالد ترامب: فهو  يبذل كل ما في وسعه للفوز بولاية ثانية.

هل يعود الديمقراطيون الى البيت الابيض؟

وستتاثر نتائج الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل، بعواقب ازمة كورونا الاقتصادية. خلال ازمة  2008/2009 ، كان الأمر مختلفا، عندما اضطر العمال البيض في المصانع وعمال البناء إلى الشكوى بشكل متزايد من فقدان الوظائف. يوجد الآن عدد كبير بشكل غير متناسب في مهن الخدمة والسياحة والقطاعات الأخرى حيث يتأثر عدد أكبر من النساء وأبناء  الأقليات.  لقد تم فقدان ما يقرب من نصف جميع فرص العمل في قطاع السفر ، وحوالي 12 في المائة فقط في البناء والمصانع،اي ان ناخبي الديموقراطيين هم الأكثر تضررا من الأزمة.  وهذا يفسر  الى حد بعيد  عدم تعرض الجمهوريين حتى الآن الى ضغوط كبيرة لاتخاذ قرار بشأن المساعدة بعيدة المدى للمتضرريين.

ولهذا يفترض المختصون في العلوم السياسية: إذا كان الوضع الاقتصادي سيئًا ، فسيعاقب الرؤساء على ذلك. ويمكن أن تتكرر تجربة باراك اوباما، ففي ازمة 2008 /2009 تضررت اوساط واسعة من الشبيبة ، و حركات اجتماعية مثل حركة "لنحتل الوورد ستريت". فهل تسهل الأزمة مهمة الديمقراطيين في العودة الى سدة الحكم؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل