العربي الجديد

قبيل نحو شهر من انتهاء ولاية أعضاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، والتي تواجه منذ نحو عامين اتهامات عديدة تتعلق بالتقصير في رصد الانتهاكات، والسكوت عن ملفات حقوقية وإنسانية مختلفة، خصوصاً عقب تفجر الاحتجاجات الشعبية في البلاد، بدأت قوى سياسية عدة تتحرك بهدف إخضاع أعضاء المجلس المرتقب في المفوضية للمحاصصة، على غرار باقي المؤسسات الحكومية التي درجت العادة في العراق بأن تكون وفقاً لتحاصص طائفي وحزبي.

ومن المقرر أن تنتهي فترة ولاية أعضاء مجلس المفوضين الحالي، البالغ عددهم 11، في العشرين من يوليو/تموز المقبل، وهو موعد انتهاء فترة الأربع سنوات المحددة للمجلس الواحد.  وينص القانون على استقلالية المفوضية كسلطة رقابية.

وقال نائبان في مجلس النواب العراقي إن رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ونائبه الأول حسن الكعبي، يتصدران حراك اختيار أعضاء جدد لمفوضية حقوق الإنسان، وهناك ترشيحات من كتل "الفتح" و"دولة القانون"، و"القوى العراقية"، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الحزب الإسلامي"، وكتل أخرى، لشغل عضوية المجلس الجديد للمفوضية، الذي سيتم اختياره من خلال لجنة برلمانية تسميها رئاسة البرلمان.

وأوضح أحد النائبين، متحدثاً عبر الهاتف من مدينة النجف جنوبي البلاد لـ"العربي الجديد"، إن هناك مساعي لتكرار إخضاع المفوضية للتحاصص الحزبي والطائفي، بشكل سيفرغها من محتواها الإنساني، الذي أوجدت له أساساً، وهو التعامل بتجرد مع كافة القضايا. وبين أن "القانون يوجب على البرلمان أن يرشح أعضاء المفوضية الجدد وفقاً لمعايير تتعلق بالاختصاص وتاريخ وسيرة المرشح ونزاهته واستقلاليته، لكن الترشيحات المقبلة ستكون حزبية، وآتية من الكتل ووفقاً للمحاصصة". واعتبر أن "سبب إفراغ المفوضية الحالية من محتواها، وجعلها مقتصرة على إصدار البيانات والتنديد، أو الإعراب عن القلق، وكأنها منظمة أو ناشط حقوقي، هو أنها حزبية، والأعضاء مختلفون في اهتماماتهم بالقضايا، كما حدث في جرائم عديدة ضد المتظاهرين، أو في العمليات التركية شمالي العراق، وفي ملف المقابر الجماعية الأخيرة، وانتهاكات نفذتها فصائل في الحشد الشعبي، أو في أزمات تشريع القوانين الخاصة بحرية التعبير والعنف الأسري".

وكان الكعبي أشار، في بيان عقب اجتماعه مع رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان أرشد الصالحي، الأربعاء الماضي، إلى قرب بدء تشكيل اللجنة المكلفة باختيار أعضاء مفوضية حقوق الإنسان الجدد الأسبوع المقبل، وحسم الملف قبل انتهاء ولاية الأعضاء الحاليين. وتعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، إحدى الهيئات المستقلة التي تأسست في العام 2008، وترتبط عملياً بالبرلمان، مثل الهيئات المستقلة الأخرى، مثل الإعلام ومفوضية الانتخابات، ومهمتها رصد الانتهاكات الحقوقية في العراق، وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، ورفع الدعاوى القضائية ضد المتورطين بجرائم العنف المختلفة، ومراقبة عمل السجون ومراكز الإصلاح، وأداء عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية في الجانب الحقوقي.

وتعليقاً على ذلك، قال عضو المفوضية علي البياتي، لـ"العربي الجديد"، إنه "في حال عدم تشكيل مجلس جديد سيكون هناك فراغ قانوني، وسيجمد عمل المفوضية بسبب ذلك. لذلك أمام مجلس النواب فترة قصيرة لتشكيل مجلس المفوضية الجديد، وإلا ستتكرر المشكلة عند تشكيل المفوضية الحالية، حين استغرقت العملية نحو عام كامل". ودافع عن عمل المفوضية خلال السنوات السابقة في العراق، معتبراً أنها "عملت في ظروف صعبة جداً، مليئة بالانتهاكات في كافة المجالات، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع إمكانية محدودة جداً. وقد استطاعت أن تحافظ على القدر الممكن من الاستقلالية، حيث لا يمكن أن تكون هناك استقلالية مثالية في بلد مثل العراق". وأشار إلى أن "المعنى الحقيقي في استقلالية المفوضية هو في عملها وليس المسميات. فإن كانت موجودة وتدافع عن المواطن ضد السلطة الحاكمة، سواء بالإعلام أو المحاكم أو التدخل بأي شكل فهي مستقلة، وإن كان المطلوب أكثر، فلا بد من تغيير قانون المفوضية ومنحها صلاحيات أكبر".

وقالت إخلاص أمير، وهي من الناشطات في القضايا الحقوقية في بغداد وجنوب العراق، إن "مفوضية حقوق الإنسان واصلت عملها كمنظمة، وليس بكونها من كبريات الجهات الممولة من الدولة لمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان. وتتعمد إظهار نفسها على أنها مستهدفة من القوى المسلحة وجماعات القتل في البلاد، رغم أن معظم أعضاء المفوضية هم من أحزاب السلطة الحالية". وأضافت، لـ"العربي الجديد"، أن "ملف رعاية وحماية حقوق الإنسان في العراق، لم تنجح به مفوضية حقوق الإنسان، وحتى المنظمات الدولية والمحلية العاملة بهذا الملف لم تتمكن هي الأخرى من تحقيق أي مكاسب اجتماعية، بسبب تمكن المحاصصة والسلاح من مفاصل الدولة العراقية".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل