
لا أستطيع ابدال جلدتي، ولا محو هويتي !!. فقدتُ دفء الأماكن ورائحة جدران بيتنا القديم، وحتى ملاذ عباءة أمي لا يكفيني. ولا آهات أبي عند أنفاس سجائره.
كان من الصعب عليه ان يصرح بأكثر من هذا، فقد كانت حوله الجدران مثقوبة، وهمسه مسموعا، والمقاهي لم تعد لضجيج الشباب ومرحهم، والطرقات فارغة الا من أعمدة الكهرباء وأعمدة أخرى من نوع خاص. كان عليه ان يصمت. لكنه تعوّد ان يصدح حين يقرأ قصائد النواب. ويقرأ الجريدة السرية.
اختفى "سامر " في ظروف غامضة ولكن لا أحد يجرؤ بالسؤال عنه. حتى أبواه.!!
لم تنجب أمه سواه، لكنه صلب الارادة، ذو القامة الممشوقة والطول الفارع. كان يحلم ويناضل من أجل ان تتحول بلده نحو الاشتراكية، ونحو الازدهار في غضون فترة وجيزة.
صدمته نظريتهم الجديدة ان الموت في انتظار من يخرج عن مسار القطيع. تأبى روحه ان يعانق الموجة، أو يصطف في ذلك الطابور، يكره تلك العبثية والجدال فيها.
لكنه اختفى.!!
لم يستطع أبواه ان يمنحاه صفة " الميت " كانا يرفضان ان يقال عنه " راحل " فلو خرجت الكلمة من فمهما ستغلق آخر باب لأمل تشبثا به. كانت أمه تخبر جاراتها، أنها رأت رجلا مباركا في منامها أخبرها ان ولدها حي يرزق، .
اما جارهم المعلم كان يتعاطف معهما، لكنه يخشى العيون المتربصة فلا يقترب منهما، فهو يعرف ولدهم. فقد كان أحد طلابه في المدرسة قبل سنين.
تزورهم أم سامر وتشرح لزوجه عن اختفاء ولدها. تبوح بوجدها لكل الأحبة سرا، لكن المعلم يلتزم الصمت ويخبئ مشاعره أمامها، كلماتها تغدو مثل سكين يقطع أحشائه.
أم سامر تعيش بين عدة احتمالات وكلها تنهش روحها. فأن سمعت طرقا على الباب أسرعت وقلبها يسبق خطواتها. واذا مرّ شاب أمامها كانت تحدق في وجهه وتبحث عن ملامح تشبه ملامح ولدها، احتفظت بملابسه كما تركها وبحذائه وحتى جوربيه وربطة عنقه. وكأنها تهيء كل شيء لعودته.
كم تمنت بداخلها ان يكون غيابه مجرد حلم عابر.
يتذكر أبوه كلماته الأخيرة فقد أخبره ان هناك من يتتبع خطواته في الجامعة وفي الطرقات، وحتى في المكتبة، تحز بروحه هذه الكلمات وتطرد النوم من عينيه دائما.
تحدثه أمه في وحدتها وتخبره ان مرضتْ، وان خرجتْ ومن الذي زارها، ثم تسأله بحسرة، نفس السؤال الذي لم تجد له جوابا مقنعا " أين أنت يا ولدي ". ؟؟ وهل ما زلت تتذكر ان لك أم وأب في انتظارك. ؟؟ سأنتظرك حتى الرمق الأخير.
مرت السنوات ثقيلة على روحيهما، وتغيرت ملامح وجهيهما وشاب شعرهما لكن انتظارهما بقي كما هو.
لم يبكياه بل يبكيا غيابه الموجع بين الحياة والموت.
وفي خضم فوضى حرب الثمان سنين. طفح بروحيهما أمل جديد. فربما يكون ولدنا سجينا وسيطلق سراحه ضمن الاعفاء العام الذي أعلنته الدولة. ثم سيذهب لجبهة القتال فهو يحب بلده.
ويشهد مرآب المدينة شهقات أبيه وسؤاله للعائدين من الجبهة. عن ولده. لكنه يعود خائبا.
كان جارهم المعلم تشغله أخبار الحرب، يسهر ليلا متنقلا بين المحطات الاذاعية، يلاحق تفاصيلها، ويمني روحه بانتهائها منتظرا دور الوساطة التي بادر بها كوفي عنان.
وبينما المعلم ينقل قرص المذياع من محطة الى أخرى سمع صوتا مألوفا لديه وكأنه يعرف صاحبه، وهنا توقف الزمن. وعجزت أصابعه ان تحرك قرص المذياع. وشعر الرجل بالإرباك. يا الهي !! ما هذا. ؟ ؟ الصوت يشبه صوت جارهم المفقود " سامر"، لا بل "هو" بكل نبراته القوية المألوفة، بثقله ورخامة صوته، انه يعرفه، فهو رفيقه وصديقه ايضا، رغم فارق العمر بينهما، بقي المعلم صامتا. منتظرا انه سيذكر اسمه في نهاية النشرة. فبقي صبره معلقا حتى نطق المذيع باسمه الثلاثي، فغر المعلم فاه دون ان ينطق بكلمة.!!
نعم انه "سامر عبد المجيد ". ثم قال هامسا :ـ ربما السماء ارادت ان تبعث الأمل لأبويه عبر الأثير.
ولكن ما موقف السلطة منه اذا أخبر والديه، وهل يجازف. ؟؟ ذلك أمر في غاية الخطورة.!! فكيف يوفق بين ضميره وانسانيته وبين الهاوية التي تنتظره. !! وقف المعلم حائرا بين نارين، نعم ان السلطة لا ترحم. ثم أخذ يحدثه كأنه أمامه بكامل هيئته.
سنبقى يا سامر نقرأ قصائد النواب. ولن يغرق زورقك
وها أنت تعانق النوارس في هجرتها، منفيا في متاهة الحياة. لكنها تبقى أفضل من صفة الموت.
بقي المعلم يقام تمرد ذاته لصمته، ويحثها ان تبوح بثقل سرها، وعليه ان يمنح أبويه أملا جميلا ليعيشا بأمان ولتنتهي حسراتهما. قلها فذلك أمر يجب ان يقال.
ولتكن النتائج كيفما تكن. !!
فأرسل بطلبهما لأمر هام، وحضورهما الى داره.
اندهش الأب ثم تردد يا ترى ما هو الأمر الهام. ؟؟
واستغربت الأم وكأن قلبها عرف جزء من الحقيقة فيما يخص ولدها. واستفاقت ذكراه برعدة أوصالها.
وبين القلق والدهشة، جلسا عنده، وبعد ان أغلق باب الغرفة، طلب منهما الصمت والسرية التامة مهما سمعا من الأخبار. وأخذ يدير قرص المذياع على تلك الإذاعة الأجنبية الناطقة باللغة العربية والتي يتواجد فيها ولدهم.
مرت الدقائق ثقيلة عليهما. حتى دقت الساعة الثامنة مساء.
وفجأة تردد الصوت ذاته، انه صوت " سامر" وهو يقرأ نشرة الأخبار بصوت ثابت، وكأن الحياة لم تسرق منه شيئا.
تجمدت الأم وعيناها تلمعان واضعة يدها فوق فمها لكي لا تنطلق منها صيحة مباغتة، وحين نطق باسمه، صرخت دون وعيها " ولدي"، أسرع زوجها فوضع يده المرتجفة فوق فمها. وهو يهمس بارتعاش نبرات صوته " أصمتي يا امرأة "
تنفس أبوه الصعداء عند سماعه الخبر الذي طالما انتظره، أشرق وجهه كأن سنوات عمره قد عادت اليه، ابتسم ثم ارتجفت شفتاه، وانهمرت دموعه فرحا بصمت تام.
وما زالت أمه متجمدة بمكانها، لا تقوَى على البكاء ولا حتى على الابتسامة.
سكنت الوجوه، لكن القلوب كانت تضج بالحنين والفرح الغامر، وبخيوط أمل جديدة امتدت من المذياع الى أرواحهم.
وفي تلك الليلة كانت السماء زرقاء صافية، والريح تداعب سعف النخيل كأنها الأم الرؤوم التي شاركتهم أفراح هذه الليلة. جلس المعلم على كرسيه الخشبي وبجانبه أولاده وزوجه رافعا يديه للسماء ان لا يصل الخبر لجهاز الأمن.







