(1)   : في كتابه (أصل الطيبة - نقد الهوية المصطنعة للبصريين) الصادر بطبعته الأولى سنة 2026 عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد/ شارع المتنبي؛ يُلزم الدكتور محمد عطوان نفسه بصفة (الباحث).. مبتعدًا عن كلمة (المؤلف) أو (الدارس) التي غالبًا ما يستخدمها الكتّاب عند وضع الهوامش الخاصة بهم. فنراه يكرر ذلك في هوامش الصفحات 48/ 62/ 83/ 92/ 113 من كتابه.

وباستبعادنا لمعنى (الدراسة) و(الدارس) كونها تدلّ، بالمفهوم الشائع، على "جمع المعلومات من خلال عمل ميداني، عن طريق الأفراد"(1).. أو بإجراء التجارب العلمية ضمن وضوع الدراسة.. فإنّ "الباحث هو من يقوم باستقراء مسألة ما واستنباط نتائج وأحكام خاصة بها"(1)..  الأمر الذي يتطلّب نهجا استقصائيًا استكشافيًّا للبحث عن أصل المشكلة المطروحة عبر ما هو متوفر من إصدارات وأبحاث سابقة. أما المؤلف فهو من يقوم بصياغة المعلومات في قالب سردي مناسب كأن يكون كتابًا أو مقالة أو غيرها من فنون السرد المعروفة. وربما يكون المؤلف هو غيره جامع البيانات.. إذا تقدّم إليه جاهزة بغية توحيدها والعمل عليها وفق ما هو مطلوب.

(2)   : وكما هو في عنوان الكتاب الرئيس (أصل الطيبة) يرى الدكتور عطوان في بحثه هذا أنّ "المطلوب معرفة الأصل المنشيء لهذه القيم التي تقدّمهم (أي البصريين) طيبين، وكرماء، ومتسامحين، وزهّادًا، ......؛ لأن ظاهر هذه القيم يتطلّب البرهنة على جوهرها، ومن ثم تحديد ملامحها بشيءٍ من التحليل والمنهجية الكافية"(3)؛ يعود الباحث إلى ما كُتب عن البصرة والبصريين في فترات سابقة مؤشرًا إلى أنّ المنهجيات المعتمدة في الوثائق والرسائل والمذكرات وكتب الرحلات لم تفلح في تقديم صورة تحليلية دقيقة تلامس جوهر ذوات البصريين وتكوينهم الإجتماعي العميق لانشغالها برصد النخب الإنتاجية في البصرة وبيان قيمها الطبقية وحياتها الاجتماعية وولاءاتها وعلاقتها بالسلطة متغافلة عن الطبقات المهمشة والمحرومة في المجتمع البصري؛ فاقتصرت على وصف (العامة) بوصف عابر غاب عنه التفصيل في وصف طبقاتهم الاجتماعية. وتلك الكتابات، وهي تنحو هذا المنحنى، تعرّض هذه الشريحة الكبيرة والمعزولة إلى الإنكار والإلغاء(4).. الأمر الذي يزيد من قناعة الباحث، انطلاقًا من عينه الفاحصة والتراكم المعرفي لديه، "أنّ ثمة روايات بديلة، أو وثائق دفينة، منسية، مهجورة، جديرة بالنبش، والاستخراج، والاستدلال، والتفسير، والإحياء للسماح لنا بقول شيء اكثر إقناعًا"(5).

(3)   : نتيجة لعدم توفر المصادر التي تمكن (الباحث) من دراسة أحوال العامة من الناس في المجتمع البصري، واقتصار ما توفر منها على متابعة الطبقة المخملية المتنفذة في المجتمع؛ نراه هنا ينطلق من دراسته بما هو متاح حول الجانب السياسي للمدينة للوصول إلى رؤية يستطيع معها تأكيد فرضيته بشأن طيبة المجتمع البصري.. خصوصًا وأنه، كمواطن بصري شأنه شأن كثيرين، يرى حضور الطيبة في مواضع وغيابها عن أخرى. فعمله الاستقرائي هنا أقرب لاختصاص عالم الاجتماع منه إلى المتخصص في الفكر السياسي المعاصر. وهنا لا نؤشر قصورًا في عمله لقناعتنا أنه يمتلك الأدوات التي تمكنه من تقديم رأي يمكن الانتصار له قدر تعلّق الأمر بالمصادر التي اعتمدها وعارض عمل منهجياتها "التي تستوعب تجارب الجماعات بالتذكّر المحمول بالعاطفة،..............، لأن قدرًا كبيرًا غير معلوم من الحوادث سقط من خزان الذاكرة، ويُراد تدبّر قدر آخر منه عبر المُتخيّل والمتصوّر، ...........، هنا يتطلّب الأمر توظيف مقترب جديد يكشف لنا الإضافات أو حتى سوء التأويل أو التزييف اللاحق على قراءة المجتمع البصري"(6).. وهو محقّ في ذلك.

(4)   : يستعرض (الباحث)، في صفحات عديدة ومتفرقة من كتابه، التاريخ المتاح عن مدينة البصرة منذ العهد العثماني وحتى العصر الحديث. ويخلص، إضافة إلى ما ذكر عن التركيز على أصحاب النفوذ والامتيازات وأهمال شبه تام للطبقة المهمّشة.. يخلص إلى أن البصريين، طوال تأريخهم، لم يحكموا أنفسهم، وأن جميع من استلموا المناصب والمهام العامة في المدينة كانوا من خارجها. فمع وجود "ملّاك وموظفين بصريين...........، منخرطين في ماكينة السلطة، لكنهم.......... كانوا مجردين من هذه السلطة وامتيازاتها بالمعنى الفعلي الطبقي الدقيق للكلمة"(7).. إذ "ظلّ الوجهاء المحليون في موقع دوني، يُعاملون بوصفهم أدوات خدمة او ماهيّات لا يُكترث بها" ص83؛ الأمر الذي لم يمكّن البصريين من التعبير عن أنفسهم خصوصًا وأن بعض ممثلي المدينة لدى السلطة المركزية تماهوا في مواقفهم مع آيديولوجيا المركز للحفاظ على امتيازاتهم مؤكدين حالة الاستلاب التي يرزح تحتها المواطن البصري (ينظر ص72). وحيث أنّ السلطة، كما يرى د.محمد عطوان ص29، تمتلك "أدوات لها القدرة على تمثيل "الآخر" العاجز عن تمثيل ذاته، وتقديم صورته للعالم".. تأتي هذه السلطة لخلع صفة (الطيبة) على البصريين كتعويض عن حالة الاستلاب، وهي لا تفعل لك بنية حسنة (ص39).. بل "هو نوع من المديح النفعي الذي تستخدمه السلطات لإدامة السيطرة على ما دونها عبر إظهار سياسات الدعم والموافقة" (ص40).

(5)   : ولنا هنا أن نتساءل: لماذا يعجز البصريون عن تمثيل ذواتهم؟ وهل أن هذا التمثيل ينحصر بالطبقة النفعية التي ارتبطت مصالحها بمصالح السلطة؟ ألم تكن هناك طرق أخرى يستطيع بواسطتها البصريون إيصال أصواتهم إلى حكومة المركز.. هذا على فرض وجود هامش ديمقراطي يمكّنهم من ذلك قبل أن تستطيع الديكتاتورية البغيضة فرض سيطرتها على البلاد؟

ونرى أن الإجابة على هذا التساؤل قد توزعت على أكثر من مكان في كتاب د. محمد عطوان.. ويمكن إجمال ذلك بما يلي:

1-    "لا توجد مرجعية خارجية ملموسة تحدد مشاعر الألم عند البصريين، .......، فهم الوحيدون الذين يعيشون آلامهم منفردين؛ كتب الحيدري البغدادي صاحب كتاب أحوال البصرة عنهم: "إنهم إن أوذوا تحملوا، وإن كُلفوا بما لا طاقة لهم به قبلوا، وإن غُدروا سامحوا، وإن ظُلموا سكتوا"" ص90. وقد يكون ذلك نتيجة العجز عن تمثيل الذات.. أو أنه، مع صفات كهذه، ليس هناك من داعٍ لمثيل ذواتهم أصلًا.

2-    يرى (الباحث) ص110 أن البصريين لا يفعلون شيئًا لا عهد لهم به، وأنهم لا يسعهم تحرير أنفسهم في ظلّ قوانين مختومة بإرادة مركزية. وقد استثنى من ذلك أحداث الثاني من آذار من العام 1991 التي كانت لها أسبابها وظروفها الخاصة.

3-    في ص129 من الكتاب يفرّق (الباحث) بين المجتمع البصري، الذي يرى أنه أفراد مرتبطين بأواصر اجتماعية متخلخلة، نتيجة تنوّع واختلاف التركيبة السكانية فيها، وبين مجتمع متماثل ينحدر أفراده من عناصر قبلية واحدة أو من عشائر ترتبط بأواصر مصاهرة.

ولسنا هنا في معرض الاتفاق أو الاختلاف مع د. محمد عطوان.. إلا أن ذلك، في حال كونه صائبًا، يؤشر حالة الفشل وعدم النضوج في جميع الأحزاب والجمعيات والحركات السياسية الأخرى في شرح منهجها وأهدافها لاستقطاب شريحة واسعة من المهمشين خارج مراكز المدن.. دون الإشارة بإصبع الاتهام إلى الهدف الأساس من وجودها لم يكن ذلك!

 (6)   : إنّ وظيفة الباحث، كما ينقل د.محمد عطوان ص83 من كتابه عن إدوارد سعيد، "ألّا يُطمئن جمهوره، بل أن يُثير الجرح، والمعارضة، والاستياء أيضًا. وهو، في مؤلفه هذا، يثير جرحًا لدى الكثير من البصريين وهو يرى أنّهم "......قد تولّهوا بهذا الوصف، بل ذهبوا بدلالاته ومعانيه المغوية إلى مغالطة العقل، فصدّقوه، واحتازوا غثره ضربًا من التمييز الآسر، المعوض لهم عن تواريخ الغُفلان الطويلة، والتنحية، والاقصاء التي خضعوا لها؛ فحفظهن وجوديًّا" ص45.. وأنّ (الطيبة) التي يوصف بها البصريون هي "نوع من المديح النفعي الذي تستخدمه السلطات لإدامة السيطرة على ما دونها" ص40. فـ(الطيب) هو ما تراه أو مَنْ تراه السلطة طيبًا.

هذا ما توصل إليه د. محمد عطوان في بحثه الشيق، والمهم، والمغاير. وربما هناك من سيأتي بنتائج مغايرة حين تتاح له فرصة الحصول على مصادر تتناول بشيء من التفصيل حياة البصريين في كل طبقاتهم الاجتماعية: العليا والمهمشة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): ما هو الفرق بين البحث والدراسة- مركز تيمز أكاديمي- .www.teams-academy.com.  

(2): عبد الجليل زيد المرهون/ من هو الباحث/ جريدة الرياض- الجمعة 26 ذو القعدة 1438هـ- 18 أغسطس 2017 م.

(3) : أصل الطيبة - نقد الهوية المصطنعة للبصريين – ص96.

(4) : المصدر السابق – ص19، ص26.

(5) : المصدر السابق ص18.

(6) : المصدر السابق ص22-23.

(7) : المصدر السابق ص69.