
في أولِ أيارَ دخلتُ السجن الرسميّ، وسجّلني الضباط ُ
الملكيونّ شيوعياً، حوكمتُ – كما يلزم في تلك الأيام-
وكان قميص أسود، ذا ربطة ِ عنقٍ صفراء، خرجتُ
من القاعة تتبعني صفعاتُ الحراس، وسخرية الحاكم.
شاهدتُ مراكزَ توقيفٍ يملؤها القملُ، وأخرى يملؤها الرملُ
وأخرى فارغة ً إلا من وجهي.
يوم انتهينا إلى السجن الذي ما انتهى
وصيتُ نفسي وقلتُ المنتهى ما انتهى
يا واصل الأهل خبّرهم وقل ما انتهى
الليل بتنا هنا.
احتفل الليلة َ بالقمر الزائر من خلف القضبان، لقد رقد الشرطي،
وأنفاسُ (السيبة) مثقلة ٌ برطوبةِ شط العربِ، التفت القمر الزائر
ناحيتي، كنتُ أدندنُ في ركن ِ الموقف.. ماذا تحملُ لي في عينيكَ
هواءً ألمسهُ؟ وسلاماً؟ كان القمرُ الزائر يدخل بين القضبانِ ويجلسُ
في ركن الموقف، مفترشا بطانيتيّ السوداءَ، تناول كفي: محظوظ ٌ
أنتَ. وغادرني.. أبصرتُ بكفي مفتاحاً من فضة.
كل الأغاني انتهت إلاّ أغاني الناس
والصوت لو يشترى، ما تشتري الناس
عمداً نسيتُ الذي بيني وبين الناس
منهم أنا، مثلهم، والصوت منهم عاد
في الثالث من أيار، رأيتُ الجدران الستة تنشقُ ويخرجُ منها رجلٌ
أعرفه ُ، يلبسُ سروالا عمالياً، وقلنسوة ً من جلدٍ أسود، قلتُ له
كنتُ أظنكَ سافرت.. أما كان اسُمك َ بين الأسماء الأولى؟
أولم تتطوع في مدريد؟ أما قاتلت في اضراب النفط؟ أما شاهدتك
بين البرديّ تعبئُ رشاشاً؟ أما كنت منظّم جيش الشعب بسومطرة؟
خذ بيدي فالجدران الستة قد تطبق بين اللحظة والأخرى..
خذ بيدي.
31/ 3/ 1973
من ديوان (تحت جدارية فائق حسن) 1974







