تستحق دار نشر غوتكيند (Gutkind) الثناء على إصدارها كتاب "رجال في الشمس"، الذي سلط الضوء على الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972).

أولًا، لأن كنفاني يُعدّ من أعظم كتّاب عصرنا، وثانياً، لأن القصص الخمس التي يضمها الكتاب لا تزال تحتفظ بحيويتها اليوم كما كانت عليه عند كتابتها في ستينيات القرن الماضي.

وُلد كنفاني في شمال فلسطين، ولكن بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، فرَّت عائلته إلى لبنان ثم إلى سوريا. أمضى كنفاني طفولته في الرسم والكتابة والقراءة، وهو ما شَكّل مستقبله. بعد تدريس أطفال اللاجئين لفترة قصيرة، اتَّجه إلى الصحافة، وكتبَ في أوقات فراغه روايات ومسرحيات ومقالات، تُصنَّفْ جميعها ضمن أدب المقاومة. في عام ١٩٧٢، قُتِل هو وابنة أُخته في انفجار سيارة مفخخة، تبنّت المخابرات الإسرائيلية مسؤوليتها لاحِقاً.

يُمكننا أن نفخر قليلًا بالكاتب، إذ أن زوجته، آني(Anni) دنماركية، وابنهما هو مَنْ ترجم أولى قِصصه. لكن لنبدأ بالغلاف، الذي يُظهر رسْماً لشريحة بطيخ على خلفية داكنة. قد يحتاج هذا إلى بعض التوضيح: فبعد حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧، مُنِعَ استخدام العلم الفلسطيني في إسرائيل، واستُبدل بشريحة البطيخ، التي أصبحت رمزاً للعلم بألوانه منذ ذلك الحين.

نُشِرتْ أربع من القصص الخمس سابقاً باللغة الدنماركية، لكنّها تُترجم هنا حديثاً، بينما تُتَرجمْ إحداها للمرّة الأولى. تدور القصة الرئيسية حول ثلاثة رجال يقررون السفر بطريقة غير شرعية إلى الكويت، حيث يُمكنهم كسب المال لعائلاتهم في بلادهم. تنتهي الرحلة بِنهاية مأساوية، كما هو الحال بالنسبة للعديد من اللاجئين غير الشرعيين اليوم.

"كل ما تبقى لديك" هو عملٌ ذو أسلوبٍ معقدٍ نوعاً ما، يتناول موضوعَي الترابط والفراق بين شقيقين، حيث يمتزج الزمان والمكان، وحتى المُتحدث، في تداخلٍ تام. أما قِصة "العودة إلى حيفا" فتدور أحداثها بعد حرب الأيام الستة. زوجان طُردا من المدينة عام ١٩٤٨، يعودان إليها في رحلةٍ تُفضي إلى معضلةٍ مستعصية، لكنها تُفضي في الوقت نفسه إلى فهمٍ جديدٍ لحياتهما. القصة الأخيرة هي إهداءٌ للأم الفلسطينية، أم سعد، التي تروي بفخرٍ قصةَ ابنيها اللذين انضما إلى المقاومة، بكل ما يترتب على ذلك من تحديات. وتَقتبِس عن ابنها الأكبر، الذي سُجِنَ، قوله: "أن تكون إنساناً ذو كَرامة يعني أن تُقاتل".

هذه الجملة تحديداً هي الخيط الرابط بين القصص، التي تُركِّز على الفرد بنقاط ضعفه وقوته، لتُصوّر التاريخ الفلسطيني منذ النكبة عام ١٩٤٨، فتُصبِح المأساة في الوقت نفسه ذات طابعٍ إنساني عام.

كان كنفاني نفسه مُناضلاً لا يكلّ، ليس بالسلاح بل بالقلم. كان مقاتلاً، لكنه لم يكن عدوانياً. وقد عَبَّر عن ذلك بقوله: "لا يكفي أن نَكره شخصاً وأن نُؤمن بالماضي. من المهم أيضاً أن نُحب ونتطلّع إلى المستقبل إذا أردنا إتمام نضالنا من أجل الحرية". لم يكن أحد ليتخيل أن يَصبَح ذلك المستقبل بعيداً إلى هذا الحد، وأن يكون الوضع اليوم، إن أمكن، أكثر قتامة مما كان عليه في زمنه.

غسان كنفاني: رجالٌ في الشمس - وقصص أخرى من فلسطين.

 ترجمة فايز كنفاني، جون داهي، إليزابيث موستروب، وأولا برين.

دار غوتكيند للنشر. 282 صفحة.

(*) عن جريدة الشيوعي لشهر يونيو/ حزيران 2026 التي يُصدرها الحزب الشيوعي الدنماركي