/
/
/
/

الجائحة في اللغة هي الشدة والنازلة العظيمة، والفعل منها اجتياح يفيد معنى الإهلاك الكامل، ويقولون اجتاح العدو مال فلان إذا أَتى عليه. فهي إذن تنبئ بحد فاصل بين وضع سابق وآخر لاحق، وأن الحال بعدها لن يكون كما كان قبلها.
وإذ تُلقي جائحة كورونا المستجدة "كوفيد-19" بظلالها على ملايين البشر وعشرات الدول، فإن أثرها لن يقتصر على تهديد حياة الناس بالفناء أو التأثير السلبي على اقتصاد الدول بل أنه قد يمتد لتغيير موازين القوة وتشكيل العلاقات والروابط السياسية والاقتصادية عبر ظهور نظام عالمي يختلف عن الحالي الذي تقف على رأسه الولايات المتحدة الأميركية.
انحصرت العوامل الأساسية التي ظلت تتحكم في طريقة تشكيل الأنظمة المسيطرة على العالم منذ صلح ويستفاليا في التعاون أو التنافس والحروب بين الدول وما يتولد عنها من نظم تعكس موازين القوة، فضلا عن وجود عوامل أخرى تساعد في الإسراع بوتيرة التغيير.
لا شك أن المتأمل في المشهد الدولي الراهن يلاحظ أن الجائحة العظيمة ستشكل عاملا مساعدا مهما في التغيير القادم للنظام الدولي، وهو الأمر الذي تبدى في العديد من المواقف التي اتخذتها الدول المتنافسة في الساحة الدولية في إطار مكافحة الفيروس القاتل بالإضافة لنقاط الضعف الخطيرة التي كشفها الأخير في بنية النظام الحالي.
كشف الفيروس القاتل أن النظم الرأسمالية الكبرى تعاني من خلل كبير في نظرتها لماهية الأمن القومي، حيث قامت بالتركيز على الجوانب العسكرية والأمنية وصرفت مبالغ مالية طائلة في صنع وتكديس الأسلحة بكافة أنواعها بينما تم تجاهل الأبعاد الإنسانية والغذائية والصحية والاجتماعية كمرتكزات أساسية للأمن القومي.
يتبدى هذا الأمر في التصريح الذي أدلى به المدير السابق للمخزون الأميركي الفيدرالي من الكمامات، غريغ بوريل، الذي أكد ضعف استعدادات الولايات للأوبئة وقال إن "الصحة العامة ليست ممولة بشكل جيد على مستوى الولاية أو المستوى المحلي أو على المستوى الفيدرالي في الولايات المتحدة، إنها مشكلة مزمنة".
قد كان من المذهل رؤية دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وبريطانيا تعاني من نقص حاد في أجهزة التنفس الاصطناعي والمشافي والكمامات، فضلا عن غياب الخطط الواضحة في التعامل مع الفيروس القاتل بينما نجحت الصين "دولة سلطوية" في مواجهته من خلال تبني استراتيجية ناجعة اتسمت بالشمول والفعالية.
ظهر جليا أن الرأسمالية المتوحشة التي وسمت سياسات الدول الليبرالية وشركاتها العابرة للحدود تعاني من مأزق كبير، ففضلا عن أزمتها العميقة التي تجلت في خلق التفاوت الهائل في الدخول بين الأفراد والطبقات الاجتماعية والدول، فقد عجزت عن المساهمة في مواجهة الخطر العالمي الذي فرضته الجائحة عبر التعاون والمساعدة المشتركة.
كانت المفارقة أن الصين وروسيا أظهرتا قدرا أكبر من التعاون مع دول الغرب في التعامل مع الجائحة، وقدمتا مساعدات طبية وإنسانية لأميركا وإيطاليا في الوقت الذي اشتكت فيه الأخيرة من عدم تعاون الدول الأوروبية وأبدت امتعاضا واضحا على لسان رئيس وزرائها، جوزيبي كونتي، الذي صرح بأن "الاتحاد الأوروبي مهدد بالانهيار كمشروع ما لم يقم بمساعدة الدول الأكثر تضررا من الجائحة داخله"، وطالب الاتحاد بالارتقاء لمستوى التحدي الذي قال إنه يعتبر "أكبر اختبار تواجهه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية".
من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة الأميركية استمرت في تبني شعار "أميركا أولا" التي اتخذ منه الرئيس دونالد ترامب موجها رئيسيا لسياسته الخارجية، حيث اكتفت بالانكفاء على نفسها في محاولة مكافحة الجائحة، حتى أن بعض صحفها اعتبرت محاولة الصين وروسيا مد يد العون للآخرين بما فيهم أميركا مجرد سلوك انتهازي.
موقف واشنطن أثار كثيرا من التساؤلات حول مستقبل النظام العالمي الذي تتزعمه أميركا، وهو الأمر الذي علق عليه، دانيال فينكلشتاين، مستشار رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور، في مقال بعنوان "هل نشهد نهاية الحقبة الأميركية؟" بالقول إن الفيروس شكل اختبارا للنظام العالمي القائم "فالأمر المميز في هذه الأزمة هو امتحانها لرد كل دولة بصورة منفردة على الوضع القائم لديها ولكن أين القيادة الدولية لمواجهة ذلك، وأين الريادة الأميركية المفترضة للرد على هذا الفيروس؟".
ومضى فينكلشتاين ليقول "هذا اختبار قاس لزعيم العالم الحر، ولكن الآن لا يوجد زعيم لهذا العالم، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير قادر في الأصل على قيادة رد الفعل الأميركية تجاه الأزمة، ناهيك عن توجيه أو إلهام المؤسسات الدولية، في كل الأحوال فإنه ليس مهتما بفعل ذلك، وإذا كان لديه هذا الاهتمام فمن ذا الذي سيقوم باتباعه وهو يترنح، ويطلق عباراته الغاضبة خلال مؤتمراته الصحافية المشتتة".
على الجانب الآخر، بدت الصين أكثر ثقة بنفسها في الملعب الدولي حيث نجحت في مواجهة الجائحة العظيمة باستراتيجية واضحة سخرت لها إمكانيات مادية وبشرية هائلة كما أظهرت انفتاحا على بقية العالم عن طريق مد يد العون للدول الغربية وغيرها من الدول.
لا شك أن النفوذ الصيني العالمي كان قد بدأ في التنامي منذ ما قبل ظهور الفيروس، حيث أظهرت بكين تمددا كبيرا في مناطق النفوذ الأميركي التقليدية في جنوب شرق آسيا وأوروبا، وذلك عبر تبني سياسات ومبادرات اقتصادية متعددة ليس أقلها مشروع "الحزام والطريق"، وهو أكبر مشروع بنية تحتية في العالم يهدف لتحسين الروابط التجارية العابرة للقارات عبر بناء مرافئ وطرق وسكك حديدية ومناطق صناعية.
إمعان النظر في هذه المؤشرات يقود إلى نتيجة مفادها أن النظام العالمي قبل الجائحة لن يستمر كما كان قبلها طويلا، وأن التداعيات السياسية والاقتصادية للانتشار الكبير للفيروس القاتل على مستوى العالم ربما تمثل بداية لتشكل نظام جديد قد يضمُر فيه نفوذ الولايات المتحدة الأميركية ويتنامى الوجود الصيني بشكل كبير بينما تتراجع الأنظمة الليبرالية لصالح تمدد الدولة السلطوية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحرة 15 نيسان 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل