/
/
/
/

كشفت أحداث اليومين الماضيين اللذين شهدا مشاورات ولقاءات قوى سياسية مختلفة، في العراق، الانتهاء من ملف المناصب الخاصة، التي يُقصد بها وكلاء الوزراء والمديرون العامون والمستشارون ورؤساء الهيئات والسفراء ومكاتب المفتشين العموميين، وذلك عن طريق المحاصصة التي كانت غالبية القوى السياسية بالبلاد قد أكدت معارضتها لعودتها في توزيع المناصب بالحكومة، وجعلتها شعاراً لها في حملاتها الانتخابية.

وعاد نظام المحاصصة في العراق، والمعمول به منذ الغزو الأميركي عام 2003، بقوة مرة أخرى، بعد تسريب وثائق من قبل سياسيين عراقيين لوسائل إعلام محلية عراقية، تشير إلى التوصل لاتفاق بين القوى السياسية لحسم الخلاف، من خلال توزيع المناصب بينهم بحسب الحضور البرلماني لكل كتلة سياسية.

وذُهل العراقيون، بقوائم ووثائق تداولتها وكالات إعلام محلية، أظهرت صفقة جديدة لتقاسم المناصب، شاركت فيها غالبية الأحزاب الموجودة حالياً بالسلطة، والتي وصفها مراقبون بأنها "صفعة" للشعب المقهور من أزمة تدني الخدمات وتراجع الرفاه المعيشي مع تحديات أمنية متمثلة في توسع نفوذ المليشيات المسلحة، مع خطر تنظيم "داعش" القائم، على حدود المناطق المحررة.

وتشير الوثائق، إلى توزيع "ستة مناصب عليا لاتحاد القوى الذي يتزعمه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وأربعة أخرى للحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما ذهبت خمسة مناصب لتيار الحكمة الذي أعلن معارضته أخيراً لحكومة عبد المهدي، فيما تمكنت عصائب أهل الحق، وهو فصيل مدعوم من إيران، من الحصول على ثلاثة مناصب؛ أما تحالف سائرون، الذي من المفترض أنه ضد المحاصصة، فقد حصل على سبعة". وتضمنت الوثائق أسماء أعضاء الأحزاب الذين سيشغلون هذه المناصب.

 وبالرغم من إصدار الأمانة العامة لمجلس الوزراء نفياً بشأن صدور قوائم الأسماء للمناصب العليا، إلا أن مصادر حكومية أكدت لـ"العربي الجديد"، أن "الوثائق المسربة تضمنت أسماء صحيحة لمناصب تمّ توزيعها بين الكتل السياسية، ولكنها تضمنت أخطاءً أيضاً، وتحديداً بما يتعلق بنصيب تحالف سائرون، إذ إنه لم يحصل على أي نصيب منها، بسبب اعتراضات زعيمه مقتدى الصدر على طريقة التوزيع".

ولفت المصدر، في هذا الصدد، إلى أن تحالف سائرون واللجنة المفاوضة التابعة له، "كانا قد توصلا إلى اتفاق شبه نهائي على حصة التحالف، بطريقة تضمنت حيلاً كثيرة، لكنه اشترط أيضاً أن يغلق ملف الوزارات الشاغرة أولاً"، مبينة أن "تحالف سائرون بنوابه يتفق مع باقي الكيانات على نيل ما تبقى من المناصب، إلا أنه يصطدم مع تطلعات الصدر القاضية بالابتعاد. وما لا يعرفه العراقيون، أن أعضاء سائرون متفقون مع العمل السياسي على طريقة المحاصصة، ولكن حائط الصد الذي يمثل عقبة في طريق فريق حسن العاقولي (رئيس التحالف)، هو الصدر نفسه".

إلى ذلك، قال عضو تحالف "سائرون" والنائب في مجلس النواب العراقي بدر الزيادي، لـ"العربي الجديد"، إن "التحالف تخلى عن ترشيح الوزراء للوزارات الشاغرة التي أسندت إليه، وتخلى عن جميع المناصب والدرجات الخاصة، ولم يرشح أحداً لها، وقد خولنا رئيس الوزراء بالاختيار ضمن الضوابط المهنية والكفاءة والنزاهة والاختصاص"، مشيراً إلى أنه "حتى إذا رشحنا أحداً للمناصب، فحتماً لن يكون من التيار الصدري وسائرون، إنما من الأكفاء والتكنوقراط، ويبقى الاختيار من عدمه، من الوزير ورئيس الوزراء".

وتابع أن "ما أشيع عن مضمون الوثائق ما هو إلا شائعات، لأن توجيهات الصدر لسائرون، تتمثل في التفكير بمصلحة العراق قبل مصلحة الحزب والمصلحة الخاصة، وإن عدد الدرجات الخاصة والمناصب هو 4800، وهذا رقم كبير، قد يتأخر إنجازه من قبل الحكومة، والمرتقب هو التصويت على 180 منصبا فقط".

من جهته، أشار رئيس تجمع "كفى" السياسي، رحيم الدراجي، إلى أن "المحاصصة هي من ديدن العمل السياسي في العراق، وهي المعمول بها في كل الحكومات السابقة بعد عام 2003، وقد تجلت وصارت علنية أكثر وأكثر في الحكومة الحالية بقيادة عادل عبد المهدي، مستفزة الجهود السياسية المدنية والتظاهرات الشعبية والفقر والنزوح والأخطار الأمنية في البلاد".

ورأى الدراجي في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الأحزاب والكيانات السياسية المشاركة في الحكم، لا تملك أي بديل أو منهج عمل لإدارة السلطة والمناصب، غير آلية المحاصصة، لأنها ضليعة به، ولها تجارب وعرابون بهذا الملف، ولا أعتقد أن ما تبقى من المناصب يذهب إلى مختصين بها، لأن الأحزاب التي تعودت على غنائم ما بعد كل انتخابات لا تزال متمسكة بهذا المذهب".


من جهته، بيَّن عضو ائتلاف الوطنية رعد الدهلكي، أن "المحاصصة ليست الكارثة التي تعاني منها العملية السياسية، إنما المنهج التي تتبناه بعض الأحزاب التي تسعى إلى النيل من كل المناصب"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "أحزاباً ترى أنها كبيرة، وتريد السيطرة على كل المناصب، وهو ما تسبب بأزمة مع باقي الأحزاب ووصلت المشاكل إلى حدّ إطلاق التهديدات واللجوء إلى المعارضة".

إلى ذلك، رأى المراقب للشأن السياسي العراقي محمد عماد، أن "غالبية الأحزاب والكتل السياسية في العراق، تعتاش على المحاصصة، فلا يمكن لأي حزب أن يستمر في عمله السياسي، دون أخذ حصته أو نصيبه من المناصب التي توفر للحزب المشاريع والاستثمارات والأموال الطائلة"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "سائرون المدعوم من الصدر، الذي دعا إلى الابتعاد عن المحاصصة، شارك في هذه المحاصصة، ولديه حالياً مناصب من وكلاء وزارات ومديرين عامين، وغيرها من الدرجات الخاصة". ولفت إلى أنه "حتى تيار الحكمة، بالرغم من توجهه إلى المعارضة، إلا أنه لا يزال يملك مناصب في الحكومة، وقد طرح اسم عبد الحسين عبطان أحد أبرز قيادييه، لنيل أمانة العاصمة بغداد".

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل