
وأنا أقوم بترشيق صحف مكتبة البيت، عثرتُ على أحجار كريمة من الصحف المحلية منها: ملحق ثقافي أصدرته (الأخبار) في البصرة: الأربعاء 25 شباط 2004 عنوان الملحق (حارس الفنار) بتوقيت الذكرى الثانية لرحيل الشاعر البريكان، صحيفة (الأخبار) بقيادة الأستاذة الدكتورة جوليانا داود يوسف والأستاذ الصديق خالد السلطان، الصحيفة تصدر عن شبكة الإعلام العراقي/ المنطقة الجنوبية. شارك في الملحق كوكبة من أدباء البصرة.
(كتابة الفجيعة)
وقفتي جعلتها في مساهمة الأستاذ محمود عبد الوهاب عنوانها
(في الطريق إلى الشاعر) تحتوي عنوانين فرعيين
(1) فوبيا
(2) الصورة
تحت العنوان الأول يضمّن أستاذنا محمود عبد الوهاب نصوصا من ملحمة كلكامش وتحديدا لحظة موت أنكيدو. لن انقلها هنا بل سأنقل ما يخص مشاعر الأستاذ وعما جرى وتحديدا عن كيفية كتابة الفجيعة (أحياناً أكتبُ نصوصاً وخواطر لا قصصاً، أحتفظ بها لنفسي ولا أجرؤ على نشرها لأنها لا تعني الآخر، بل تخصني وحدي، إن لم أفعل ذلك، إن لم أكتب تلك النصوص يظل ما في داخلي مقلقاً حتى تتساقط أوجاعه على الورقة.) في هذه الوحدات السردية، يفشي أستاذ الأساتيذ سراً للقارئ. وشخصيا حدثني عن ذلك، من خلال لقاءاتنا شبه اليومية هو وأنا ورأيت أحيانا بعض ما كتبهُ، وسيجد القارئ هذه النصوص في (الكلام عمّا جرى) ص562/ محمود عبد الوهاب/ الأعمال الكاملة دار شهريار/2022
(*)
ينتقل الأستاذ إلى تلك الليلة الدامية (تلك الليلة، عندما كان جسد الشاعر مشحونا بالطعنات، وعيناه مفتوحتين على سعتهما، خذلتني رائحة موتنا جميعاً، تناولت دفتري السميك وكتبتُ:
الفجيعة أن تفتح عينيك، ذات صحوة، وتجد عمرك لا يصلح لشيء، الفجيعة أن تبكي وحدك، أن تحدّق إلى سريرك، الغطاءات كما هي ولا أحد. الفجيعة أن تعي الفجيعة).
ما كتبهُ في دفتره، صار يعيشه الأستاذ محمود عبد الوهاب بعد رحيل شقيقته(نظيمة) طيّب الله ثراها، كانت شقته في الطابق الثاني ضمن بيت احدى قريباته. لا أحد معه سواه، في الشقة
خزانات الكتب في الهول. المطبخ الصغير الأنيق، غرفة المكتبة، غرفة شقيقته، غرفة نومه، على السرير راديو أصفر صغير يهمس في وسادته، عندما يستلقي، إلى النوم يوصله، صوت المذياع، تجاور السرير منضدة أنيقة مزدحمة بالكتب وهناك رواية باللغة الإنكليزية أهداها له شاعر عراقي، يسحب ثلاث أوراق ويسلّمها لي : سطور بالقلم الرصاص سطور أنيقة مثل سجايا الأستاذ. فيها خاتمة روايته (رواية بحجم الكف)
(*)
ننتقل للعنوان الفرعي الثاني من مقال الأستاذ(الصورة)
(عندما سألني الصديق في ما إذا كان في نيتي المشاركة في الكتابة عن ذكرى رحيل الشاعر محمود البريكان، رجاني
في الوقت نفسه، أن أرفق صورة فوتوغرافية تجمعني والشاعر توثيقا لتاريخ العلاقة التي كانت بيننا وتنويعاً للفضاء الطباعي بين الكتابة والصورة إجراء يكاد يكون مألوفاً في تقاليد الصحافة) ما يقوله أستاذنا وما يطلبه منه لا خلاف عليه، لكن قد يختلف المريد مع شيخهِ، حين يقول الشيخ (إن ما يعزّز علاقة الآخر بالأخر هي صورة تجمع بينهما في مناسبة ما) الآن وأعني قبل سنوات من الآن بعد انتشار التواصل التقني، صارت الصورة لا تنضد ضمن شهود عدول، بالمناسبات الثقافية، أو الاجتماعية، أو التلاقي بالمصادفة يتلقط أحدهم صورة مع أحد المشاهير في الأدب وغير الأدب، علما أن (أحدهم) يريد فقط أن يشتهر بالمجان، ويكسب تفوقا تقنيا رقمياً !!
(*)
يعود الشيخ ليؤكد (ومع استعادة الزمن المفقود قد تتحقق في علامات الكتابة) والشيخ من الصادقين، فقد كتب في مجلة الأقلام في تسعينات القرن العشرين العدد الخاص المكرّس للشاعر البريكان عن بداية علاقتهما أثناء سنوات التلمذة، وهناك مقالة في(شعرية العمر) بعنوان (الغجرية التي أحزنتنا ذلك المساء) فيها يروي الأستاذ ما كتبه صديق عمره القاص والروائي مهدي عيسى الصقر(صباح هذا اليوم، عدتُ إلى قراءة رواية (المقامة العصرية) للروائي الصديق الراحل مهدي عيسى الصقر، وهي حكاية مدينة، أتخذ منّا مهدي، أبطال روايته، السيّاب والبريكان وسعدي والصقر وأنا/ 313/ محمود عبد الوهاب / الأعمال الكاملة/ دار شهريار/ ط1/ 2022/ البصرة) السيّاب يبادر ويطلب من الغجرية أن تكشف ستر مصائرهم، فكانت الصدمة
بدر: يموت مبكراً في أرض ٍ غريبة.
مهدي: أراك تحت نجم آخر
محمود: تعيش حياتك بِلا رفيقة درب.
سعدي: تتقاذفك البلاد الغريبة
البريكان: مصير فاجع
(*)
يقول أستاذنا (الصورة لا تكذب) بتاريخ 25 شباط 2004 وهذا التاريخ مثبت في أعلى صحيفة (الأخبار) والأستاذ من الصادقين
لكن في هذه السنوات صارت الصورة مشكوك في أمرها والفضل يعود لسوء أخلاق الذكاء الاصطناعي
(*)
سيبحث الأستاذ ضمن أرشيفه الخاص الزاخر والعميق عمق نصف قرن عراقي محتدم، وبشهادته (.. واثقاً بأن آصرة ثقافية حميمة على مدى أكثر من نصف قرن لا تخلو بالتأكيد، من صورة مشتركة) ثم يستدرك قائلا (غير أنني بعد استغراق في الاسترجاع والتذكر، فوجئت ُ بأنني لا أمتلك صورة تجمعنا على الرغم من الصداقة الحميمة والطويلة والهم الثقافي والإبداعي المشترك) لا صورة َخلال نصف قرن تجمع المحمودين الصديقين!!
(*)
الأستاذ رأيت ُ له صوراً كثيرة مع الأدباء العراقيين. إذن الغائب عن الكاميرا هو البريكان، ويستدرك أستاذنا (لا أدري لماذا استثنيت نفسي واستبعدتها عن هذا التقصير، ربما كان هذا من حيل اللاشعور ودوافعهُ في تبرئة الذات وتجنيبها اللوم. غير أن المسألة لا تنحصر في ارتياب البريكان بكل ما هو خارج عما يألفه. لكن المفاجأة التي لا تصدق أن صديقاً قريبا من البريكان مثلي. عاش معه منذ مرحلة الدراسة المتوسطة حتى قبيل رحيله
بأيام معدودات، لا يحتفظ له بصورة مشتركة، تلك مسألة لا بد من الحفر في أسبابها، لكي تتضح المسألة أكثر، كنا نلتقي في الخمسينات، نحن أصدقاء البريكان، الشاعر الكبير السيّاب، والشاعر رشيد ياسين والروائي مهدي عيسى الصقر وأنا، في نهاية عطلة الأسبوع في مقهى البدر، أو في بيت صديق، لماذا لم يبادر أحدنا إلى التقاط صورة جامعة لنا...؟ أيرجع ذلك لسبب غير فردي، سبب جمعي، سبب يتصل بالعصر مثلا؟) ثم ينتقل نقلة زمنية كبيرة، الكلام عند أستاذنا: (على العكس مما يحدث اليوم، يحرص الشباب من الجيل الجديد، على أن يوّثق لقاءاته بالصوّر. يحملهم الزهو بالتقاط صورة تجمعهم بمبدع مرموق من مدينتهم، إنهم يؤرخون حاضرهم، كما ينطوي هذا الحرص، على تقديرهم للمبدع الذي يتحلقون حوله في الصورة
(*)
يسأل الأستاذ نفسه (هل كان وعينا بسيولة الزمن واندثاره ضعيفاً.؟ ) يبرر ذلك بقوله: (أيعود ذلك إلى أن الكاميرا في مرحلتنا لم تكن منتشرة مثلما هي اليوم...؟) كأن الأستاذ يشعر أن هذا التبرير لا يجدي. لذا يصرخ عاليا (لماذا لم تجمعنا بالبريكان صورة ما؟
(حاشية فائضة)
يختم مقالته أستاذنا (أسباب متعددة، شعورية ومكبوتة، فردية، وعامة. غير أن الصورة التي تركها البريكان في حياته تلك التي
يتكرر نشرها في الصحف والمجلات الأدبية، والتي يبدو فيها البريكان وحده: عنقه ُ متصلبة، وعيناه مزورتان، وكتفاه ضيقان.
(أمراء الكلام)
هم الآن أعمق من صورهم، وحضورهم أجمل فينا نحن الذين كنا من المحظوظين، جالسناهم في الحراك الثقافي، وجعلوا من بيوتهم مضافة ً لنا، سافرنا معهم، وبتنا معهم في غرف الفنادق وقوّموا اعوجاج إبداعاتنا بأناملهم وهمساتهم فوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
سلام ٌ عليهم. ورحمة ٌ من الله وبركات







