/
/
/

مايزال مفهوم المجتمع المدني "مثيراً للجدل"، وظلت تطرح، في الفكر السياسي، تحليلات متناقضة حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. ومنذ ظهور الدولة الحديثة قبل حوالي أربعة قرون، حيث تبلور مفهوم العقد الاجتماعي، ظهر، في سياق هذا "التطور السياسي"، مفهوم المجتمع المدني في أوائل القرن السابع عشر.

وعلى الرغم من تطبيقاته المتباينة في مجتمعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا الشرقية، خصوصاً، يبقى المفهوم "غائماً" بمعنى ما. غير أنه يمكن القول إن المجتمع المدني ليس حالة طبيعية ثابتة، وانما يعمل في إطار القانون، ويقع، من ناحية ثانية، بين الدولة والسوق، حيث المصالح في تنافس، وهو ما يعني أن هذا المجتمع يقف في "معارضة" الاثنتين، متأثراً بالقوتين كلتيهما. فعندما تظهر طائفة متنوعة من منظمات المجتمع المدني يمكن لبعضها أن يكون سلاحاً بيد السوق مثل جمعيات رجال الأعمال وجمعيات المقاولين، وللبعض الآخر أن يكون سلاحاً بيد الدولة مثل المنظمات غير الحكومية. ويعتبر باحثون المجتمع المدني "قطاعاً ثالثاً" بين الدولة والسوق. ونظراً لأن العلاقات الترابطية الطوعية تهيمن على المجتمع المدني، يمكن اعتباره ميدان جدل عام حر. ومن هنا فان المجتمع المدني يتخطى كونه جمعيات، لأن الجمعية يمكن أن تكون خاضعة للدولة أو السوق. وتبقى ازدواجية المجتمع المدني قائمة، ذلك أن أعضاء منظمات المجتمع المدني يحملون مصالح شتى غير متوافقة، بل ومتناقضة أحياناً.

لقد نشأ مفهوم المجتمع المدني في سياق صراع بين تيارين في الفكر الغربي. الأول تطور من ميكافيلي وهوبز، عبر لوك وكانت ومونتسكيو وتوكفيل وصولاً الى مفكري الليبرالية المعاصرة. أما الثاني فمرّ من هيغل، عبر ماركس وغرامشي، الى ماركسيين معاصرين، ومنظري اليسار الأوروبي "الجديد".

إن فكرة المجتمع المدني قديمة، في الواقع، كما أشرنا، غير أنها أصبحت مألوفة، من جديد، في العقود الأخيرة، بسبب التطورات في المشهد السياسي على نطاق عالمي، خصوصاً بعد انهيار "الاشتراكية". كما أن القوى الفاعلة خارج الدولة، خصوصاً الحركات والمنظمات الحكومية، أضحت" في السنوات الأخيرة" مؤثرة في صياغة السياسة العامة وفي المشاركة في تنفيذها.

وبشكل عام يعني المجتمع المدني الأنماط المختلفة للقوى الاجتماعية والسياسية التي هي خارج سيطرة الدولة. ويمكن لهذه القوى أن تكون من الميدان الاقتصادي، والميدان الثقافي، وجماعات البيئة. ويمكن القول، في الواقع، إن هناك ثلاثة مصادر رئيسية للمجتمع المدني: الاقتصاد والمجتمع والثقافة. وفي الفكر الغربي كانت الآراء الأكثر تأثيراً في المجتمع المدني هي: آراء جون لوك، وأفكار المنظرين الأسكتلنديين حول المجتمع التجاري، وآراء هيغل حول المجتمع المدني. وتتسم بأهمية خاصة في هذا السياق آراء ماركس النقدية للمجتمع المدني، وتدقيق بعضها وتطويره على يد المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي.

منظور ليبرالي

يتعين القول، ابتداءً، إن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية تتسم بالطابع الشكلي والأحادي، الذي يتوقف عند الجانب السياسي، والتعددية التي تحددها قوانين النظام الرأسمالي. وبالتالي فانها تفتقر، في محتواها، لأية  أسس فعالة لتطوير البعد الاجتماعي على النحو الذي يحقق العدالة الاجتماعية. ويعود الأمر الى طبيعة النظام الرأسمالي، خصوصاً التابع والمشوه كما في بلدان العالم الثالث. ومن الطبيعي أن التفاوت الاجتماعي، أي الطبقي، بين قلة استغلالية حاكمة وأغلبية مستغَلة، هو الذي يعوق انتقال الديمقراطية من المحتوى السياسي الى المحتوى الاجتماعي. 

وفي سياق بحثنا لموضوع المجتمع المدني من الضروري أن نتعرف، بايجاز، على المنظور الليبرالي للمجتمع المدني من خلال آراء ثلاثة مفكرين ليبراليين: توكفيل، وهنّا آرندت، وهابرماس. فالمفكر الفرنسي أليكسيس دي توكفيل جادل بأن الدولة يجب أن لا ينظر اليها، بالضرورة، كحاكم للمجتمع المدني. والحقيقة، كما يشير، فانه بدون مشاركة الناس في جمعيات مدنية ومؤسسات للمساواة ومنظمات سياسية، فانه من المستحيل الحفاظ على السمة الديمقراطية للمؤسسات السياسية والاجتماعية للمجتمع المدي التعددي المستقل عن الدولة، وهذا شرط أساسي للديمقراطية. إن جمعيات المجتمع المدني في المشروع الليبرالي يمكن أن تكون أي شيء من جمعيات الرعاية الاجتماعية الى الجمعيات الثقافية والمنظمات الاجتماعية والنقابات ... وتستخدم الدولة، بدورها، السلطة القسرية، ولكن المجتمع المدني يعمل، على النقيض من ذلك، بدون قسر، بينما يمنح حرية للفرد لصياغة مصيره الخاص. ومادام هناك في التقليد الليبرالي التزام لتحقيق أقصى قدر من الحرية، فان هذا هو، أيضاً، السبب الذي يجعل الليبراليين الكلاسيكيين يفضلون المجتمع المدني على الدولة ويحاولون تقليص سطوة السلطة العامة.

وجادلت المفكرة الألمانية الليبرالية هنّا آرندت بأن جمعيات المجتمع المدني المشكلة، والتي تعمل بحرية، تؤدي دور ثقل هام مضاد لأية احتمالات للاستبداد لأنها تقع في المجال بين الدولة والفرد. وعندما يبدأ الأفراد يركزون على الذات وينسحبون الى قوقعتهم الخاصة بهم، فانهم يصبحون، في الواقع، متضرعين بسهولة لأي استبداد.

وجادل مفكر مؤثر آخر هو الليبرالي الألماني يورغن هابرماس بأن المجتمع المدني حاسم للتطبيق الناجح للسياسة العامة. ان الناس كأفراد هم، وحدهم، في معظم الأحيان بدون صوت. ولكنهم عندما يتوحدون فانهم يمكن أن يساعدوا في صياغة السياسة، ويلعبوا دوراً حاسماً في التطبيق الناجح للسياسة العامة بمشاركتهم الفاعلة. ولهذا فان الدولة يمكن ويجب أن تمتلك شراكة لتطبيق تلك السياسة.

المواطنة .. الهوية

ما الذي يعنيه، على وجه التحديد، أن نقول إننا ننتمي الى بلد ما ؟ هذا يعني، عادة، أننا "مواطنو" تلك الدولة، ونحن ننتسب للمجتمعات المدنية التي تشكل شعب ذلك البلد، مثلما تعني أننا نماثل أنفسنا بذلك البلد أو الشعب. ولكن ما هي الأسس التي تتيح لنا أن نسمي أنفسنا مواطنين ؟ هذا السؤال يتطلب بحثاً في طبيعة المواطنة والعلاقات بين الناس الذين يشكلون الدولة. والحق أن السمة الأساسية للمواطنة في دولة ما تحددها طبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية التي يتمتع بها الفرد مع الدولة والمجتمع. وان وعيه بحقوقه وواجباته ومسؤولياته الاجتماعية والسياسية هو الذي يشكل، جوهرياً، احساسه بالمواطنة.

وقد تطور مفهوم المواطن في الفكر السياسي والفلسفي منذ عهد الاغريق حتى عصرنا الراهن، حيث نجد النظرية الاغريقية في المواطنة، وفكرة الرومان لها، والمواطنة في عصر النهضة، والنظرية الليبرالية في المواطنة، والمفهوم الماركسي للمواطنة، ونظرية مارشال فيها. ويهمنا، في هذا السياق أن نتعرف، بايجاز، على المفهوم الماركسي للمواطنة.

فقد أشارت الماركسية الى أنه مهما كانت الجهود دؤوبة في النظام الليبرالي لتوسيع المشاركة عبر رفع المستوى الاجتماعي الاقتصادي لكل المواطنين، فان المواطنة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق، في خاتمة المطاف، اذا ما وجد التقسيم الطبقي في المجتمع. والمواطنة في الديمقراطية الليبرالية هي، في الواقع، أداة تستخدمها الطبقات العليا للحفاظ على مواقعها وامتيازاتها. ووصف ماركس المواطنة الديمقراطية الليبرالية باعتبارها "مواطنة برجوازية". وجادل بأنه بينما يلغي وجود الدولة الديمقراطية، بالتعريف، الفوارق في الميلاد والمنزلة والتعليم والمهنة اعتماداً على فكرة أن الجميع متساوون أمام القانون ويتمتعون بحق الاقتراع في الانتخابات وفقاً للحق الدستوري للبالغين، فان الحقيقة هي أن الدولة الليبرالية ترتبط بالفقر واللامساواة في التعليم والدخول، وبالتالي فان الشروط غير العادلة المتأصلة فيها تظهر أنها لا تدعم المواطنة الحقيقية، لأن المواطنة الحقيقية لا معنى لها بدون تلبية الحاجات الأساسية وتحقيق المساواة في الفرص.

لقد دافع ماركس عن الثورة الاجتماعية للتغلب على المظالم المتأصلة في الدولة الديمقراطية الليبرالية من أجل ازالة الفوارق الطبقية، مشيراً الى أنه بالغاء الفوارق الطبقية لن تكون هناك أية حاجة لحالة المواطن، ذلك أن الفرد لن يتعين عليه أن يجابه المؤسسات السياسية أو القانونية التي يتفاوض معها طيلة الوقت ويعيش في ظلها.

والآن ماذا عن الهوية ؟

في العقود القليلة المنصرمة، وبينما شهدنا تعزز الديمقراطية كمفهوم، نرى أن هناك، أيضاً، تصاعداً في الصراعات في إطار الانتماء الاثني والطائفي. وكنتيجة فان المفكرين السياسيين ركزوا، على نحو متزايد، على الهوية، وظهرت نظريات عدة بشأنها كمفهوم سياسي.

والافتراض الأكثر أهمية لدى منظري الهوية هو أن جماعات الهوية المضطهدة يجب أن يكون لديهم صوت خاص في الدولة الديمقراطية لطرح قضاياهم والتعبير عن معاناتهم. وجماعات الهوية، في الغالب، هم أولئك الذين يرون أن مطالبهم المميزة تتعرض للتجاهل في ظل حكم الأغلبية المستند الى الديمقراطية، أو أنهم يعانون من أخطاء تاريخية، ذلك أنهم في ظل دولة ديمقراطية يخفقون في الحصول على تعويض عما يريدون.

وبالتالي تصبح الهوية مفهوماً مهماً جداً بالطرق الحديثة لفهم القضايا السياسية. ويرى بعض الباحثين أن الأداة الليبرالية للمصلحة الذاتية والأداة الماركسية للطبقة أثبتتا أنهما غير فعالتين في تحليل الكثير من الظواهر السياسية التي لا يمكن تحليلها في إطار قضايا الهوية.

نحن بحاجة الى أن نفكر في معنى الهوية أولاً. فعندما نخبر الآخرين، عموماً، عن هويتنا ونحن نتحدث عن الغرباء الذين نلتقيهم لأول مرة مثلاً، فاننا نتجه، بعد ذكر أسمائنا، الى الحديث عن عملنا، وعن الجماعة الاثنية أو الطائفية التي ننتمي اليها، وكذلك عن التزاماتنا وعلاقاتنا مع الأفراد والجماعات عبر روابط اجتماعية مختلفة كالزواج مثلا.

ويشخص باحثون ثلاثة عناصر للهوية: الكفاءة، والجماعة، والالتزام. ويجري التعبير عن الكفاءة عبر البرهنة على قابليات المرء المتوافقة مع الاعتراف الاجتماعي. وعندما نتحدث عن علاقات الجماعة فاننا نحاول، في الواقع، أن نضع أنفسنا في المشهد الاجتماعي الذي ننطلق منه. إنه يشتمل على نواح مثل المنطقة التي نحن منها، وانتماءاتنا وخلفياتنا الطائفية.

وعندما يكون الأفراد والجماعات والجمعيات والطبقات قادرين على تمييز أنفسهم عن الآخرين، وعلى تجسيد سماتهم المميزة بكلمات أو إشارات أو ممارسات لاعادة تأكيد أنفسهم، والآخرين ارتباطاً بالهوية، فانهم يكونون في وضع يوفر لهم أن يمنحوا سياقاً أو معنى سياسياً لاحساسهم بالهوية. لقد كان البحث عن الهوية في القرن العشرين شاغلاً رئيسياً للقوميات والأقليات والجماعات الاثنية المختلفة في أنحاء العالم. واشتملت الجماعات المنشغلة بقضايا الهوية على أولئك المنظمين حول العرق والاثنية والقومية والدين والطائفة والجندر والبيئة، وما الى ذلك.

ويشار الى أن الحركات المرتبطة بالهوية تتسم، بشكل عام، بالخصائص التالية:

  1. تتسم مطالب جماعات الهوية، في الغالب، بتداخلها، ذلك أنها بينما تكون متنوعة وغير متجانسة، فانها، في الغالب الأعم، ليست ثقافات أو أقليات أو بلدان متفرقة. فجماعات حقوق النساء، مثلا، تطرح مطالب هي في الغالب، مطروحة من جماعات أخرى، على أنَّ تنوع قضايا الهوية لا يعني تحييد بعضها البعض.
  2. ان طبيعة الهوية ليست ثابتة على الدوام، والطريقة التي يجري بها التعبير عن الهوية وأشكال الاعتراف والتسويات تمر بتغيرات بمرور الزمن من جانب حاملي تلك الهوية.
  3. ان الهوية ليست مفهوماً نظرياً وانما تجربة عملية للوعي الذاتي والتشكل الذاتي عبر العلاقة مع الآخرين. فعندما ينسق مواطنون من هويات مختلفة في مجتمع معين نشاطاتهم، ويتعاونون مع بعضهم، فانهم يقومون بذلك في ظل نوع من الاعتراف المتبادل. وتبدأ الصراعات والتصادمات حول مشكلات الهوية عندما يجري التساؤل بشأن نظام الاعتراف المتبادل، ويصبح مركز الصراع والمفاوضات حول العدالة والحرية.

بين ماركس ولينين وغرامشي

ربط غرامشي بين التحليل الهيغلي والماركسي ليطور آراء ماركس. وأكد أن المجتمع المدني ليس حالة طبيعية وليس نتيجة للمجتمع الصناعي، وانما وظيفة "هيمنة" يمكن أن تكون سياسية وثقافية في آن معاً. ودرس غرامشي لماذا عاشت الرأسمالية حتى عندما توفرت ظروف لتحولها نحو الاشتراكية. وقسّم البناء الفوقي للمجتمع الى قسمين: المجتمع المدني والمجتمع السياسي. وجادل بأن الجماعات المهيمنة في المجتمع تمارس الهيمنة عبر هذين العنصرين في البنية الفوقية بوسائل قسرية وكذلك آيديولوجية. وأوضح غرامشي أن المجتمع المدني يجسد العلاقات المادية وكذلك الايديولوجية والثقافية في المجتمع. ولهذا فان المجتمع المدني يمتلك في ثناياه ليس فقط النواحي التجارية والصناعية للحياة، وانما الحياة الروحية والفكرية للمجتمع. إنه يشتمل على مؤسسات مثل المؤسسة الدينية، والأحزاب السياسية، والنقابات، والجامعات، ووسائل الاعلام، وحتى المنظمات الطوعية والمنظمات غير الحكومية التي تنغمر كلها في تعزيز ودعم آيديولوجية الطبقة السائدة بطرق بارعة أحياناً، وهي الطبقة التي تحتاج الى ضمان موقع الامتياز على الطبقات التابعة التي تخنع وتقبل، عبر ذلك، بتبعيتها.

ويعتقد غرامشي أن الدولة بحاجة الى أن تستخدم قوة العسف فقط عندما يخفق الاستثمار الآيديولوجي. وقارن دور المجتمع المدني في نظام راسمالي بذلك الدور الذي يلعبه خط الدفاع الثاني في المعركة. إن الأداء البارع والثابت، ولكن الفعال، للمجتمع المدني يستخدم من جانب النظام الرأسمالي كخط دفاع ثانٍ ضد الثورة أو التمرد الذي تقوم به الطبقة العاملة المستغَلة. ولكنه اتفق أيضاً على أن المجتمع الطبقي يوفر للطبقة العاملة فرصة استخدامه لتحقيق "الهيمنة" واعداد الأرضية لصراع ثوري نهائي. واشار الى أنه ليس كل البلدان يمكن أن تحدث فيها ثورة كما حدث في روسيا حيث الطبقات التابعة محكومة عبر غسيل الأدمغة الآيديولوجي واستغلال عقول الناس.

ومن ناحية أخرى فانه بينما يربط ماركس المجتمع المدني بالبنية التحتية ونمط الانتاج، ينتمي المجتمع المدني عند غرامشي الى البنية الفوقية. وقد توهم بعض الباحثين، وهم يتأملون تناول غرامشي لموضوع المجتمع المدني على مستوى مختلف من التجريد عن تناول ماركس، أن غرامشي نظر الى المجتمع المدني نظرة "ايجابية" في مواجهة نظرية ماركس "السلبية".

ويعد باحثون إرث غرامشي من القضايا المثيرة للجدل في التراث الماركسي. فقد زعمت مدارس فكرية عدة، بعضها ماركسي والآخر بعيد عن الماركسية، انتماءها الى أفكار غرامشي. ويندر أن نجد بحثاً معاصراً في سوسيولوجيا الفكر السياسي لم يتعرض لآراء غرامشي. وفي العقود الخمسة الأخيرة ربما يدور الجدل الرئيسي حول ما اذا كانت مواقف وتحليلات غرامشي استمراراً لتراث لينين أم خروجاً عليه.

ومن المعلوم أن همّ غرامشي الأساسي في (كراسات السجن) هو صياغة تصور لمشروع الثورة الاشتراكية في أوروبا المتطورة رأسمالياً، بعيد عن نموذج الثورة البلشفية في روسيا، الذي طرح باعتباره وصفة جاهزة للثورة في كل مكان. والحق أنه ما من أحد كان على دراية بضرورة وجود ستراتيجية ثورية مختلفة خاصة بالغرب الرأسمالي مثلما كان لينين.

وفي سبعينات القرن الماضي ظهرت موجة نظرية جديدة اعتمدت، الى حد كبير، على قراءة غير دقيقة لأفكار ماركس من داخل الأحزاب الشيوعية في أوروبا، عرفت باسم (الشيوعية الأوروبية) التي تمحورت حول فكرة أن مفهوم "حرب المواقع" لغرامشي هو اقرار بسلوك الطريق الاصلاحي للاشتراكية، مما أدى بتلك الأحزاب الشيوعية الى رؤية الانتخابات باعتبارها أولوية سياسية، وهو ما دعا الى التخلي عن شيء غير قليل من تراث لينين، ناهيكم عن تراث ماركس.

كانت لينينية غرامشي أكثر ثراء وفاعلية من معاصريه ومن تلاه، ممن فرقوا، على نحو تعسفي فج، بين غرامشي وماركس. ومن هنا يتعين علينا، اليوم، ونحن ندرس غرامشي وإرثه العميق، المكمل لارث ماركس ولينين، أن نخلصه مما لحق به على المستويين السياسي والمعرفي. وفي القرن الحادي والعشرين، حيث أصبح لينين "عتيقاً" لدى بعض "الثوريين اليساريين" علينا أن لا نعود الى لينين حسب، وانما الى غرامشي أيضاً، حيث نحن بحاجة اليه أكثر من أي وقت مضى، بعيداً عن الجمود والأفكار الجاهزة المعلبة، البعيدة عن تطور الحياة والتاريخ.

ماركس والمجتمع المدني

ما هي آراء ماركس حول المجتمع المدني؟

يتعين القول، ابتداءً، إن المجتمع المدني والدولة السياسية، وفقا لهيغل، "مترابطان عضوياً". وهو يزعم أن المجتمع المدني يقوم على قواعد وضوابط الدولة السياسية. والغرض من هذا هو التوثق من أن الفاعلين الفرديين يتصرفون بالتوافق مع مصالح المجتمع ككل. ويرى هيغل التغير الاجتماعي نتيجة للتنافر بين الدولة السياسية والمجتمع المدني والقيم الخلاقية للمجتمع. ويتطلب هذا التنافر انتقالاً لهذه الميادين الثلاثة من أجل الحصول على الاستقرار الاجتماعي. وبما أن الدولة السياسية هي الميدان المناسب للتأثير المباشر على الانسان، فان الدولة هي الميدان الذي يتكيف ليناسب المجتمع والقيم المتغيرة. ويمكن رؤية أن أفكار هيغل أثرت على أفكار ماركس، وأن الاثنين يريان أن الدولة السياسية والمجتمع المدني منفصلان.

لقد توصل ماركس الى فهم التناقض بين الدولة الليبرالية والمجتمع المدني بما سماه سفسطة، لأنه قوض امكانية القوة الديمقراطية للعمال. وكانت هذه سفسطة ليس لأنه عارض الديمقراطية السياسية، وانما لأن تطور الرأسمالية أضعف امكانية القوة الديمقراطية. ولا يمكن للمواطنة الا أن تكون في القضايا السياسية ستاراً يخفي وراءه طبيعة المجتمع المدني. ودفع هذا التناقض ماركس الى أمام حيث انتقل من الليبرالية الى الاشتراكية الديمقراطية ارتباطاً بفهمه المتطور لبنية وآليات الرأسمالية منذ عام 1843 حتى نهاية حياته. ويتعين القول إن هناك قضيتين مترابطتين على نحو وثيق في فكر ماركس في ما يتعلق بالليبرالية والديمقراطية. فقد شارك ماركس في النقد الديمقراطي لليبرالية، ومن ناحية ثانية، وكرد فعل لنقده الديمقراطي لليبرالية طور ماركس فهماً أكثر سوسيولوجية للديمقراطية. ومن هنا أعتقد بأن الديمقراطية السياسية كانت شرطاً ضرورياً للحرية رغم أنه ليس شرطاً كافياً.

وفي نقده لنظرية هيغل حول العلاقة بين المجتمع المدني والدولة أدرك ماركس ضرورة الاعتماد على حجج أكثر ملموسية. ولذلك التفت الى دراسة عدد كبير من الأعمال التاريخية، التي دوّن مقتطفات منها وأرفقها بملاحظاته الخاصة في الدفاتر المعروفة بـ"دفاتر كرينتساخ".

وهنا بات ماركس يستخدم، لأول مرة، المادية منهجاً في دراسة العمليات التاريخية، في الكشف عن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني وتتبع تاريخ اغترابهما. وزود الرجوع الى التاريخ ماركس بحجج ملموسة، وساعده على التعمق في فهم عملية اغتراب الدولة عن المجتمع المدني، والآلية المرتبطة بذلك.

وتبيّنت لماركس، بوضوح أكبر، آلية اغتراب الدولة عن المجتمع المدني. فهذه العملية بدأت، كما يقول ماركس، في ظل الحكم الملكي المطلق، وتمت بواسطة "تحول الطوائف السياسية الى طوائف اجتماعية"، ثم جاءت الثورة الفرنسية لتختتم العملية، فـ"الثورة الفرنسية هي التي أنجزت عملية تحول الطوائف السياسية الى طوائف اجتماعية، أو جعلت الفوارق الطائفية للمجتمع المدني فوارق اجتماعية، فوارق في الحياة الخاصة، دون أي معنى سياسي، وبذلك اكتملت عملية انفصال الحياة السياسية عن المجتمع المدني".

إن مقولة "العمل المغترب" لا تهم ماركس، هنا، الا في ضوء ارتباطها بمشكلة العلاقات بين المجتمع المدني والدولة. وهي لم تستخدم، عندئذ، في تحليل المجتمع المدني نفسه، لأن ماركس لا يتطرق، هنا، الى ذلك. بيد أن ماركس يعبر، في خاتمة "المساهمة" عن عزمه على أن يتبع نقد الفهم الهيغلي للدولة بنقد لفهمه للمجتمع المدني، وأسفر ذلك عن ظهور (مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية)، حيث تحتل مشكلة الاغتراب مكانة أساسية.

وتعكس مخطوطة (مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل) مرحلة مهمة في مسيرة ماركس نحو المادية، حيث نلمس فيها انتقالاً واعياً نحو المادية، من خلال الكفاح ضد المثالية الهيغلية. وكانت من أهم انجازات ماركس في "المساهمة" موضوعته القائلة إنه ليست الدولة هي التي تحدد المجتمع المدني (كما يظن هيغل)، وانما، على العكس، المجتمع المدني هو الذي يحدد الدولة.

ويشير التأكيد الأكثر وضوحاً للنظرية الماركسية في الدولة الى أن "ادارة الدولة الحديثة ليست سوى هيئة لادارة الشؤون العامة للبرجوازية بأسرها". ولم يفصّل ماركس حول موضوع الدولة (مهمة وضع نظرية كاملة حول الدولة كانت احدى غايات (رأس المال) غير المكتمل). ومن أجل أن نجد نظرية ماركسية حول الدولة يتعين على الباحثين المعاصرين، بالتالي، أن يجمعوا الأشياء المتفرقة في أعمال ماركس.

لقد بدأ ماركس بفكرة هيغل حول المجتمع المدني لارساء أسس تحليله للتاريخ والمجتمع والدولة. واختلف، جوهرياً، في آرائه بشأن الدولة عن هيغل في أنه جادل بأن الدولة وظيفة، وخاضعة لقوى المجتمع المدني المتصارعة، وليست كياناً سياسياً شاملاً للجميع يتأسس نتيجة الجمع بين المتناقضات. ولم يكن المجتمع المدني بالنسبة له سوى نظام الترتيبات الاقتصادية للانتاج والتبادل في نظام السوق في المجتمع الرأسمالي، مع تقسيم العمل، ووجود الانقسام في المجتمع الى طبقات. ورأى أن تاريخ الانسان ليس سوى تاريخ المجتمع المدني، والمجتمع المدني ليس سوى بنية العلاقات الاقتصادية، وأن الدولة ليست ذات أهمية بالمعنى النسبي. واتفق ماركس مع الرأي بأن المجتمع المدني نشأ من انفصال الدولة عن الانتاج الاقتصادي الخاص في عصر ما بعد الاقطاع. والحق أن ماركس ذهب أبعد من ذلك ليقول إن المجتمع المدني تطور فقط مع البرجوازية. وأكد بأنه في أساس السوق الراسمالي الحر يكون المجتمع المدني أساساً غير اجتماعي مجرداً من الانسانية لأنه لا يشكل سوى المنافسة والصراع بين الطبقات الاقتصادية. وهكذا فان المجتمع المدني في البنية الرأسمالية كان مجرد موضع لاستغلال الانسان من قبل الانسان، أي العمال وسائر الشغيلة الفقراء من قبل البرجوازيين ورجال الأعمال الأغنياء. وأوضح أن حل الصراع يتحقق فقط عندما يبدأ الصراع الطبقي وتقوم البروليتاريا بثورة تطيح بالدولة التي تهيمن عليها البرجوازية من أجل اقامة مجتمع لاطبقي، وكيان بلا دولة لمنتجين تعاونيين أحرار.

وهكذا صور ماركس المجتمع المدني في مجتمع رأسمالي كجزء من الحياة التجارية والصناعية التي تجعل الكائنات البشرية نفعية وأنانية، ويخلق ميلاً لدى البشر ليتواصلوا مع بعضهم على أساس علاقات المال فقط.

وأخيراً يتعين القول إن السياسة قضية أساسية بالنسبة لفكر ماركس. فقد بدأ سيرة حياته كمدافع عن الديمقراطية والتحرير السياسي، وكان الدافع إدراك معاناة المضطهَدين. ولعل اختراقه الراديكالي يتمثل في استنتاجه بأن القضايا السياسية يجب أن تتحرر من منطق الدولة السياسية. وهذا يميز ماركس عن أسلافه الذين نظروا الى المشكلات السياسية باعتبارها السمة الأساسية المرتبطة بأشكال الدولة الحديثة في إطار الدولة القومية.

وبادراكه الامكانية الثورية للنشاط الذاتي للطبقة العاملة اكتشف ماركس موضوعاً تاريخياً جديراً، عبر سعي هذه الطبقة الى تحرير المجتمع بأسره عبر تحريرها لنفسها. وكان صراع البروليتاريا، بالنسبة لماركس، مشروعاً شاملاً ملموساً. وبالعلاقة مع تطور القضايا السياسية التحريرية يظهر مفهوم جديد للديمقراطية الراديكالية.

لقد أكد باحثون كثيرون على "الجوهر الديمقراطي" للماركسية، وأوضحوا الكثير مما يجسد هذه الحقيقة. فقد كان ماركس ديمقراطياً قبل أن يكون ماركسيا، بل حتى قبل أن يكون ثورياً. وحفز التزامه المخلص والراسخ بالديمقراطية مختلف التطورات اللاحقة.

إن الجدل الحاد ضد الأشكال التي تعكس السلطة السياسية، مثل البيروقراطية، جلي عبر أعمال ماركس من: (نقد فلسفة الحق عند هيغل)، و(مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية)، مروراً بـ(نقد برنامج غوته)، وصولاً الى (رأس المال).

ويدرس تحليل ماركس للدولة باعتبارها جهاز هيمنة البرجوازية منظوراً يدرك المحتوى الطبقي للأشكال المؤسساتية. وهذا يجعل ماركس متوافقاً مع غرامشي، الذي كان، على نحو مماثل، مهتماً بـ "لحظة الهمينة" للبرجوازية الايطالية الناهضة. وفيما طرحت مسألة تحطيم الدولة الرأسمالية بقوة في مؤلف لينين (الدولة والثورة)، تلقي حجة ماركس من أن البيروقراطية والمؤسسات السياسية قامت على أساس الحقل المغترب للحياة الاجتماعية والسياسية بظلالها على مؤلف جورج لوكاتش (التاريخ والوعي الطبقي).

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل