
ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد.
ومن بين ذلك الصدى الممزق، تتساقط الأسئلة بلا جواب، فلا يبقى سوى ردود غامضة تلقي بظلال الشك في دوامة البحر، حتى تغرق الحقيقة رغم وضوحها. ومع ذلك، كلما مدّ يده ليلمس الوضوح، انقلب إلى غموضٍ أشد، كأن العالم يتآمر ليبقى بلا منطق.
كل سؤالٍ يتهاوى كحجرٍ في بئرٍ بلا قاع، فلا يُسمع له ارتطام، ولا يُرى له أثر، سوى دوامة تتسع في العتمة. ثم، حين يخيّم الغموض كستارٍ كثيف، كل جدار يهمس بأسرار لم تُفكّ شفرتها، ومن بين تلك الهمسات تتصاعد أصوات مبهمة تطمس الحقيقة عند ممر الحسم. تحمل بذور الموت لتزرعها في حقول التشويش، وتنقض كالطيور الداكنة على يقين الأسئلة لتنهشه في مهدها.
تتداخل الأصوات كأنها خيوطٌ متشابكة، لا يعرف المرء أين تبدأ ولا أين تنتهي، لتصنع شبكةً من الغموض تحاصر العقل والروح معًا، وتعاظم يقين هذا الكائن أن المجهول خلف الضباب يتسع بلا نهاية، كلما انحدرت الغيوم المثقلة لتغلق حافات العالم عند الأفق القريب؛ ذلك الأفق الذي غدا سرابًا يسكن في النفس كمستقر، كظلٍ ثقيل يلازم الروح ويغرقها في دوامة القلق.
هناك، في لحظةٍ يائسة، يبدو أن الضباب ليس مجرد ستارٍ خارجي، بل امتدادٌ لارتباكٍ داخلي يثقل الكائن ويضاعف غربته.
وفي ومضة خاطفة، ينفتح الامتحان الحقيقي: فرزٌ صارم بين مواطن الصدق ومكامن الكذب. هناك، في مرآةٍ مكسورة، يطل نصف وجه ببرودٍ صقيعي ساخر، فيما النصف الآخر يذوب في شمعةٍ تتوهج على الرغم من آلام الاحتراق.
وما بين المرآة المكسورة والشمعة المشتعلة، يتردد صدى سؤالٍ أبدي: هل يمكن للصدق أن ينجو من الاحتراق، أم أن الكذب وحده يعرف كيف يتجمد ليبقى؟
وهكذا، يبقى الوجه الممزق شاهدًا على امتحانٍ لا ينتهي، بين صدقٍ يتوهج رغم الاحتراق وكذبٍ يتجمد في صقيع السخرية، تاركًا السؤال معلّقًا بلا جواب.







