
قراءة صحفية ثقافية في عدد تشرين الثاني / نوفمبر 2026
ثمة مجلات لا تقاس أهميتها بعدد صفحاتها، ولا بما تنشره من مقالات ودراسات وقصائد فحسب، وإنما بما راكمته من حضور في الذاكرة الثقافية، وبما استطاعت أن تحافظ عليه من استقلال في الرؤية وشجاعة في مساءلة الواقع، حتى حين تتبدل الأنظمة السياسية وتتغير الأجيال وتضيق المساحات المتاحة للكلمة الحرة. ومن هذه المجلات تبرز الثقافة الجديدة العراقية، التي تأسست سنة 1953، بوصفها واحدة من التجارب الثقافية التي اقترنت بتاريخ طويل من الجدل الفكري والاجتماعي والسياسي في العراق. إنها مجلة حملت، منذ نشأتها، تصوراً للثقافة باعتبارها ممارسة نقدية تتجاوز حدود الأدب والفن إلى أسئلة العدالة والحرية والمعرفة والمواطنة، وظلت تسعى إلى إقامة الصلة بين ما ينتجه العقل وما يعيشه الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. ولهذا تبدو قراءة عددها 462، الصادر في تشرين الثاني 2026، مناسبة تتجاوز التعريف بمحتويات إصدار جديد، لتصبح تأملاً في قدرة الصحافة الثقافية العراقية على مواصلة أداء وظيفتها المعرفية في زمن تتراجع فيه المجلات الورقية أمام المنصات الرقمية، وتتزاحم فيه الأخبار العاجلة على حساب التأمل والتحليل. يحافظ العدد الجديد، الصادر برئاسة تحرير صالح ياسر، وبمشاركة هيئة تحرير تضم زهير الجزائري وهاشم نعمة وحسب الله يحيى، على الشخصية الفكرية التي ميزت المجلة، حيث تتجاور الدراسات السياسية والاجتماعية مع النصوص التاريخية الموثقة، والترجمات الفكرية، والحوارات العلمية، والنقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي، والإبداع الشعري والقصصي. ولا يبدو هذا التنوع مجرد استجابة لرغبة تقليدية في إرضاء اهتمامات القراء المختلفة، بل يعكس تصوراً للثقافة بوصفها حقلاً تتداخل فيه المعرفة بالسياسة، والتاريخ بالحاضر، والجماليات بأسئلة المجتمع. ومن اللافت أن العدد لا يكتفي بمناقشة المشكلات العراقية المباشرة، وإنما يفتح نوافذه على تحولات اليمين الأوروبي والذكاء الاصطناعي والعدالة المناخية، في محاولة لإبقاء القارئ العراقي على اتصال بالتحولات الفكرية العالمية دون أن يفقد صلته بأسئلته المحلية.
العراق في مرآة النقد: الدولة والمجتمع وأزمة المستقبل
تبدأ الشخصية النقدية للعدد من كلمته الافتتاحية التي تحمل عنوان "خلل اقتصادي بنيوي، لا يمكن إصلاحه بالقرارات المرتجلة"، وفيها قراءة سياسية واجتماعية للأزمات التي تتراكم في العراق، من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات إلى اختلال الإدارة العامة واستمرار المحاصصة وتراجع قدرة المؤسسات على إنتاج حلول طويلة الأمد. وتكتسب هذه الافتتاحية أهميتها من رفضها التعامل مع الأزمات باعتبارها حوادث منفصلة يمكن معالجتها بإجراءات مالية مؤقتة، وإصرارها على ربطها بطبيعة البنية السياسية والاقتصادية التي تعيد إنتاج الاختلال. كما تستعيد ذكرى انتفاضة تشرين 2019 بوصفها لحظة مفصلية في المطالبة بالدولة المدنية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وبذلك تؤكد المجلة أن الذاكرة السياسية ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما أداة لمساءلة الحاضر. ويمتد هذا الاهتمام بمستقبل الدولة إلى دراسة عادل كنيش مطلوب، "العلوم والتكنولوجيا وصناعة نهضة الأمم: من التاريخ إلى مستقبل العراق"، التي تعيد وضع المعرفة العلمية في قلب النقاش حول التنمية الوطنية. تنطلق الدراسة من استعراض تاريخي لدور العلم في تقدم الحضارات، قبل أن تنتقل إلى تشخيص مشكلات البحث العلمي العراقي، وفي مقدمتها ضعف التمويل وهجرة الكفاءات وانفصال الجامعات عن قطاعات الإنتاج والاضطراب المؤسسي. وتبرز قيمة هذا الطرح في تأكيده أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي لصناعة النهضة، وأن التحول إلى اقتصاد المعرفة يتطلب مؤسسات قادرة على إنتاج التكنولوجيا وتوطينها، لا مجرد استيرادها واستهلاك منتجاتها. ومع ذلك، فإن مثل هذا المشروع الفكري يزداد إقناعاً حين يقترن بمؤشرات كمية ومقارنات مؤسسية دقيقة، تسمح بالانتقال من تشخيص الأزمة إلى قياس إمكانات تجاوزها.
وفي دراسة "ميتافيزيقيا النص الدستوري"، يذهب أحمد فاتح محمد إلى منطقة شديدة الحساسية في البناء القانوني العراقي، حيث يفحص التوتر بين المرجعيات الدينية ومبادئ الديمقراطية والحقوق الدستورية. وتنبع أهمية الدراسة من نقل النقاش حول الدستور من مستوى الخلاف السياسي المباشر إلى مستوى الاتساق الفلسفي والتشريعي للنصوص، ولا سيما المادة الثانية من دستور 2005. غير أن قوة هذه المقاربة النقدية لا تعفيها من ضرورة التمييز بين التعارض المحتمل في التأويلات القانونية وبين استحالة التوفيق المبدئية بين المرجعيات المختلفة، وهي مسألة تستحق مزيداً من النقاش المقارن في تجارب دستورية أخرى. أما صادق الطائي، في دراسته "حين لا يصنع التجاور جيرة: بسماية وتحولات السكن والعلاقات الاجتماعية"، فيعيد النظر إلى المدينة من زاوية الحياة الاجتماعية، حيث لا يكفي اجتماع السكان في فضاء عمراني واحد لإنتاج روابط الجوار والانتماء. وهنا تتجلى إحدى فضائل المجلة في قدرتها على الانتقال من أسئلة الدولة الكبرى إلى التفاصيل التي تتشكل فيها العلاقات الإنسانية، فالسكن ليس مجرد بنايات وشوارع، وإنما منظومة من التفاعلات والثقة والذاكرة المشتركة. ويتكامل هذا الاهتمام مع دراسة هاشم نعمة عن الأوليغارشية، أو حكم القلة، وعلاقتها بتعزيز الاستبداد وإضعاف الديمقراطية، حيث يصبح تركيز السلطة والثروة مدخلاً لفهم اختلال التمثيل السياسي وتراجع المشاركة العامة. وفي الحالتين تحضر المسألة الاجتماعية بوصفها أساساً لا غنى عنه لفهم السياسة، لا مجرد نتيجة ثانوية لقراراتها.
من أرشيف النضال إلى أسئلة العالم: ذاكرة لا تستسلم للنسيان
تمنح الصفحات المخصصة للنصوص القديمة والترجمات هذا العدد بعداً معرفياً يتجاوز متابعة الأحداث الراهنة. فإعادة نشر وثائق عن الرفيق فهد، الشخصية المؤسسة في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية، تعيد الاعتبار إلى الوثيقة بوصفها مادة لفهم التاريخ السياسي والاجتماعي، وتذكّر بأن الذاكرة الوطنية لا تُصان بالاحتفاء بالشخصيات وحده، وإنما بحفظ النصوص والشهادات التي تسمح للأجيال اللاحقة بإعادة قراءة التجارب السياسية في سياقاتها التاريخية. ومن الناحية المعرفية، تكتسب هذه المواد قيمتها حين تصبح موضوعاً للفحص والمقارنة والتحليل، لا مجرد شواهد لتأكيد روايات مكتملة سلفاً. وهنا تبرز مسؤولية المجلة الثقافية في الجمع بين الوفاء لتراثها الفكري وإتاحة المجال أمام قراءات تاريخية متجددة، تميز بين الوثيقة والتفسير، وبين الوقائع والذاكرة السياسية التي أعادت تشكيلها. وتفتح الترجمات نافذة أخرى على العالم، من خلال نص ألدو بيريتا عن ثلاث لحظات للتحول إلى الفاشية، ونص نيكولا أوفنشتات حول صعود اليمين المتطرف وخصوصية ألمانيا الشرقية، وكلاهما بترجمة رشيد غويلب. وتنبع أهمية اختيار هذين الموضوعين من أن الفاشية واليمين المتطرف لم يعودا مجرد فصلين في التاريخ الأوروبي، بل أصبحا جزءاً من النقاش العالمي حول هشاشة الديمقراطيات وصعود الشعبوية وتوظيف المخاوف الاجتماعية في إعادة بناء السلطة السياسية. إن إدراج هذه النصوص في مجلة عراقية يحمل دلالة ثقافية مهمة، لأنه يضع الخبرة المحلية ضمن أفق مقارن، ويدعو القارئ إلى التفكير في الآليات التي تنتج الاستبداد وتغذّي النزعات الإقصائية، دون الوقوع في التماثل السهل بين تجارب تاريخية تختلف ظروفها وبناها الاجتماعية. ويكتمل هذا الانفتاح مع دراسة كاظم المقدادي عن الصحة والبيئة والتغير المناخي والعدالة المناخية، التي توسع مفهوم العدالة ليشمل العلاقة بين الإنسان وموارده الطبيعية وشروط بقائه. فالتلوث وتدهور البيئة واختلال توزيع المخاطر الصحية ليست قضايا تقنية محصورة بالخبراء، وإنما مشكلات تتصل بالحقوق الاجتماعية وبمسؤولية الدولة عن حماية الحياة. وتزداد أهمية هذا الموضوع في بلد يعاني ضغوطاً بيئية ومائية متراكمة، حيث تصبح المعرفة العلمية ضرورة لفهم الأزمات العامة، وتغدو الثقافة مطالبة بالمساهمة في بناء وعي بيئي يتجاوز الشعارات إلى مساءلة السياسات والمؤسسات. غير أن واحدة من أكثر محطات العدد اتصالاً بالمستقبل تتمثل في الحوار الذي أجراه زهير الجزائري مع الباحث والأكاديمي تحسين الشيخلي، تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي وعصر النهضة الجديد". فالحوار لا يكتفي بعرض التحولات التقنية، بل يتناول احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إعادة النظر في المفاهيم التي اعتاد الإنسان استخدامها لتعريف المعرفة والعقل والإبداع وموقعه في العالم. وتكمن جاذبية هذه المقاربة في انتقالها من السؤال عما تستطيع الآلة إنجازه إلى السؤال عما يبقى للخبرة الإنسانية من خصوصية حين تتوسع قدرات الأنظمة الاصطناعية. وهو انتقال فكري بالغ الأهمية، لأنه يضع التكنولوجيا داخل التاريخ الثقافي والفلسفي للإنسان، بدلاً من اختزالها في سباق تقني بين الشركات والمؤسسات. ولعل القيمة الأعمق للحوار تكمن في إقراره الضمني بأن التقدم التقني لا يحسم وحده الأسئلة الأخلاقية، وأن قدرة الآلة على إنتاج المعرفة أو محاكاة بعض مظاهر الإبداع لا تعني بالضرورة امتلاكها التجربة الإنسانية أو المسؤولية الأخلاقية.
الأدب والفن: حين تصبح الجماليات شهادة على المجتمع
إذا كانت الدراسات السياسية والفكرية تمنح العدد ثقله التحليلي، فإن صفحات الأدب والفن تمنحه حيويته الإنسانية، وتكشف عن حرص المجلة على ألا تتحول الثقافة إلى خطاب سياسي مباشر يستغرق بقية أشكال التعبير. وتفتتح هذه الصفحات بكلمة مؤثرة لحسب الله يحيى بعنوان "إلى كتابنا الأعزاء"، يتحدث فيها عن العلاقة بين المجلة وكتّابها، وعن وفرة المواد التي تصل إلى هيئة التحرير في مقابل محدودية الصفحات المتاحة للنشر. وفي هذه الكلمة قدر من الصراحة المهنية يستحق التقدير، لأنها تكشف جانباً من العمل التحريري الذي يغيب عادة عن القراء، وتوضح أن تأخر نشر بعض المساهمات لا يعني بالضرورة إهمال أصحابها أو التقليل من قيمة ما يكتبون. وتثير هذه الإشارة مسألة أوسع تتصل بمستقبل المجلات الثقافية العراقية، إذ إن محدودية الحيز الورقي لم تعد مشكلة تنظيمية فحسب، وإنما أصبحت تحدياً يمس قدرة المؤسسة الثقافية على استيعاب أجيال جديدة من الكتّاب وتوسيع حضورها خارج الحدود الوطنية. ويمكن للمجلة، وهي تمتلك رصيداً تاريخياً يمتد ثلاثة وسبعين عاماً، أن تحول هذه الصعوبة إلى فرصة عبر تطوير حضور إلكتروني مؤسسي يوازي إصدارها المطبوع، دون التفريط بمعايير الاختيار والتحرير والتدقيق. فالقيمة الثقافية للمجلة لا تتحدد بنوع الورق الذي تُطبع عليه، وإنما بجودة المعرفة التي تقدمها وبالثقة التي بنتها مع قرائها. ومن شأن النشر الرقمي المنظم أن يوسع دائرة الوصول، وييسر حفظ الأعداد والبحث في محتوياتها، ويمنح النصوص حياة أطول من عمر النسخة الورقية، شرط أن يبقى القرار التحريري محكوماً بالجودة لا بسرعة النشر أو وفرة المواد. وفي هذه الصفحات أيضاً تحضر قضية التعليم العراقي من خلال مقالة "جمهورية المئة بالمئة: حين يصبح التفوق دليلاً على انهيار التعليم"، وهي معالجة نقدية للمفارقة التي تنشأ حين تتحول الدرجات المرتفعة إلى مؤشر شكلي للنجاح، بينما تتراجع القدرة الفعلية للمؤسسات التعليمية على بناء المعرفة والمهارات والتفكير المستقل. وتكتسب هذه القضية أهميتها من اتصالها بمستقبل المجتمع، إذ لا يمكن فصل جودة التعليم عن نزاهة التقييم أو عن قيمة الشهادة في الحياة العامة. كما أن وضع هذه المعالجة ضمن باب الأدب والفن يعكس اتساع مفهوم الثقافة لدى المجلة، فالتعليم ليس قطاعاً إدارياً معزولاً، وإنما أحد الشروط المؤسسة للحياة الفكرية والإبداعية.
ويتواصل التنوع مع كتابة طالب عبد الأمير عن الناصري وتموز وأشياء أخرى، ونص رعد فاضل "بيت الكتابة"، ودراسة محمد قاسم حسين عن مظاهر الحداثة في شعر مقداد مسعود، وقراءة جوتيار تمر في سيمياء الأنوثة وانزياحات اللغة في ديوان "تلك السيدة" لحسن سليفاني. وتكشف هذه المشاركات عن اهتمام المجلة بالتجارب الشعرية العراقية وبالمقاربات النقدية التي تتجاوز الانطباع إلى تحليل اللغة والصورة والدلالة. وتزداد قيمة هذا التوجه حين تتيح المجلة للنقد أن يكون فعلاً معرفياً مستقلاً، لا مجرد احتفاء بالمبدعين، لأن ازدهار الأدب يحتاج إلى قراء قادرين على الاختلاف والتفسير بقدر حاجته إلى كتّاب يمتلكون موهبة الابتكار. وتحضر السينما من خلال مادة مترجمة لقحطان المعموري عن فيلم "الأوديسا"، كما يحضر الفن التشكيلي في مقالة علي إبراهيم الدليمي عن الفنان صبري المالكي، الذي تتخذ لوحاته من المأساة العراقية موضوعاً للتعبير بلغة اللون. وتكتسب هذه المعالجة أهمية خاصة لأنها تضع التجربة التشكيلية في سياقها الإنساني، وتعيد التذكير بأن الصورة الفنية تستطيع أحياناً استيعاب مستويات من الألم والذاكرة يصعب على الخطاب المباشر الإحاطة بها. أما محمد سيف فيتناول بيراندلو، بما يفتح المجال أمام المسرح وأسئلة الهوية والوجود، فيما تتوزع النصوص الإبداعية الأخرى بين القصة والشعر، بمشاركات نواف يوسف وسالم حربه وانتصار عباس وعبد جعفر وخالد الحلي ورياض الغريب وأحمد الحصناوي، إلى جانب قراءة نجاح الجبيلي في قصة لمحمد سهيل أحمد. ويعزز هذا الحضور المتعدد فكرة أن المجلة ليست منبراً لصوت أدبي واحد، وإنما مساحة لتجاور التجارب والأساليب والأجيال. ويستحق الإخراج الفني للعدد إشارة خاصة، فقد حمل الغلافان لوحتين للفنان فيصل السعدي، بينما تولى علي العتابي التصميم والإخراج الفني، ومصطفى عبادة التدقيق اللغوي. وهذه التفاصيل ليست هامشية في صناعة المجلة الثقافية، لأن الشكل البصري جزء من علاقتها بالقارئ، كما أن العناية باللغة والتصميم تعكس احترام النصوص المنشورة. وتظل قدرة المجلة على تطوير شخصيتها البصرية، مع الحفاظ على ملامحها التاريخية، واحدة من المسائل التي تستحق اهتماماً مستمراً في ظل التحولات المتسارعة في عادات القراءة.
مستقبل الثقافة الجديدة: الوفاء للتاريخ لا يعني الإقامة فيه
يقدم العدد 462 صورة لمجلة ما زالت متمسكة بوظيفتها الأساسية في مساءلة الواقع وإتاحة المجال أمام الفكر النقدي والإبداع الأدبي. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاستمرار لا تكمن في مجرد المحافظة على تقاليد راسخة، وإنما في القدرة على تجديد تلك التقاليد من داخلها. فالمجلة التي نشأت في مناخ ثقافي وسياسي مختلف تماماً عن عالم اليوم تواجه قارئاً تغيرت وسائله واهتماماته وإيقاعات حياته، وأصبح يتلقى المعرفة عبر منصات متعددة تتنافس على وقته وانتباهه. ومن هنا فإن التحدي ليس في الاختيار بين الورق والشاشة، بل في بناء صيغة جديدة تضمن استمرار المجلة بوصفها مؤسسة فكرية، لا مجرد إصدار دوري يرتبط بقنوات توزيع محدودة. ويتيح هذا العدد فرصة للتفكير في أهمية الأرشيف الثقافي الذي راكمته المجلة منذ تأسيسها. فالأعداد القديمة لا تمثل مواد صحفية انتهى زمنها، وإنما تشكل سجلاً مهماً لتحولات الفكر العراقي، وللجدالات التي خاضتها أجيال من المثقفين حول الدولة والمجتمع والحداثة والأدب والفن. ومن شأن رقمنة هذا الأرشيف، وإعداد فهارس دقيقة لمحتوياته وأسماء كتّابه وموضوعاته، أن يحوله إلى مصدر بحثي متاح للجامعات والباحثين والقراء. كما أن تطوير موقع إلكتروني متكامل، يتيح الوصول المنظم إلى المواد ويحافظ على هوية المجلة التحريرية، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتواصل مع المثقفين العراقيين في المهجر، ومع القراء العرب الذين يصعب عليهم الحصول على النسخ المطبوعة. ولا يعني هذا التحول التخلي عن الشخصية التقدمية التي ارتبطت بتاريخ الثقافة الجديدة، بل قد يمنحها قدرة أكبر على التأثير، شريطة أن يستند إلى رؤية تحريرية واضحة توازن بين العمق الفكري ومتطلبات الانتشار. فالصحافة الثقافية الرصينة لا تستطيع منافسة المنصات السريعة في عدد الأخبار، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك أصلاً، وإنما تتحدد ميزتها في تقديم المعرفة الموثوقة والتحليل المتأني والكتابة التي تحتفظ بقيمتها بعد انقضاء الحدث. ومن هذه الزاوية، يصبح مستقبل المجلة مرتبطاً بقدرتها على الجمع بين الذاكرة والتجديد، وبين الخبرة المتراكمة ومشاركة الأصوات الشابة، وبين الانتماء إلى العراق والانفتاح على أسئلة العالم.
إن ما يمنح عدد تشرين الثاني 2026 أهميته أنه يعيد تأكيد حضور الثقافة بوصفها ضميراً نقدياً للمجتمع، لا نشاطاً ترفيهياً يقع على هامش الحياة العامة. ففي صفحاته تتجاور أزمة الدولة مع مستقبل العلم، والذاكرة السياسية مع صعود الفاشية، والعدالة المناخية مع الذكاء الاصطناعي، والشعر مع السينما والتشكيل. وقد تختلف مستويات المعالجة من مادة إلى أخرى، كما تختلف زوايا النظر وطرائق الكتابة، لكن هذا التعدد يظل أحد عناصر حيوية المجلة، لأنه يرفض اختزال الثقافة في موضوع واحد أو وظيفة واحدة. وبعد ثلاثة وسبعين عاماً من تأسيسها، تبدو الثقافة الجديدة أمام مسؤولية مزدوجة: أن تحمي الإرث الذي صنع مكانتها، وأن تمنحه الوسائل التي تضمن استمراره في المستقبل. وهي مسؤولية لا تقع على هيئة التحرير وحدها، وإنما تمتد إلى الكتّاب والقراء والمؤسسات الثقافية التي تدرك أن بقاء المجلات الجادة جزء من بقاء الحياة الفكرية نفسها. فالمجتمعات لا تفقد ذاكرتها حين تتوقف عن استعادة الماضي فحسب، وإنما تفقدها أيضاً حين تعجز عن إنتاج المنابر التي تسمح لها بفهم حاضرها ومناقشة مستقبلها. وفي هذا المعنى، تظل الثقافة الجديدة أكثر من مجلة عريقة؛ إنها شاهد على تاريخ عراقي طويل من الصراع بين المعرفة والجهل، وبين الحرية والاستبداد، وبين الرغبة في التغيير والقوى التي تعوقه. وما دام في العراق من يكتب ويفكر ويختلف ويحلم بمجتمع أكثر عدلاً وحرية، فإن لهذه المجلة سبباً عميقاً للاستمرار، ومساحة تستحق أن تتسع، ودوراً لا ينبغي أن ينتهي.







