/
/
/
/

طريق الشعب

كثيرة هي الاسئلة ذات العلاقة بالدستور التعديلات الدستورية وبالقوانين وبالاصلاح القانوني واستكمال التشريعات ومستوى عملية التشريع وعلاقة مجلس القضاء مع المحكمة الاتحادية، والعديد غيرها من القضايا المهمة في هذا الميدان.. التي كانت وما زالت تشغل بال الموطنين، ويرغبون في الحصول على اجابات شافية عليها.

بعض من هذه التساؤلات حملناه الى الخبير القانوني المعروف القاضي هادي عزيز علي وطرحناه عليه، فاستجاب لنا مشكورا. وقد نشرنا في العدد السابق من جريدتنا، الصادر الثلاثاء الماضي، القسم الاول من مقابلتنا معه، واليوم وفي ادناه  ننشر القسم الثاني منها والاخير.

* ما المطلوب القيام به على صعد الاصلاح القانوني والتشريعي لتعزيز التوجه نحو اقامة دولة القانون والمؤسسات ؟

النصوص التشريعية لها قابلية البقاء في المجتمعات، بقدر ما بقيت المجتمعات تلك منتمية بهياكلها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقلية الى المناخات التي ولدت فيها التشريعات المذكورة. وهذا يعني ان تغيير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقلية يوجب تغيير التشريعات الحاكمة لها، استجابة للتطورات والتغيرات المرافقة لايقاع حركة المجتمع المستمرة. ذلك ان خلق مجتمع مؤهل لدولة القانون والمؤسسات لا يأتي من خلال تبديل النظام السياسي حسب، بل من خلال خلق قيم واسس واتجاهات وسلوك ومفاهيم نازعة نحو تطور حضاري وانساني، اذ يمكن تحويلها الى قواعد قانونية تشكل الاطار التنظيمي للمجتمع الجديد.

ان بناء الدولة ضمن الفهم هذا يتطلب اصلاح القوانين العراقية، لكي تكون منسجمة مع هذه التطلعات سواء تعلق الامر بالتشريعات المدنية (القانون المدني، قانون المرافعات المدنية، قانون الاثبات) او بالقوانين الجزائية (قانون العقوبات والقوانين العقابية الاخرى. قانون اصول المحاكمات الجزائية. قانون الادعاء العام. قانون رعاية الاحداث) فضلا عن قوانين الاحوال الشخصية ومقترحات قانون الاسرة وقانون الحماية من العنف الاسري) وأي قانون اخر تتضمنه فروع القانون الاخرى، كقانون التجارة وقانون الملكية الفكرية وقانون العمل وغيرها.

فالتشريعات الحالية النافذة تنتمي الى عهود سياسية مختلفة، وتعبر عن ايديولوجيات ومصالح تلك الحقب السياسية، خلافا لنصوص الدستور الحالي الهادف الى تأسيس دولة اتحادية مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها نيابي ديمقراطي، وللمواطنين فيه رجالا ونساء حق المشاركة في الشأن العام والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح، ويتم تداول السلطة فيها سلميا عبر الوسائل الديمقراطية.

لذا يجب ايجاد تشريع جديدة ينسجم ومستجدات حركة المجتمع.

الا ان من المستغرب ان تجد نصا تشريعيا يعود الى حقبة الاحتلال البريطاني للعراق، وهو بيان المحاكم رقم 6 لسنة 1917 - الذي اصدره الفريق الاول ويليم مارشال القائد العام لجيوش صاحب الجلالة ملك بريطانيا التي احتلت العراق – لا يزال ساري المفعول الى يومنا هذا. وهو يتعلق باستئناف العمل في المحاكم المعطلة بسبب انسحاب قضاتها العثمانيين. او قانون تنفيذ الاحكام الاجنبية في العراق رقم 30 لسنة 1928، الذي لم تمسه العولمة رغم عصفها بالحدود الاقليمية وتسربها الى مناحي الحياة بصورة عامة، وسواه ذلك من القوانين.

فلا بد والحالة هذه من التفكير في اصلاح النظام القانوني من خلال الزام الوزارات والمؤسسات والهيئات واجهزة الدولة، بالتعاون مع مجلس النواب والسلطة القضائية في وضع ورقة عمل اصلاح النظام القانوني، وتوكل مهمة التنفيذ فيها الى هيئة مختصة بالشأن التشريعي، تقوم بدراسة القوانين الواجب تغييرها او تعديلها بموجب خطة توضع لهذا الغرض، وتتضمن اسس اصلاح النظام القانوني، هذا اولا. وغايات واهداف اصلاح النظام القانوني، وهذا ثانيا. اما ثالثا فالوسائل المطلوبة لاصلاح النظام القانوني، شريطة ان تقود عملية هذ الاصلاح والوصول الى التشريعات المرجوة، للمباشرة بتأسيس دولة تقوم على سيادة القانون. اي ان يكون الجميع افرادا ومؤسسات خاضعين لحكم القانون مهما علا شأن اي منهم، وتعزيز مبدأ المساواة امام القانون، وان يعتمد مبدأ الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) من خلال توفر التوازن بينها، وليس من باب الانغلاق عن الاخر، فبالمحصلة تأتي السلطات تلك من معين واحد هو الشعب، مصدر تلك السلطات. وان يكون المجتمع المدني شريكا للدولة ومعها على قدم المساواة. مع ضمان الحقوق والحريات الفردية، واستقلال القضاء باعتباره حقا من حقوق الانسان وليس واحدة من المزايا تضاف الى هيبة القضاء وجلاله. وان يعتمد مبدأ الشفافية في الدولة لكونه الخط الامامي المتصدي للفساد بانواعه المختلفة. وان تعتمد كذلك الهرمية في التشريعات ويكون على رأسها الدستور، تليه القوانين التي اشترطها الدستور، فالقوانين العادية، ثم الانظمة والتعليمات. كذلك ان تحتكر الدولة السلاح، ويكون لها وحدها حق استعمال القوة المشروعة.

 بقي ان نذكّر بما قاله عبد الله العروي في كتابه "مفهوم الدولة": "ما الدولة الا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي تولدت حسب القانون الطبيعي، حكمها اذن مندرج تحت حكم المجتمع، اذا بقيت خاضعة لقانون تولدها وظهورها كانت طبيعية... لا ينشأ تناقض بينها وبين المجتمع، فاذا حصل تناقض ناتج عن خطأ انساني متعمد.. تنشأ الدولة الاستبدادية..).

* بعد 15 سنة من انتخاب اول مجلس نواب لا يزال العديد من القوانين الدستورية غير مشرّع، وليس في جدول عمل البرلمان ما يشير الى احتمال تشريع تلك القوانين في المستقبل المنظور. ما هو السبيل في رايك لمعالجة هذه المشكلة، التي تلقي بظلالها السلبية على واقعنا برمته ؟

القوانين التي اشترط الدستور تشريعها تسمى في فرنسا القوانين العضوية وفي مصر تسمى القوانين المكملة. ولما كان الدستور مثل نظام قانوني، فان نصوصه تسمو على سائر النظم القانونية، لكونه بمستوى يحكم وضع سائر القواعد القانونية. ويليه في المستوى النص الذي يحكم مضمون هذه القواعد وهو القانون، ثم يليه النص المتضمن كيفية التطبيق وهو النظام. ولما كان الدستور في الموقع الاول فلا يجوز للقوانين ان تنحرف عما جاءت به نصوصه، والا وقع تحت عيب عدم الدستورية.

تعد القوانين العضوية (المكملة) مفصِّلة للنصوص الدستورية او محددة لها، وقد وضع بعض الدول اجراءات خاصة لتشريع هذه القوانين مختلفة عن اجراءات القوانين العادية، نظرا لموقعها المهم في النصوص الدستورية، وتعبيرها عن مقاصد المشرع. وقد نص على ذلك الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958 المادة 14 منه، والمادة 81 من الدستور الاسباني الصادر سنة 1978، اذ لا بد من توافر آلية خاصة لصدور هذا النوع من القوانين، باعتبارها جاءت تطبيقا للنصوص الدستورية. وبسبب اهميتها فان النص الدستوري الفرنسي قضى بعدم جواز تشريعها الا بعد ان يعلن المجلس الدستوري مطابقتها للدستور. وفي المحصلة فان القوانين العضوية تأتي بحكم التطبيق الفعلي للنصوص الدستورية لا في وضع الاضافة لها. والامر ذاته في مصر في دستور 1970 – قبل الدستور الحالي – ففي حكم للمحكمة الدستورية العليا في مصر قضت ان التشريعات التي تتولى تحديد مضمون النصوص الدستورية، تعتبر من القوانين المكملة متى ما توفر شرطان متلازمان، الاول (شكلي): ان يكون الدستور ابتداء قد نص صراحة ان ينظم ذلك بقانون، والثاني (موضوعي): ان يكون القانون متصلا بقاعدة كلية مما جرت الاحكام الدستورية على النص عليها.

ويصنف الفقه الدستوري القوانين التي نص الدستور على اصدارها، اي العضوية (المكملة) بانها تحتل مركزا وسطا بين الدستور والقوانين العادية، فلا يصح لهذه القوانين ان تخالف الدستور، ولا يجوز للقوانين العادية مخالفة القوانين العضوية بالنظر لكون الاخيرة في مرتبة اعلى من القوانين العادية. وقد نص على ذلك صراحة النظام القانوني المصري: الدستور في القمة تليه القوانين المكملة ومن ثم القوانين العادية واخيرا اللوائح (الانظمة).

هذا هو الموقع القانوني للقوانين المكملة للدستور في تطبيقات بعض الدول، اما نظامنا القانوني فقد جاء خاليا من نصوص تشريعية خاصة بتشريع هذا النوع من القوانين، اسوة بما موجود في فرنسا ومصر. الا ان هذا العوز التشريعي – المطلوب ادخاله ضمن التعديلات - لا ينال من الاهمية الخاصة لهذا النوع من القوانين، لاتصالها المباشر بنص الدستور. وان موضوع تشريعها يلزم المشرع بالرجوع الى المباديء العامة في سن القوانين المعتمدة من قبل مجلس النواب، ولكن ضمن اهتمام باعتبار ان هذه القوانين متصلة بشكل مباشر بالنص الدستوري كونها مفصلة او محددة له وبصفتها اعلى من القوانين العادية وتحت سقف النص الدستوري مباشرة.

ان التغاضي عن تشريع هذه القوانين او اهمالها هو بحكم التغاضي عن تطبيق النص الدستوري، لان لهذه القوانين مهمة متميزة رسمها المشرع، وهي تيسير وتسهيل النص الدستوري ووضعه موضع التطبيق، بغية الوصول به الى الغرض الذي قصده المشرع، لكي يؤدي الوظيفة التي شُرع من اجلها ارتباطا بحاجة المجتمع لتلك الوظيفة. وهذا السلوك السلبي من قبل المشرع يؤدي الى تعطيل تلك النصوص التشريعية ذات الوضع الخاص، والعمل بدستور ناقص يؤثر بشكل ملفت على حركة المجتمع وتطوره. وعلى سبيل المثال فان عدم تشريع قانون حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، المطلوب بحكم المادة 38 \ ثالثا من الدستور، كان احد الاسباب التي جعلت سوح الاحتجاج تدفع الشباب للاستشهاد وبالمئات. اضافة الى قانون مجلس الاتحاد (المادة 65 من الدستور) الذي جعل عدم تشريعه العملية التشريعية توصم بالعرجاء. كذلك قانون النفط والغاز المستند الى المادة 111 من الدستور. فمعلوم حجم العوز التشريعي في ظل غياب هذا القانون الاخير، والاثار السلبية المترتبة على عدم تشريعه، ومنها عدم استقامة العلاقة مع اقليم كردستان، وسوى ذلك من الاثار السلبية.

*هل ترانا نعاني من نقص في القوانين والتشريعات، ام من نقص في مدى التزامنا بتلك القوانين والتشريعات وتطبيقها، ام في هذا وذاك معا ؟

هذا السؤال في شقه الاول نقول: نعم، لدينا نقص في القوانين والتشريعات. وقد لاحظنا ذلك عندما اقترح الدكتور حيدر العبادي حزمة الاصلاحات، وعلى رأسها ما يتعلق بالوضع الاقتصادي حينئذ، اذ لم تر الاصلات المقترحة المذكورة النور لاسباب عديدة، لا تخفى على الحليم ومن دون اشارة. ورأينا في وقتها ان احد تلك الاسباب يتعلق بالجانب التشريعي. اذ ان المنظومة التشريعة النافذة لا تصلح غطاء للاصلاحات تلك. وقد قسمنا التشريعت النافذة الى ثلاث فئات :

 الاولى - مجموعة التشريعات النافذة التي سنها النظام السابق، والمستندة الى قانون اصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنة 1977، والمستمدة احكامها من التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي، حسبما مبين في الاسباب الموجبة الملحقة به، والمتبنية للاقتصاد الموجه من قبل الدولة وبالشكل المعروف عنه. وهذا لا ينسجم مع التوجه الجديد الذي جاء به دستور 2005 المعتمد اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة، وبما يضمن الاستثمار الكامل للموارد وتوسيع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته، او كما يقول المعنيون بشأنه انه اقتصاد السوق. اضافة الى ما تقدم فان واحدا من اهم المباديء التي جاء بها قانون اصلاح النظام القانوني هو مبدأ (تغليب القاعدة القانونية على الارادة العقدية) وهذه القاعدة بحد ذاتها تعد طاردة للاستثمار والاستثمار الاجنبي على وجه الخصوص. ومعلوم ان هذه الفئة القانونية نافذة حتى الان، ومحمية دستوريا بموجب احكام المادة 130 من الدستور التي تنص على ان (تبقى التشريعات النافذة معمولا بها، ما لم تلغ او تعدل وفقا لاحكام هذا الدستور).

اما الفئة الثانية من التشريعات النافذة فهي تلك القرارات الصادرةعن سلطة الائتلاف المؤقتة التي نصبها الاحتلال ومنحها سلطات تشريعية. واذا اردنا تبويب قراراتها تلك من الوجهة القانونية، فهي نصوص قانونية تتعلق بالمرحلة الانتقالية، اي انها نصوص تحمل صفة وقتية وتنتهي مهمتها بتحقيق الغرض الذي شرعت من اجله، مثل هيئة دعاوى نزاعات الملكية، وتشكيل وزارة للمرحلين والنازحين، او المحكمة الخاصة بمحاكمة رموز النظام السابق، او قرار اخلاء الممتلكات العامة من شاغليها، وسواها من التشريعات المماثلة. وهذا يعني ان النصوص في تلك المرحلة غير معنية ببناء الدولة واقتصادها ومؤسساتها، بسبب صفة التوقيت اولا، ولكونها شرعت لمرحلة انتقالية معينة ثانيا.

الفئة الثالثة – هي التشريعات التي صدرت بعد مغادرة سلطة الائتلاف المؤقتة من خلال الحكومة المؤقتة وما اعقبها من حكومات، بعد قيام الدستور الذي انتج الدورات البرلمانية المتعاقبة. ففي هذه الفترة لم نلاحظ استراتيجيات او برامج او خططا تضعها الاحزاب ذات الخطاب السياسي الديني. بل ان ما انتجته هذه الفئة السياسية هو تشريعات تغلّب مصالحها الخاصة على مصلحة الوطن، وافضى هذا السلوك من قبل الغالب من السياسين الى انتاج الفساد بانواعه وبالشكل غيرالمسبوق، اضافة الى ترسيخ نهج المحاصصة. هذا النظام السياسي بهذا التوصيف شرع مجموعة من القوانين تمثله اولا، وتتصف بركاكة الصياغة مع العيوب التشريعية.

هذه اذن هي التشريعات التي لا تلبي طموحات تأسيس دولة باقتصاد حديث، لكونها ناقصة ومعدومة الجدوى في احداث التغيير.

اما الشق الثاني من السؤال عن القوانين النافذة وغير المطبقة، فهناك العديد من القوانين المهمة ولكنها خارج الاطار التطبيقي. منها على سبيل المثال: قانون الكسب غير المشروع رقم 15 لسنة 1958الساري المفعول الى يومنا هذا، والذي ما زالت نصوصه محتفظة ببريقها وصلاحيتها للتطبيق رغم مرور اكثر من ستين عاما على تشريعه، ويكفيه رصانة وصياغة تشريعية مجزية ان من ضمن من كتبوه قامات عراقية باسقة، كالراحل محمد حديد، والراحل الدكتور ابراهيم كبة استاذ الاقتصاد ووزيره، والراحل مصطفى علي وزير العدل حينذاك. ولو قيّض لهذا القانون ان يوضع موضع التطبيق لما الجأتنا الحاجة الى هيئة النزاهة ومحققيها وجيش موظفيها، والى تشكيلات مكافحة الفساد ولقاءاتها.

* كثيرة هي القوانين التي شرعها مجلس النواب في السنوات الماضية ثم عاد اليها مغيّرا ومعدلا مرة بعد مرة. الا يعني هذا ان عملية التشريع عندنا ليست بالدرجة اللازمة من الرصانة والجودة؟ وألم يئن الاوان للنظر في هذا الواقع غير السار وتجاوزه؟

في العقود الاخيرة من القرن العشرين صدر العديد من الدراسات المتعلقة بالعملية التشريعية والصياغة القانونية، وكثرت كذلك مراكز التدريب او المراكز الجامعية التي اولت هذا الموضوع الاهتمام الكثير، وتمت دراسته اسوة بدراسات فروع القانون الاخرى، فضلا عن المؤسسات العامة التي حددت موضوع التحضير وصياغة النص التشريعي، ومن خلال هذا الجهد تم التاسيس لكوادر مهنية رفيعة القيمة وعالية المستوى حرفيا، وتم التعامل مع هولاء باعتبارهم اصحاب حرفة تمكنوا من دروبها ودهاليزها وخفاياها، وان التشريعات الصادرة خارج هذه الحرفية تكون سلبية بالتأكيد. لذا فقد لا يقوى اكاديمي حاصل على الدكتوراه بامتياز في القانون الدستوري، على الاتيان بنص تشريعي صحيح من جملة واحدة، لكونه لم يتلقَّ التدريب المطلوب على حرفة التشريع.

ومعلوم ان اية عملية تشريعية يجب ان تمر بمراحل عدة , الاولى – هي مرحلة التحضير المفضية الى تشكيل ركيزة اساسية لعملية بناء صياغة النص. والمرحلة الثانية – تتضمن المنهجيات والمصادر المتضمنة تحضير تقرير البحث ومنهجيات البحث، مع الوقوف على المصادر والوسائط التي تستخدم في اعمال التحضير، سواء كانت تقليدية ام حديثة تعتمد تقنية المعلومات. اما المرحلة الثالثة فهي مرحلة صياغة النص التشريعي، اي الجانب البنيوي والوسائط المساعدة على الصياغة. وكل مرحلة تستعين بالخبراء اصحاب الاختصاص في الاقتصاد وعلم اجتماع واللغة والتقنيات، وسواها من الاختصاصات وحسب نوعية التشريع.

فصياغة النص التشريعي اذن عملية لا يأتيها الا من اختص بها، وبما ان المعنيين بالشأن التشريعي في مجلس النواب وحتى في مجلس الدولة، لم يأتوا مؤهلين لهذه الحرفة بل قدموا اليها من دون اسلحة مهنية، فليس امامهم سوى التجريب. وبسبب التجريب كانت النتائج مخيبة للآمال في المنتج التشريعي معدوم النجاعة وفاقد الرصانة التشريعية والركيك في ألفاظه وفحواه، الامر الذي جعله عرضة للتعديلات المتعددة، او انه مع نفاذه يأتي بتطبيقات متناشزة. فلا مناص والحالة هذه من اعتماد كادر مدرب مؤهل للعملية التشريعية والصياغة القانونية، وهو ما يفتقر اليه مجلس النواب طيلة دوراته الانتخابية.

*لماذا لا يشرع قانون جديد للمحكمة الاتحادية؟’ولماذا لا يجري حل المشكلة الراهنة المتعلقة باستكمال عضويتها؟ وما حقيقة تأثير عدم الحل على انجاز عملية الانتخابات المبكرة؟

الجواب الذي اكتبه هنا يتعلق بالمحكمة الاتحادية العليا بصفتها مؤسسة قضائية، وبعيدا جدا عن الشخصنة ولكي نصل الى استنتاجات مفيدة. فالمشكلة المستعصية في مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا تكمن في مضامين نصوصها، وعلى وجه الخصوص موضوع عضوية خبراء الفقه الاسلامي. فنصُ المشروع المقدم الى مجلس النواب يعطي هؤلاء الخبراء العضوية الكاملة، فضلا عن حق النقض المفضي الى الغاء نصوص المشروع، التي لا تتلائم وذهنية الخبراء المذكورين. فأي مشروع يقدم للمحكمة المذكورة يجب ان ينظر فيه خبراء الفقه الاسلامي، امتثالا للنص الدستوري الذي يقضي بالآتي: (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون..). وتكاد تكون هذه الفقرة من اهم الاسباب في عدم تشريع القانون.

الرأي لدينا يتمثل في التمسك بمصطلح (خبراء الفقه الاسلامي). فالخبرة لغةً: خبرتُ الامر اي علمته وعرفته على حقيقته. اما اصطلاحا فهي تدبير حقيقي واستشارة فنية يستعين بها القاضي، بغية الوصول الى معرفة الواقعة المعروضة عليه ليبني عليها حكمه. اذن فالنص الدستوري اضفى على هؤلاء صفة الخبراء، وعلينا التعامل مع هذا الموضوع حسب التوصيف الدستوري. كما ان التشريعات القضائية لدينا تفرق بين وظيفة القاضي ووظيفة الخبير، فلكل واحدة منهما شروطها واسبابها ومؤهلاتها المختلفة عن الاخرى، والدستور نص على كلمة خبراء اي انه اراد تجليسهم بهذه الوظيفة دون غيرها من الوظائف، ولا يصح اطلاقا تجاوز النص الدستوري. ولما كانوا جزءا من تكوين المحكمة حسبما جاء نصا، فان هذا التكوين يشمل ايضا الاداريين والحسابيين وكتاب الضبط وسائر الوظائف الاخرى، ولم يرد في النصوص ما يشير الى كونهم جزءا من الهيئة القضائية.

الرأي لدينا واستجابة للنص الدستوري ان المشروع يجب ان يتضمن فصلا تحت عنوان (هيئة المفوضين) يكون من ضمن تكوينه خبراء الفقه الاسلامي استجابة للنص، لان ذلك يجعلهم من ضمن التكوين الذي قصده المشرع، ولكي يؤدوا خبرتهم على وفق وظيفتهم المؤهلين لها، ولا مانع قانونا في تمتعهم بحقوق وامتيازات القاضي. بهذا المقترح نصل الى نتيجة مقبولة وملبية للنص الدستوري، ونضيف الى ذلك لزوم وجود نص جديد، يحسم موضوع ترشيح القضاة الى المحكمة الاتحادية العليا.

* ماذا عن العلاقة بين مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية؟ هل هناك خلاف حقيقي بينهما ؟ وكيف تتم تسويته ؟

السلطة القضائية الاتحادية تتكون من مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى. وعندما يسن قانون السلطة القضائية ويكون لها رئيس، سيمكن للفرقاء الاحتكام اليه لحسم الخلافات، وبذلك يوجد حل لكل ما اختلف عليه.

*ما رأيكم في قانون انتخابات مجلس النواب الذي شرع اخيرا؟

هذا القانون يذكرنا بمقولة (ثراسيما خوس) عن الاشخاص الذين يضعون القوانين من اجل منفعتهم الخاصة، اذ من المستحيل ان يقوم هؤلاء بسن قانون يلزمهم بمغادرة المشهد السياسي، وما قانون انتخابات مجلس النواب العراقي الجديد الا نصوص تشريعية تمكنهم من البقاء في المؤسسة التشريعية هم ومريدوهم. وما الفصل الخامس منه الوارد تحت عنوان (النظام الانتخابي) الا تجسيد لتدوير الوجوه ذاتها.

فمن الممكن تجييش الاتباع المنضوين تحت احكام الطاعة لشخص يتمتع بكارزما عالية وفي اي وقت، لاستثمار الـ 50 في المائة من المقاعد الانتخابية مقربة الى اصغر عدد صحيح، في اعادة ترتيب تسلسل جميع المرشحين في الدائرة الانتخابية، وفقا لعدد الاصوات التي حصل عليها كل منهم، ويعد فائزا من حصل على اعلى الاصوات.

والامر ذاته بالنسبة للـ 50 في المائة الباقية من المقاعد الانتخابية مقربة لاكبر عدد صحيح على القوائم، وفق الآلية التي رسمها الفصل المذكور. اذ يمكنهم الوصول الى اهدافهم عن طريق الزبائنية المرتبطة اصلا بالفساد بكل اشكاله، المبني على الوعود الزائفة بالمكاسب والمعوق لمؤسسات الدولة والمناهض للمباديء الديمقراطية. ويكفي النص هذا سلبية الموقف كونه بعيدا عن تطلعات ساحات الاحتجاج وتضحيات المحتجين.

* العنف الاسري في تصاعد. فكيف يمكن الحد منه ؟ ولماذا يبقى قانون مناهضة العنف الاسري مركونا منذ سنة 2010 ؟

في مقالة سابقة ذكرنا ان غريغور سامسا بطل رواية المسخ لكافكا، ولكي يمسك بزمام مصيره ويعيش حياته كانسان، كان عليه ان يرفض كل القوانين والتشريعات المذلة والمهينة التي تتحكم بحياته وتسلبه انسانيته، والا فعليه القبول بان يكون حشرة وفي موقع الهامش من الحياة.

الامر ذاته بالنسبة للمرأة، فالموروث الثقافي وجزء كبير من التشريعات يشكلان احكاما مذلة ومهينة للمرأة، وهي اما ان تقبل الوضع هذا لتكون في موقع المرأة المعنفة الراضية بالهامش، واما ان ترفض هذه الاحكام وتمسك بزمام انعتاقها وتعيش حياة الحرية.

من اجل ذلك خاضت النساء منذ وقت بعيد معركة شرسة ضد العنف بكافة اشكاله، الجسدي والمعنوي والجنسي والاقتصادي والتشريعي وغير ذلك من الاشكال. الا انه استشرى في الفترة الاخيرة واصبح ظاهرة انعكست نتائجها المدمرة على صعيد الاسرة والمجتمع. واذا كان النص القانوني يعد تأديب الزوجة – المفضي الى الضرب عادة – من الافعال المباحة، وحقا من حقوق الزوج القانونية كما تنص على ذلك المادة 41 \ 1 من قانون العقوبات، فان مشروع قانون مناهضة العنف الاسري يلغى هذا الاباحة ويعتبرها فعلا مخالفا للقانون يوجب الجزاء، وذلك من خلال تعريفه العنف الاسري بانه (كل فعل او امتناع عن فعل او التهديد باي منهما يرتكب داخل الاسرة ويترتب عليه ضرر مادي او معنوي).

ومشروعية هذا القانون تنسجم مع الجانب المهني للتشريع. اذ ان الوقائع والاحداث المتكررة التي تنتقل من حالة الصدفة الى حالة الضرورة، وتشكل حينئذ ظاهرة، توجب تدخل المشرع لايجاد المعالجة التشريعية المطلوبة. وكثيرا ما خرجت تشريعات من رحم قانون العقوبات، عندما عجزت نصوصه عن ملاحقة الكثير من الوقائع والاحداث المستجدة، التي فرضتها حركة المجتمع وتطوره، وشكلت ظواهر من غير غطاء تشريعي يلزم المشرع بمعالجتها. فمن رحمه خرج قانون مكافحة الارهاب، ومنه ايضا خرج قانون مكافحة الاتجار بالبشر، وقانون رعاية الاحداث. وها نحن امام ظاهرة العنف الاسري، الذي تعجز نصوص قانون العقوبات عن جبر ضرر المعنفة، ان لم يكن هذا القانون جزءا من العنف التشريعي الموجه ضد المرأة. لذا فالحاجة مطلوبة وملحة لاصدارالقانون. اما استشراء العنف باشكاله، فقد كان لنا شرف المساهمة في وضع مسودة القانون، لكوني احد اعضاء اللجنة المشكلة في وزارة المرأة سنة 2010، وقد اجرينا العديد من اللقاءات مع البرلمانيين والمسؤولين والمعنيين بهذا الشأن، ومن خلال اللقاءات وورش العمل والندوات والمؤتمرات اوصلنا مشروع القانون الى مجلس النواب. الا ان الرؤية الذكورية الطاغية في شتى قطاعات الدولة، تمكنت من عرقلة المشروع رغم التعديلات التي ادخلت عليه من قبلهم، وافرغت بعض نصوصه من المضامين التي وضعناها.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل