
إلى عباس الرباط الذي أخذنا : أستاذي كاظم الأحمدي وأنا
وأمضينا ضحى ذلك النهار البديع في فندق شط العرب شتوة 1975
(*)
رواية (فندق شط العرب) منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق. 2021) للشاعر علي الأمارة تشتغل على ثنائية الشرق والغرب. لكن التركيز السردي يشتغل على هموم البصرة
يتجسد ذلك في عيناتٍ من النساء والرجال
(*)
فندق شط العرب كان معلما عظيما من معالم مدينة البصرة المستعمرة بريطانياً والفندق لا يصفق بيدٍ واحدة فتجاور معه مطار البصرة الدولي. بريطانيا سيطرت على النشاط البحري في البصرة ومسكت زمام النقل البري من خلال سكك الحديد، وصار القطار ينطلق من محطة المعقل في البصرة إلى باريس ومنها إلى لندن، وهكذا (كانت البصرة تسافر إلى قلب العالم يوميا وتسحبه معها إلى فضائها الأخضر الفسيح فكان سكان البصرة يسمعون نبض قلب العالم في شوارعهم، ويرون مدن العالم المتحضرة تتجول في شوارعهم، ثم ما لبثت أن أصبحت البصرة محطاً ومهبطاً للطائرات من كل دول العالم../ 11) البصرة تمتلك قلباً كبيراً وعقلاً عميقاً ولها طاقات بلا ضفاف. والتمدن يليق بها فهذا التمدن ولدها البكر من آلاف السنين
(*)
هكذا كانت البصرة أما حال الفندق ومشتقاته بعد 2003 فقد ثبته المؤلف من ص104- 145ص.
(*)
مفردة(فندق) تعني مكاناً ثابتاً لكن محتوى المكان هو المتغير/ أعني النزلاء. شط العرب مكانٌ ثابتُ وأشدُ قِدّماً من الفندق، وهو راسخ ومتغير أيضاُ من خلال حركتيّ المد والجزر. وجملة العنوان جملة اسمية، لكنها ذات فاعلية تاريخية في ذاكرة البصرة. وبشهادة السارد (فإذا كان شط العرب نهراً مكانياً فإن الفندق نهر زماني يفيض أحياناً بالأحداث والشخصيات والحكايا.. /12)
(*)
هي رواية مشطورة/ ثنائية: تتجاور القصائد مع فصول الرواية. وهناك قارئان أحدهما سيلاحق قصائد الكتاب ويستمتع بقراءة القصائد ويكتفي إن كان من القراء العاديين. ولدينا قارئ آخر يتناغم مع فصول السرد، يتجاوز القصائد، بفضول التشويق نحو مصائر الشخوص. قارئ ثالث يقرأ الكتاب بالترتيب المنضّد فيه
يكتشف هذا القارئ أن القصائد تتواصل مع السرد الروائي وأحيانا
تكون متناً وأحياناً حاشية ً لها ضروريتها الجمالية في السرد في الحالتين. قارئ آخر يرى السرد إطاراً للقصائد. وهناك قارئ مؤرخ يدخل للرواية من باب ذلك الفندق المولود في 1932
(*)
مكونات الرواية
(1) السرد الروائي
(2) سرد الوثائق من ص104 إلى نهاية الرواية
(3) سرد المآلات التي فيها يقفز السرد خارج زمن الرواية
فالرواية معنية في مرحلة السبعينات، أثناء المآل يقفز السرد إلى تسعينات القرن الماضي أو إلى 2018/ أو 1991
(4) السرد الممنوع دفتر رسائل حبيب رابحة. فالرواية لم توظفه ضمن الرواية وتلك حرية المؤلف في مشغله
(*)
المزدوج الاجناسي ليس جديداً على الشاعر علي الأمارة، بشهادته الشخصية هو استعمل هذا التقنية في(لزوميات خمسميل – قصائد وحكايات) في 2001 ثم استخدم هذه الطريقة في كتابه(هواجس أصحاب الحسين) في 2011، وهو يطلق على (فندق شط العرب)
(الشعراوية) الشعر يؤازر السرد.
(*)
رواية (فندق شط العرب): سيرة مكان وسيّر شخوص، ولا تخلو من ملامح السيرة الذاتية للمؤلف
(*)
بالنسبة لي الرواية تنتهي في ص102، ما بعد هذه الصفحة
يتشكل منه ما قبل النص، أعني من ص104 إلى نهاية الرواية سرد جميل عن المواد الخام للرواية، مع لمحة خاطفة عن نهاية علاقة السارد وهو شخصية محورية مع حبيبته (رابحة) أو (رابعة) كما يسميها حبيبها.
(*)
الرواية تتمرد على التسلسل التاريخي فتقوم بين الفصول بقفزات زمنية. تحت عنوان (مآل مستقبلي)، ثم تعود للزمن الروائي الذي انطلقت منهُ.
(*)
الرواية من طابقين ولكل طابق هويته الطبقية. الفندق والمطار الدولي للطبقة الراقية وهنا تكمن الابّهة والفخامة التي بني بها الفندق فهو فندق الأغنياء وذواتهم العالية التي يليق بها أن تصعد إلى الطابق الثاني بمصعد كهربائي. علما أن الفندق متكون من طابقين فقط فالحاجة لم تكن بتلك الضرورة للمصعد كما في البنايات العالية ذات الطوابق المتعددة. من خلال هندسة الفندق ارادت بريطانيا أن تقيم نقلة حداثية بتوقيعها الخاص في بلد متأخر لأسباب خارج إرادته.
(*)
ما تحت الفندق: الطبقة الاجتماعية الكادحة ولولاهم لما تنفس الفندق جماليات الراحة (نحن عمال الفندق عملنا الأكثر تحت الفندق حيث توجد مكائن التبريد) وحتى حين يصعد عمال التبريد فهم لا يصعدون إلى الفندق بل لسطح الفندق (حيث توجد غرفة الفلاتر الكبيرة التي تحتاج متابعة يومية) وهذه الغرفة تنتسب لسرداب عمال التبريد.
(*)
البشر في الفندق من نوعين: بشر مرئي وبشر لا مرئي، يقضي خدمته تحت الفندق بعيداً عن الهواء الطلق والشمس
وربما يموت سراً، يختفي شهراً ثم تظهر جثته بالمطر مثل العامل سيد عبدالله ، وبشهادة (محمد تربة ) (نحن عمال التبريد أشباح) وشخصية محمد تربة تستحق كقراءة خاصة فهو عامل يمتلك وعيا مختلفاً، شاب مرهف الحس يخاطب صاحبه العاشق(يا أخي أنا مشتاق للناس لم أعد أراهم أنا كائن ليلي والناس نهاريون. حين أعود صباحاً إلى البيت أراهم يخرجون إلى الحياة مع الشمس والصباحات تتراءى على وجههم وأياديهم، أما أنا فأكون خارجاً من الحياة ساحباً الليل معي إلى الفراش ليس لي من النهار سوى الكوابيس
تدفعني إلى ليل قادم../ 51) محمد تربة يستلب الكدح ُ اجتماعيته ويحرمهُ من كرنفال النهار. شخصية مستلبة ومصابة بالاغتراب، وعليه أن يسهر على سعادة النزلاء!! هنا الوجه القبيح للحداثة التي جلبتها بريطانيا للعراق.
(*)
الاستعمار البريطاني يدفع البصرة نحو(تلك المظاهر الحضارية التي لم يعهدها العراقُ من قبل، أي أن البصرة كانت السباقة للانفتاح على حضارة الغرب لأن ميناءها منفتح على العالم، وبالتالي فهي البوابة التي تدخل منها الحضارة إلى العراق أو البوابة التي تخرج منها الحضارة العربية إلى العالم/24).
(*)
حداثة الاستعمار البريطاني في البصرة ومن خلال فندق شط العرب تحديداً وفرّت حرية جزئية جميلة لعمال التبريد، حرية خففت من ظلال الهوية الطبقية للعمال (فلم نكن نحن عمال التبريد في الفندق مفروضاً علينا أن نرتدي ملابس العمل الزرقاء المعروفة لعمال الموانئ) هنا يتم تغيّب اللون الطبقي للعمل ليتم التماهي والتناغم مع المكان الراقي المحرّم على الطبقة العاملة في البصرة. الدخول في مكان خصصته الحداثة البريطانية للطبقات الراقية فقط هؤلاء العمال يعملون في واجهة حضارية ومسموح للعمال أن تتماهى مع الواجهة البريطانية للحضارة، من هذه الثغرة المتناغم مع الآخر المختلف معك في اللغة والمواطنة، يتسلل شاب بصري أنيق
يتماهى مع الآخر.. ويبالغ في ارتداء الملابس الجديدة والضيقة أيضا كما كان يفعل يحرص أن يجعل شعره السرح ينساب فوق كتفيه فيدخل عادل بكل وسامته واناقته ويشعُ جمال نحو النساء الجميلات اللواتي كان يلفت انتباههن بمنظره العصري.
(*)
فندق شط العرب: هويتهُ أوربية وتتضح هذه الهوية أكثر من خلال النادي الليلي (لم يكن أحد يجرؤ على الوصول إلى النادي الليلي سوى كبار التجّار والذوات البصرية المعروفة أو أولاد الذوات. فقد كانت مظاهر التمدن والرقي بادية للعيان سواء من أبهة المكان وفخامته أو المشروبات الفاخرة المعتقة الموضوعة على رفوف منتظمة في بار النادي، بل أن كثيراً من المشروبات كُتِبَ على قنانيها أسماء أصحابها سواء حضروا أو لم يحضروا فان الشراب مسجل بأسمائهم، والمشروبات إنكليزية أو فرنسية. كما أن ملابس السقاة البيض والقفازات البيض التي ترتديها أيادي السقاة وهي تقدم الأشربة بأدب جم كل هذا يدل على أن الحضور هم من الطبقة الراقية من المجتمع البصري/24)
(*)
ترى قراءتي أن هذا النسق الثلاثي (الفندق والنادي الليلي والمطار) رغم انبثاقه من أرض البصرة، فهذا النسق الثلاثي يحصن الإنكليز عن الغربة في المكان ويجعلهم يعيشون في أوربا مصغرة. والطبقة الراقية في المجتمع البصري هي مرتبطة اقتصاديا ً وسياسياً واجتماعيا ً مع النسق الثلاثي وتسعى الطبقة البصرية للتماهي بكل قدراتها لتكون جزءاً متناغم مع المستعمر البريطاني. وكلامي هذا لا يتقاطع مع ما يقوله السارد (لا يستطيع فقير أو حتى من الطبقة الوسطى الحضور إلى هذا النادي الفخم)
(*)
للملابس سطوتها في المجتمع فهي تُضيء من يرتديها وتزيدهُ مهابة ً وثقة ً بذاتهِ. العامل عادل كان بهياً بما يختار من ملبسٍ أنيق. وغياب الأناقة لأسباب خارج إرادة المرء
تجعلنا في غفلة ٍ عنه وهذا ما جرى مع العاملة (كريمة) : :(ملابس التنظيف والزهد وبساطة المظهر والعمل في التنظيف. كانت حجباً أمام عيوننا الزائغة. فلم نكن نرى في كريمة فتنة وسحراً وكنا نراها عاملة ً لا فاتنة ً) هذه النظرة الطبقية أضيق من خرم الإبرة (نراها عاملة ً لا فاتنة) السبب هو أن ملابسَ العمل تبث متغيراتٍ ،تسلب من الإنسان مزاياه الجميلة، بالنسبة لمن لا يرى سوى المظهر. لكن الجمال العفيف في بنات البصرة يتحدى ملابسهن في العمل ويتفوق جمالهن على النساء الاجنبيات والعراقيات في النادي الليلي فهؤلاء النسوة(ليس كجمال العاملتين سلمى وكريمة رغم ملابس التنظيف الفضفاضة وملامح الفقر الواضحة والوجوه التي لم توضع عليها أية مساحيق أو أية إضافة جمالية/24)
(*)
للملابس قدسيتها فقطعة صغيرة من الملابس تكون تعويذة
لمن يرى ما وراء هذه القطعة من القماش، فهو بهذه القطعة يشد أزره. هكذا كان العمال شبه العراة، وكما يطلقون عليهم(المصاليخ) هؤلاء الكادحون (يواجهون الحمولات والبضائع الثقيلة بظهور وصدور عارية وكان كثير منهم يربط بطنه (بشيلة) فوطة زوجته لتشد من أزره) وهذه الشيلة جرس تنبيه الكادحين، فمن يتحزم بها (يتذكر أنه صاحب عائلة عليه أن يتحمل عبء الأحمال الثقيلة التي، ينقلها من سطح السفينة إلى أرض الميناء.) هذه القطعة السوداء من القماش هي علامة عراقية للنساء، وأثناء عمل الرجال تتحول العلامة إلى كائن مطلق الحضور. بشهادة السارد(كانت الفوط السوداء تزيدهم نخوة وكأن نساءهم حاضرات معهم يشاهدن كدّهم من أجل لقمة العيش) ومن باب الأمانة ينقل السارد شهادة عمالية على لسان أحد المصاليخ (قال لي أحدُ المصاليخ يوم ذاك : كان ذلك يومنا العظيم الذي أعدنا فيه الفوط إلى نسائنا وشكرناهن على وقوفهن معنا كل ذلك السنين القاسية) ثم ينتقل العامل إلى تفكيك الرمز النسوي قائلا(أن فوطة المرأة تعني الكثير لنا، أنها تعني الزوجة)
(*)
حين صارح أستاذ هادي الطالبة رابحة بالخطوبة، لم يكذب
وهو ينصحها (أخاف عليك من الطلاب انهم يحبون ولا يتزوجون ليس لديهم إمكانيات الزواج ومتطلباته/ 87)
في ص139 يخبرنا السارد (كانت تعرف أني غير قادر على الزواج فهي شاهدت ضيق بيتنا قياساً إلى عدد أفراد عائلتنا
كما أن هناك من هو أكبر مني لم يتزوج بسبب الضيق)
(*)
رواية (فندق شط العرب) للشاعر علي الأمارة، تهمني ثلاثا، فهي دخلت الآن ضمن مخطوطتي الثالثة (الرواية بصرة) كما أنها تدخل ضمن مخطوطتي (الرواية المشطورة). وتهمني في مشغل ثالث..







