
لم استطع الكتابة عنه مباشرة عند سماعي خبر رحيله بعد صراع مع المرض اللعين، لأنني كنت أراه نسمة هواء باردة في ليالي الصيف كلّما يمرّ مسلّماً عليَّ، وذلك لفرط شفّافيته ودماثة أخلاقه وطيبته، لكنني قرأت له قصصاً وروايات تحكي عن واقعنا الذي عشناه تحت الخوف والرعب والقلق والبحث عن مستقرٍّ آمن ولقمة عيشٍ كريمة!!
أذكر قبل أربع سنوات اتصل بي طالباً منّي تجديد هويته في اتحاد الأدباء فقلت له :ــ صار وبعيوني!! وسلّمتها له في يوم المؤتمر الانتخابي لاتحاد أدباء البصرة، شكرني كثيراً لحظتها، ولم أنسَ ابتسامته قائلاً:ــ خوية اشكد كلّفت؟! أجبته:ــ حبوبي كلّك خير وبركة، هاي على حسابي، فقال:ـــ أبو فراس أنت طيبة غير متناهية لا مثيل لك، ربّي يحفظك ويوفقك!!
إنه القاص والروائي ( محمد عبد حسن ) الذي رحل عن عالمنا قبل شهرين تاركاً حكاياتٍ لم تسرد بعد!!
في الجلسة التأبينية التي أقامها ملتقى جيكور الثقافي وشارك فيها عدد من أصدقائه وأفراد عائلته، استذكره الجميع، ولكن لفت نظري ابنه ( حسين) حينما قال :ــ كيف أنساك يا أبي وقد زرعت فينا الطيبة والحنيّة وحب الناس!!
هنا توقّفت لحظات لأستعيد ما قرأته لمحمد من قصصٍ، فرأيته لاعب سرد على الورقة يحرّكنا كيفما شاء معه، لنعيش اللحظات التي استقاها من تجربته الحياتية ونثرها على الورق مع بعض بهارات الخيال، كأنّه يقول لنا:ــ هذه ذاكرة المقهى العراقي الذي يضم أنواعاً وأشكالاً من الناس لكلّ واحد منهم حكاية، كأنّها بقعة زيت تنتشر فوق مياه ذاكرتنا التي شوّهتها الحروب وليالي الخوف والهروب إلى بلدانٍ أخرى عسى أن نحصل عندها بعضاً من أمان وحريّة قول!!
لهذا صرنا زوارق تأخذها الريح كيفما تشاء عبر خرائط الشتات هنا وهناك في بحرٍ متلاطم الأمواج كالطوفان، من الذكريات والفوضى اللا إنسانية التي خلقتها ماكنة الحروب وعصابات الموت والفساد، لنظلّ نسعى حاملين صرر أحلامنا المؤجّلة كالخبز ما بين ضلوعنا، واصفين أنفسنا بأننا بصريون يعشقون الحكايات ويجوبون الأمصار منادين بسبعة أصوات يعلنون بها حبّهم لمدينتهم وناسها الطيبين!!
كان محمد يعلّمنا لعبة الصبر التي لن تنتهي أبداً، لأننا ننتظر لا شيء في سعينا المستمر وبحثنا اللاهث عن كوّة صغيرة يجيء منها شعاع الأمل بحياة ملؤها السعادة والراحة والمحبّة!!
فما بين خرائط الشتات هذه التي عبرناها بزورقنا المتهادي فوق مياهٍ كانت كالطوفان، اتخذنا من ذاكرة المقهى ملاذاً للبصريين عاشقي الحكايات، ومنتشرين كبقعة زيت بين التخوت نناغي لعبة الصبر بسردنا، وكأننا ننتظر لا شيء لنصرخ بسبعة أصوات قويّة:ــ لا نهاية لما حدث !!
لك الرحمة والنور وسلام لروحك وطمأنينة أيها الراقد في وادي السلام لتنثر طيبتك ومحبتك عطراً فوّاحا في كل مكان .







