
سافرتُ في سفينة النبي نوح
مرتجلاً قصائداً عن التاريخ والالواح
قوافلٌ من كل صنفٍ وفروع من بشر
وكانت المقاعد الأبنوس بالألوان
حمراء، أو صفراء، أو خضراء، أو سوداء، او رماديةْ
مملوءة الخيول والصبايا والصبيان
وكان نوح باحثاً عن حائط اليأجوج والمأجوج **
يقود ثلةً من الشبان في التقديس والترتيل
يا ربنا العزيز"
لا تهدمَ السد البغيض
لأنها نهاية
وكنت جالساً أرتل الدعاء
أعيد ما قرأت في شغف المسامير على الجدران
وفي المسلات القوانين القديمة
ثم غفوتُ صائما عن الكلام
كي لا أرى نفسي دليل
أجوبُ راحلاً
في المدن السباء
وألطمُ الوجه العصي في العزاء
دعست حالتي هباء
وتائهاً في غرف القير السعير
ورحت راكضاً وباحثاً
عن صالةِ الحطاب في الغياب
هرمتُ من قلقي ومن صوت النحيبْ
هرمت واقفاً ولا سقوط
نحيبٌ لا مجيب لا خطيب
وقلت يا حطاب يا فتى
يا قاطع الأجساد والظلال
في مدن العميان والنساء
تموء كالقطط الأليفة في البيوت
أشجار غابات الجبال تقلق من نذير
لانهمْ نقشوا مقابض الفؤوس بالرؤوس
في كل فأسٍ قاتل مأجور
وجَمّلوا مسارح المدينة الرعناء بالدماء
عبدوا التماثيل الغبية
لكل وجهٍ مسرحاً مجبول بالحَناء
ومن النصوص سُلّم التاريخ معقول
ولكل فعلٍ ردة من شاهقٍ
ومطلبٍ معلول
والناس صاحوا في ثبور
يا رب هذي الفأس في المحراب
يا خالق القطع وقاطع الألقاب
"سخر لنا الرياحْ" في مدن الضباب
وأكشف لنا البحار
وافتح لنا الطريق
كي نهزم الغول التتار..
إني هنا لا ماء ينقذنا ولا سماد
فالأرض عندنا خواء
ثمراً من العث رماد
عش الغراب قامتي
ومسكناً لنعيقه المرتاب
إني هنا شجرٌ من المطاطْ
أنهكها الهرم العقيم
بالفأس هيا لا تؤخرني
واجعل قامتي رفيقة الندم
حتى تُقَطّع وقفتي..
كقول أشجار البراري في الرياح
يا ريحَ هزيني ولالا تستري عقمي
فهذه الاغصان من جسدي رماد
فان بقتْ مصفرةً
صار الحديد سلاسلاً ومسلةً مُصَغرة
والشعر في رحم الصحاب معفرةْ
يا أيها الحطاب أنقذني من العذاب **
فأنا اشيخ دوائراً مستعرة
وذابلاً اصيح
يأخذني ارتياب
جسدي ضلوع يابسات
تشدّه حبال من يباس
من قنبٍ محفوظ في القباب
أليس أشجار الشتاء ظلال من ورق نحيف؟
تموت في صمت ومن سكوت
تموت واقفة كالتوت**
تنبض من أسى
من كثرة الترنيم والتنجيم في الخفاء
وانا اشح من العطاء
مصاحباً نوح النبي الى اليباس
وناسياً طوفانه العقيم
أبحثُ في الأشجار عن معنى يقاس
والناس من رحم الخيال
تَذبل كالأوراق في عزّ التماس
لتعرف الاحياء كالأموات
وتسخر الحياة من حياة الراقدين
الفاقدين في ارتياب
النائمين على التراب
ـــــــــــــــ
** قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (قرآن كريم ) وقيل هم من علامات القيامة ونهاية العالم.
** فيديريكو غارثيا لوركا : أيها الحطاب / اقطع ظلي/ خلصني من العذاب
** الشاعر والمسرحي الاسباني اليخاندرو كاسونا وُلد عام ١٩٠٣ وتوفي عام 1965 مسرحيته "الأشجار واقفة تموت " كان من أبرز رواد المسرح السريالي والفانتازيا في القرن العشري







