إعادة نشر: تحية لذكرى الشهيد شمران الياسري، كتب المقال في7  تموز 2003

 يستقبل الشيوعيون العراقيون وأصدقاؤهم، كل عام، ذكرى صدور (كفاح الشعب) في نهاية تموز عام 1935، بوصفها أول صحيفة سرية عراقية حملت اسم الحزب الشيوعي العراقي على صدر صفحتها الأولى. وبعد سقوط النظام الديكتاتوري الصدامي البغيض، كانت (طريق الشعب)، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، أول جريدة تصدر علنًا، بعد أن أرغمتها سياسات القمع والاستبداد على الصدور سرًا ولسنوات طويلة.

وإذ كانت (طريق الشعب) تجد طريقها إلى أيدي قرائها، كانت ثمة أقلام مناضلة بارزة قد ساهمت، على امتداد تاريخ صحافة الحزب الشيوعي العراقي، في رسم ملامحها المشرقة، ثم غابت عنها حين رحلت إلى عالم الخلود. ومن بين هذه الأقلام الكاتب المبدع، والصحفي النشط، والفلاح المناضل الشهيد شمران الياسري ــ أبو گاطع.

لم ألتقِ يومًا بالمناضل أبي گاطع، لكنني زاملت ابنه العزيز إحسان لسنوات خلال دراستي الجامعية في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة البصرة، التي أُجبرت، مطلع عام 1978، على تركها وعدم مواصلة الدراسة فيها، بسبب السياسات القمعية لنظام حزب البعث، التي دفعت آلاف الوطنيين العراقيين، من شيوعيين وديمقراطيين، إلى خيارات قاسية وصعبة.

وقليلًا ما تحدثتُ وإحسان عن والده؛ فقد كان أبو گاطع حاضرًا دائمًا بيننا من خلال كتاباته المنشورة على صفحات (طريق الشعب)، قريبًا من قرائه، حميمًا مع وجدانهم، وكأنه واحد منهم.

ولا أبالغ إذا قلت إن كثيرًا من قراء (طريق الشعب) في تلك الأيام كانوا يبدأون قراءتهم للجريدة من عمود أبي گاطع، بحثًا عن تعليقات (خلف الدواح) وتلميحاته اللاذعة، وعن كلماته التي كانت تلتقط، بذكاء وسخرية، تفاصيل التدهور السياسي والاجتماعي في بلادنا.

كان خلف الدواح أكثر من شخصية صحفية؛ كان صوتًا شعبيًا يخرج من بين الناس، ويتحدث بلغتهم، ويعرف وجعهم، ويقترب من تفاصيل حياتهم اليومية دون تكلف أو تنظير.

وأذكر أن العزيز إحسان اصطحبني ذات يوم إلى بيتهم في بغداد، في حي الأمين، على ما أذكر. وهناك لفت انتباهي، وأدهشني، أن الفلاح أبا گاطع كان يحتفظ بمجموعة جميلة من غلايين التدخين، جمعها خلال فترة طويلة من جولاته وزياراته. كانت دهشتي نابعة من الصورة التي استقرت في أذهاننا عن أبي گاطع: الفلاح العراقي البسيط، القريب من هموم الناس، العارف بما يدور في بيوتات الأحياء الشعبية، وفي أزقتها وشوارعها وأسواقها، والمصغي إلى تطلعات أهلها وأحاديثهم اليومية. ولهذا، كنت أتصور أن أبا گاطع، إذا أراد التدخين، فلا بد أن تكون في يده سيجارة لفّ، وورقة "بافرة"، ولا يمكن، في مخيلتي آنذاك، أن تجتمع صورة الفلاح أبي گاطع مع غليون أنيق!

لكن أبا گاطع لم يكن مجرد صورة نمطية للفلاح العراقي؛ كان، في كتابته، فلاحًا ومثقفًا ومناضلًا وصحفيًا استطاع أن يحوّل تجربته الحياتية ومعرفته العميقة بالريف العراقي إلى لغة صحفية نابضة بالحياة. لم يلجأ أبو گاطع إلى التنظير حين كان يتحدث عن هموم المواطن العراقي، وعن تدهور الأوضاع في البلاد. اختار طريقًا أكثر قربًا من الناس: الحكاية الشعبية. جعل من خلف الدواح لسانًا للكادحين، يتحدث عن محنتهم، وعن سعيهم المضني لتأمين لقمة العيش، وعن عذابهم من أجل حياة أفضل. واستثمر ببراعة كل ما هو بسيط ومعبر في تراث الريف العراقي، فكانت أفكاره تصل سريعًا إلى ذهن القارئ، وتدفعه، من خلال الابتسامة والسخرية، إلى التفكير في واقعه ومستقبله وحقوقه.

كانت حكايات خلف الدواح تحمل تلميحات بليغة وجريئة، وتقول ما لا تستطيع المقالات المباشرة قوله. ولهذا أثارت غضب مؤسسات النظام ورموزه، وفي مقدمتهم المجرم صدام حسين، الذي كان آنذاك لا يزال يشغل موقع (السيد النائب)، فمارس، من موقعه، ضغوطًا عديدة لإسكات قلم أبي گاطع ومحاصرة صوت خلف الدواح.

ويُروى، نقلًا عن مصادر من داخل مؤسسات النظام المقبور، أن (السيد النائب) اجتمع يومًا إلى محرري جريدة "الثورة"، وانتقدهم بشدة، بل شتمهم، لأن جريدة الحزب الشيوعي، رغم افتقارها إلى جزء يسير من الإمكانات الفنية والمالية التي كانت متاحة لجريدة السلطة، كانت أكثر قربًا من نبض الشارع وحياة المواطن.

وضرب لهم مثلًا دالًا: لو اختفى البصل من الأسواق، فإن خبر اختفائه سيكون في اليوم التالي على صفحات (طريق الشعب)! ولعل هذه الحكاية، بصرف النظر عن تفاصيلها، تختصر جانبًا مهمًا من سر نجاح أبي گاطع: كان يعرف أين يعيش الناس، وماذا يأكلون، وماذا يشترون، وما الذي يثقل جيوبهم وقلوبهم.

ما حثني وشجعني على كتابة هذه السطور أنني عثرت، في أرشيفي المتواضع، على قصاصات من أعداد قديمة من (طريق الشعب). ومن بينها قصاصة تحمل سؤالًا من قارئ وجهه إلى زاوية (وصوله خير وسرور) في الصفحة الأخيرة، يقول فيها:

(لن أكذب وكالة الأنباء العراقية ولا الجهة التي تزودها بأسعار الفواكه والخضر بالجملة، وأنا أصدق ما تنشره "طريق الشعب" عن أسعار البيع بالمفرد لهذه الفواكه والخضر... وأصدق نفسي حين أجد الفرق 150% وربما 200% بين الجملة والمفرد... مثال ذلك سعر الرقي بالجملة 21 فلسًا للكيلو، وبالمفرد 50 فلسًا... فأين يذهب الفرق؟)

وفي الزاوية ذاتها، يجيبه أبو گاطع، على لسان خلف الدواح:

(الفرق يا معزوز عيني ــ تسعيرة "الركي" بالجملة يقصدون هوّه والكشر، ومعلومك الكشر يعادل ثلثين "اللب". وبالمفرد يبيعون "اللب" ولب اللب. هاي أولها وتاليها)

وفي قصاصة ثانية، من عدد آخر من (طريق الشعب)، وفي زاوية (سلام وبعد السلام)، وبتوقيع أبي گاطع، نقرأ:

(إلى عزيز روحي "الركي"... لا صباح ولا مسا ــ ولا حتى جلمة "كويسة". هيچ كبرت وتكبرت بالعجل؟ ولك ماكو جبير غير الله. شكثر صار لك بالولاية؟ ولهسا ما تندل بيتنا؟ ميخالف... الله كريم... يطيح الرطب واستافي منك.)

هذه القصاصات الصغيرة، التي نجت من تقلبات الزمن، ليست مجرد بقايا صحفية من زمن مضى؛ إنها شظايا من ذاكرة العراق، ومن يوميات مواطنيه، ومن لغة صحفية استطاعت أن تجعل من سعر الرقي والبصل والخضر مدخلًا للحديث عن الاقتصاد، والسياسة والفساد والاستغلال.

وهنا تكمن براعة أبي گاطع: أن يجعل القارئ يبتسم، ثم يفكر؛ يضحك، ثم يكتشف أن خلف النكتة وجعًا، وخلف الحكاية قضية، وخلف السخرية سؤالًا كبيرًا عن العدالة والحياة والكرامة. لقد رحل أبو گاطع، لكن خلف الدواح لم يمت. بقي في ذاكرة القراء، وبقيت كلماته شاهدًا على زمن كان القلم فيه يواجه السلطة، وكانت الحكاية الشعبية تتحول إلى موقف، وكانت السخرية أحيانًا أكثر قدرة على فضح الاستبداد من الخطب الطويلة. وليرقد أبو گاطع قرير العين؛ فرفاقه وتلامذته لم ينسوا عهده، وما زالوا متمسكين بالمثل التي آمن بها، يواصلون العمل والنضال، بإصرار وأمل، من أجل مستقبل أفضل، وحياة حرة كريمة لأبناء الشعب العراقي، أوفياء لتلك القيم النبيلة التي رسم الرواد الأوائل طريقها بالدم والتضحيات.

سلامٌ على أبي گاطع، الفلاح الذي حمل هموم الفلاحين والكادحين إلى صفحات الصحافة، وعلى الصحفي الذي جعل من الحكاية سلاحًا، وعلى المناضل الذي بقي اسمه حيًا في ذاكرة العراقيين. سلامٌ على روحه، وسلامٌ على كلمته، وسلامٌ على خلف الدواح، ما بقي في العراق من يتذكر ويقاوم وينشد حياةً تليق بالإنسان.