
يرى إن النهوض الثقافي الحقيقي في العراق يحتاج إلى أجيال جديدة مستقلة وجريئة
حاوره: علاء المفرجي
يوسف أبو الفوز، المولود عام 1956، قاصّ وروائي وإعلامي وناشط سياسي. عبر مسيرته الغنية خاض تجارب ثرية في الصحافة العراقية والعربية، وكذلك الفنلندية. وهو كاتب مثابر، دائم الحضور في المشهد الثقافي، وصاحب نبرة خاصة. اضطر في صيف عام 1979 إلى مغادرة وطنه مشيًا على الأقدام عبر الصحراء إلى الكويت، بعد أن أمضى عامًا ونصف العام متواريًا عن الأنظار، تحت وطأة المضايقات ومحاولات الاعتقال التي تعرّض لها من قبل سلطات النظام السابق. كتب في الصحافة الكويتية، ثم عمل ودرس في عدن مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يعود إلى كردستان في ربيع عام 1982، ملتحقًا بحركة الكفاح المسلح، التي صدرت له عنها عدة مؤلفات وثّق فيها جانبًا مهمًا من تلك المرحلة في الذاكرة السياسية والثقافية العراقية. وبعد جريمة الأنفال في كردستان، تشرد في عدة دول بحثًا عن سقف آمن. وخلال تلك الرحلة القاسية تعرّض للحجز والسجن في أكثر من بلد بسبب عدم امتلاكه جواز سفر قانونيًا. وقد أخرجته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من السجن في إستونيا، حيث قضى تسعة أشهر حيث وصل إلى فنلندا مطلع عام 1995.
ومن منفاه، تحت سماء القطب، كتب أبو الفوز نصوصًا تسلّط الضوء على تأثير الحياة الأوروبية في الأجيال المختلفة من المهاجرين واللاجئين العراقيين المقيمين في أوروبا وفنلندا، متتبعًا تحولات الهوية والذاكرة وأسئلة المنفى. وقد قال عنه الشاعر الفنلندي ماركو كوربولا، سكرتير الدورية الأسبوعية الفنلندية "البشير": (يوسف أبو الفوز منشئُ جسرٍ ثقافي، جناحه الأول في فنلندا وجناحه الآخر في العراق)، وذلك بمناسبة نيله جائزة الإبداع الفنلندية عام 2015.
ما المصادر والمراجع (حيوات، أحداث، مكان النشأة الأولى) التي أثّرت فيك وجعلتك تميل إلى الأدب؟
- تشكّلت حياتي عبر ثلاث دوائر رئيسية متداخلة: العائلة، المدرسة، والبيئة الثقافية والسياسية في مدينتي السماوة. ولدت في عائلة فقيرة، لكنها قريبة من عالم الكتب والفكر التقدمي ونضالات اليسار العراقي. كانت الكتب والمجلات جزءاً من حياتنا اليومية، فبدأ شغفي بالقراءة منذ طفولتي، ففي الصف الرابع الابتدائي، ضبطني أخي الأكبر وأنا أقرأ «العبرات» للمنفلوطي. في الوقت نفسه، شكلت معاناة الأسرة مصدر وعي مبكر بقضايا العدالة الاجتماعية، إذ كان ما أقرأه عن الظلم والفوارق الطبقية يظهر لي مجسداً في واقعنا، الذي دفعني للعمل منذ الصغر لتوفير مصاريف الكتب والسينما ومساعدة الاهل، فأثر في تكويني الاجتماعي والسياسي، وعزز شغفي بالقراءة والمعرفة. وكنت محظوظا في كل مراحل دراستي، بوجود مدرسين على مستو عال من المسؤولية، خصوصا مدرسي اللغة العربية، الذين اكتشفوا ميولي الأدبية المبكرة وشجعوني على قراءة الادب الكلاسيكي والتراث والادب الإنساني، والتعبير عن نفسي بالكتابة. وبدأت خطواتي الأدبية بكتابة أول قصة قصيرة في سن الثالثة عشرة. وايضا البيئة الثقافية والسياسية في مدينتي السماوة الحبيبة، التي لها تاريخ حضاري وثوري غني، وعاش فيها أسماء مهمة من الأدباء والمثقفين والقادة السياسيين. كذلك النشاط الطلابي والسياسي المبكر وسّع آفاقي الفكرية وعزز اهتمامي بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وجعلني أدرك مبكراً أن الكتابة أحد ادواتي الفاعلة لإيصال أفكاري للناس والتعبير عن همومهم والسعي لحياة أكثر عدلاً وكرامة.
وما هي أدواتك الأخرى؟
- النشاط السياسي.
يميل البعض للقول بأن الانتماء السياسي يلغي الإبداع، فهل توافق هذا القول، وكيف ترى كونك شيوعياً ومبدعاً في آن معا؟
- العلاقة بين المثقف والسياسة معقدة، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية والعراق كذلك، حيث يُنظر إلى المثقف غالباً كأداة إعلامية تابعة. في العراق، قد يطغى السياسي على المثقف، ويصبح العمل الأدبي أحياناً على هامش الاهتمام. شخصيا حاولت الحفاظ على التوازن بين الكتابة والنشاط السياسي، بحيث يدعم كل منهما الآخر. ان انتمائي إلى الحزب الشيوعي العراقي، الذي قدم الكثير للثقافة العراقية، كان إطاراً لممارسة النشاط الوطني بروح تقدمية، مع الحفاظ على استقلالية الكتابة فكرياً وإبداعياً. وتعلمت أن الأدب الحقيقي لا يجب أن يتحول إلى صدى أو تبرير للمواقف السياسية، بل يبنى العمل الادبي بشروطه الفنية. في روايتي (مواسم الانتظار ــ المدى 2021) حاولت تجسيد هذا التوازن بتعدد الأصوات والشخصيات، بما فيها الناقدة لتحالف الشيوعيين مع حزب البعث. لذلك أرى أن المثقف يمكن أن يكون فاعلاً سياسياً دون فقدان استقلاله، مدافعاً عن الديمقراطية وحرية الرأي داخل أي إطار تنظيمي.
جوابك يقودنا إلى التحاقك بحركة الأنصار الشيوعيين؟ ماذا قدمت لك هذه التجربة ككاتب؟
- التحاقي بحركة الأنصار جاء من قناعتي بأن المثقف يجب إلا يكتفي بوصف الواقع، بل يسهم في تغييره. في زمن العنف الشوفيني للنظام الديكتاتوري، كانت المواجهة تتطلب شكلاً متقدما من المقاومة. الأنصار لم يكونوا حملة سلاح فقط، بل حملة فكر وثقافة بديلة، فشاركت في نشاطاتهم المتنوعة، في الشعر والقصة، والمسرح، والرسم والغناء، وتوفرت الفرصة للتعلم من رفاقي الكتّاب والفنانين، مما عمّق اهتمامي بالكتابة وأكسبني أبعاداً إنسانية وفكرية جديدة. التحقت بصفوف الانصار في أيار 1982، واستمرت حتى صيف 1988، تلتها فترة احتجاز قسري في إيران حتى مطلع 1990. لم يكن الأنصار يواجهون النظام الديكتاتوري وحده، بل كانوا أيضاً في مواجهة الطبيعة القاسية. ومع مرور الأيام منحتنا التجربة صلابة وشجاعة، ليس في المواجهات العسكرية فحسب، بل في تفاصيل الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه كانت تجربة مراجعة للذات؛ إذ واجه الأنصار أفكارهم القديمة وسعوا إلى تجاوز السلوكيات البالية، وفي تلك الظروف القاسية بدأت، برأيي، بذور التجديد داخل مؤسسة الحزب الشيوعي العراقي. على الرغم من صعوبة تلك السنوات، فقد خففت المحبة والصداقة وروح التضامن من قسوتها. خلال تلك الفترة صدرت مجموعتي القصصية الأولى عراقيون (1985)، وهي أول كتاب أدبي يصدره الأنصار، وتبعها كتابة أعمال صدرت لاحقا (تضاريس الأيام في دفاتر نصير. المدى 2002)، (أطفال الأنفال. وزارة الثقافة السليمانية 2004)، مترجم إلى الكردية على يد الأستاذ محمد حمه صالح توفيق صدر عن دار سردم عام 2020، (وتلك القرى… تلك البنادق. وزارة الثقافة اربيل 2007).
كيف ترى دور المثقف وما يحدث في العراق بعد سقوط النظام السابق؟
- دور المثقف الحقيقي ما زال ضعيفًا ومحدودًا بسبب ظروف معقدة: غياب طبقة ثقافية متماسكة، ضعف المؤسسات الديمقراطية والثقافية وعجز بعضها، هيمنة أحزاب الإسلام السياسي والمليشيات الطائفية، استمرار سياسات تجهيل المجتمع، تدهور التعليم وانتشار الأمية، تدمير البنية المؤسسية للدولة، ثم المحاصصة الطائفية وانتشار الفساد. كثير من المثقفين يتحركون في «المنطقة الرمادية”، من دون موقف واضح، سواء بدافع الخوف أو الممالأة وفضحتهم انتفاضة تشرين. النهوض الثقافي الحقيقي يحتاج لأجيال جديدة أكثر استقلالًا وجرأة، ودولة مدنية ديمقراطية تحمي حرية الفكر وتمنح الثقافة دورها الطبيعي في بناء المجتمع.
من أين جاء اهتمامك بالسرد، وماذا عن الرواية الأولى؟
لم يكن اختياري للقصة والرواية قرارًا مبكرًا، ففي بداياتي كنت مشتتًا بين أجناس أدبية مختلفة، أبحث عن الصوت الذي يشبهني. تجربة العمل الصحفي خلال سنوات الدراسة الجامعية كانت نقطة التحول الحاسمة، إذ عملت مراسلًا طلابيًا لصحيفة «طريق الشعب»، وتعلمت مهارات الكتابة: التقاط الموضوع، متابعة التفاصيل، تنظيم المعلومات، وصياغة الأسئلة التي تفتح أبواب المعنى.
وترسخت لديّ القناعة بأن النثر هو فضائي الأرحب، وأن القصة ـ ومن بعدها الرواية ـ هي البيت الذي وجدت نفسي فيه، فحرصت على صيانته وتأثيثه بالكثير من الجهد والقراءة والتجربة. الشعر يلتقط الانفعال اللحظي، لكن الرواية تمنح فضاءً أوسع للحركة في الزمان والمكان، وتمكّن الكاتب من التوغّل في تفاصيل الحياة الإنسانية، تصوير تحولات المجتمع، رصد أحوال الناس، وطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالحرية والهوية والمنفى والحروب، وأوضاع المرأة، والاستبداد السياسي، والديني. تجربتي مع الرواية الأولى «تحت سماء القطب» (2010، دار موكرياني، أربيل) تبلورت بعد استقراري في فنلندا عام 1995، حيث توفرت ظروف التفرغ للكتابة، مع مساحة واسعة من الحرية، تراكم الخبرة الأدبية والاحتكاك بثقافة مختلفة، وكان ارتباطي مع شادان ، كشريكة حياة، دورا مهما كمصدر إلهام ودعم دائم.
يبدو واضحًا للمتابع لإصداراتك بأن المنفى والغربة ثيمة مركزية في أعمالك، كيف أثر المنفى على كتاباتك؟
- منذ وجودي خارج الوطن، لم يعد المنفى مجرد انتقال جغرافي، بل أصبح حالة إنسانية أعيشها بين ذاكرة الوطن ومتطلبات المكان الجديد. انعكس ذلك في أغلب أعمالي الروائية، حيث تصارع الشخصيات الهوية والانتماء الى الجذور الأولى مع محاولة التكيف في المجتمع الجديد. كانت الذاكرة محورًا لاستدعاء صور الطفولة والأصدقاء والأحداث التي أدت إلى الرحيل. في المنفى اتسع السرد ليشمل قضايا الحرية والاستبداد والحروب، محاولًا فهم تجربة المنفى وتوثيقها إنسانيًا. أكرر دائما بأن المنفي لا يقطع تذكرة باتجاه واحد، أذ يعيش العراقي المنفي صراع الحنين للوطن مع تحديات الاندماج، بما فيها العنصرية والتمييز والبطالة، فتصبح الكتابة أداة لحفظ ذاكرة الفرد والجماعة معًا.
في إصداراتك كتبت القصة والرواية، عن الأنصار والهجرة والنضال ضد الديكتاتورية، كيف تبني شخصياتك؟
- في الكتابة اعتبر الخيال هو أساس عمل الكاتب، ولكن من اجل منح هذا الخيال مصداقية عند القارئ يجري تعزيزه بشظايا وتفاصيل من الواقع المعاش، هكذا الجأ إلى اقتباس تفاصيل من عدة شخصيات من الواقع ومزجها لخلق شخصية جديدة تشبه الكل ولا تشبه أحداً. أميل مثلا لرسم شخصيات نسائية قوية، كرد على واقع المرأة العراقية الصعب، مستلهما شخصيات عاصرتها مثلما نجد في (مواسم الانتظار) و (جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي). كما تتوزع شخصياتي على مختلف فئات المجتمع العراقي، من صياد بسيط إلى المدرس والمترجم وسائق الحافلة، مع حضور الذاكرة العراقية وتجربة النضال والمنفى في خلفية هذه الشخصيات، للتعبير عن هموم الإنسان العراقي وأحلامه، سواء في بلده أو تحت سماء المنفى، فالعراق هو همي الأول دائما.
لاقى كتابك (طائر الدهشة)، الذي ترجم الى اللغة الفنلندية، قبولا عند القارئ الفنلندي؟
- صدر (طائر الدهشة) عام 1999 عن دار المدى، وترجمه الى الفنلندية الدكتور ماركو يونتنين وصدر في هلسنكي عام 2000، ولقي قبولاً جيدًا لدى القارئ الفنلندي. وقد وجهت لي وللمترجم دعوات عديدة من المراكز الثقافية والمكتبات العامة في مختلف المدن الفنلندية، وأُنتج فيلم وثائقي عن الكاتب والكتاب. كان الكتاب محاولة لفهم تجربة اللجوء من منظور اللاجئ نفسه، واعتبره كثيرون وثيقة إنسانية وثقافية تجمع بين التجربة الفردية وهموم المجتمع العراقي في المنفى، مفعمة بالتأمل والدهشة. كما نُشرت مراجعات نقدية في الصفحات الثقافية للعديد من الدوريات الفنلندية، أشادت بالكتاب كعمل أدبي يقدم صورة مباشرة لتجربة المنفى وصراع الاندماج في المجتمع الجديد، ليصبح بذلك جسرًا بين ثقافات مختلفة ومرآةً لتجربة المهاجر في أوروبا.
وماذا تخبرنا عن روايتك كوابيس هلسنكي؟
- صدرت روايتي (كوابيس هلسنكي) عن دار المدى في خريف 2011 بعد إنجازها عام 2008، وهي تترجم الان الى اللغة الإنكليزية، وتنتمي إلى أدب المنفى العراقي. تدور أحداثها بين العراق وأوروبا، لتعكس معاناة العراقيين تحت العنف والإرهاب وقمع النظام الديكتاتوري، كما تتناول ظاهرة الجماعات المتطرفة المـتأسلمة في أوروبا وخطر أفكارها على المجتمعات الديمقراطية، وعلاقتها بالجرائم الإرهابية المرتبطة باسم الدين في العراق. اعتمدت الرواية على المزج بين الواقعي والرمزي، والوثيقة والخيال والحلم، مستفيدة من تقنيات السينما في بناء المشهد الروائي، بهدف استكشاف جذور العنف والتطرف والتحذير من مخاطرهما. كما تسلط الضوء على أن هذه الظواهر ليست بعيدة عن المجتمعات الأوروبية كما يُظن، لتكون الرواية مرآةً لقلق الإنسان في المنفى وصيحة تحذير من الكوابيس التي يولدها العنف، التي يمكن أن تطارده أينما ذهب، بما في ذلك تجنيد الشباب المغرر بهم. واهمية الرواية تكمن كما اشرت في مقال لك ـ صديقي ـ نشر في المدى، الى أمكانية الادب لاستشراف المستقبل، فالرواية تحدثت عن منظمة إرهابية تجند الشباب المغرر بهم في اوربا، وتذبح وتسبي الناس وذلك قبل ظهور داعش رسميا بسنين.
صدر لك مؤخرا كتاب (سحر الشاشات) ما حكايتك مع السينما.؟
- صدر مؤخرا عن منشورات درابين كتابي (سحر الشاشات... متابعات في السينما والتلفزيون) ، وهو تتويج لعلاقة قديمة بالسينما بدأت منذ طفولتي. كنت مفتوناً بسحر الشاشة والصور المتحركة، حتى أنني كنت أهرب من بيت جدي لأقضي وقتي في صالة السينما، لأشاهد الأفلام أكثر من مرة. بعد الدراسة الإعدادية رغبت في دراسة الإخراج السينمائي في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، لكن القبول كان مقصوراً على البعثيين أو الحاصلين على تزكية حزبية، فحُرمت من هذه الفرصة. خلال دراستي الجامعية في البصرة (1975-1978) شدّت انتباهي كتابات نقاد مثل صادق الصائغ وقاسم عبد الأمير عجام وإبراهيم العريس، فدفعتني للبحث عن النقد السينمائي في الصحافة المصرية واللبنانية، ما جعلني أشاهد الأفلام بعين أكثر وعياً. في فنلندا عملت مع القسم الثقافي في التلفزيون الفنلندي، وقدمت سيناريوهين لفيلمين وثائقيين عن العراق: (رحلة سندباد (2000) و(عند بقايا الذاكرة 2006)، وحظي الأخير بقبول واسع، واختير لتمثيل فنلندا في مهرجان تربوي للسلام بسويسرا عام 2007. كما شاركت وللفترة (2012–2015) في إعداد وتقديم النسخة العربية من برنامج (بانوراما) التلفزيوني الإخباري الموجه للجاليات الأجنبية. هذه التجارب أضافت لي معرفة عميقة بالتعامل مع الصورة، فالسينما كانت دائماً معيناً مهما لي لتطوير أدواتي في الكتابة والسرد، وانعكس تأثيرها واضحاً في أعمالي الروائية، نلمس ذلك في (كوابيس هلسنكي) بإيقاعها السينمائي. وحتى بعد التقاعد، ما زلت مدمناً على مشاهدة الأفلام، هذه المشاهدات ا كثيراً ما تتحول إلى نصوص ومتابعات نقدية عن سحر الصورة الذي لا ينتهي بانتهاء العرض.
المتابع لنشاطك السياسي والصحفي والأدبي يلاحظ هذا التنوع والتعدد في منجزك: مجاميع قصصية، كتب مذكرات، مؤلفات أدبية مشتركة، أفلام وثائقية (سيناريو وإخراج)، فضلًا عن مئات المقالات في الصحافة العراقية والعربية والفنلندية. كما أن لديك عدة مشاريع أدبية، بعضها جاهز للنشر وبعضها قيد الإنجاز. كيف استطعت تحقيق كل هذا؟
- منذ سنوات شبابي الأولى تعلمت أن تنظيم الوقت ليس مجرد مهارة، بل أسلوب حياة. كما تعلّمت حكمة ظلّت ترافقني دائمًا: إن كل شيء يمكن تعويضه إلا دقيقةً ضائعة. لذلك كنت صارمًا مع نفسي في استثمار الوقت وعدم التفريط به. ومنذ أيام كردستان تعوّدت النهوض المبكر، ورسمت لنفسي نظام عمل واضحًا التزم به. وقد ازدادت هذه العادة رسوخًا خلال سنوات المنفى، حتى صارت جزءًا من إيقاع حياتي اليومي. ولهذا أقول للشباب مازحًا، إن يومي ثلاثون ساعة، لأنني أحاول ألا أترك دقيقة تمرّ من دون استثمارها في القراءة أو البحث أو الكتابة.
أما شادمان، شريكة حياتي، فأستطيع القول إنها ربما من النساء المحظوظات في هذا العالم؛ فهي تعرف أين تجدني في أي لحظة، لأنها تعرف مسبقًا برنامجي لأيام طويلة. فجدول عملي دقيق، أكون فيه صارمًا مع نفسي، مع حرصي على ترك مساحة لعائلتي وأصدقائي، غير أن المساحة الأوسع تبقى دائمًا لعملي ونشاطي الثقافي.
مرت على أقامتك في فنلندا، أكثر من ثلاثين عاما، تتحدث عدة لغات اجنبية، حاصل على شهادات تعليمية مختلفة، عملت في وظائف مهمة، منها باحث جامعي، معد ومقدم برامج في التلفزيون الفنلندي ومدير مشاريع ثقافية، كيف تنظر الى تجربتك فيها؟ هل تعتبر نفسك كاتبا عراقيا أم فنلنديا؟
- مرّت أكثر من ثلاثة عقود على إقامتي في فنلندا منذ وصولي لاجئاً عام 1995، وكانت تجربة غنية إنسانياً وثقافياً. وفرت لي فنلندا الأمان وحرية التعبير، وأتاحت لي الانخراط في الحياة الثقافية ككاتب وصحفي، وبناء علاقات واسعة مع الوسط الثقافي والإعلامي، والمشاركة في فعاليات داخل البلاد وخارجها، وتمثيل فنلندا في مؤتمرات وندوات عالمية، وانتخبت لعضوية الهيئة الإدارية لمنظمة الكتاب والفنانين لأكثر من دورة، والتي في عام 2015 مُنحتني مناصفة مع شاعر فنلندي جائزة الإبداع، وكانت المرة الأولى التي تُمنح لكاتب من أصول أجنبية، كما كرّمتني مدينة اقامتي في عام 2016 بمنحي رايتها تقديراً لنشاطي الثقافي والاجتماعي. أكتب بالعربية، ولذلك تنتمي كتابتي إلى ثقافتها ولغتها، ما يجعلني أعتز بكوني كاتباً عراقياً، رغم ان هناك من يكتب عن كتاب فنلنديين يكتبون بلغات غير الفنلندية ويورد اسمي ضمنهم. في الوقت نفسه أنا مواطن فنلندي يحمل جنسية هذا البلد الذي أصبح وطني الثاني. وأحب النظر إلى تجربتي من زاوية أوسع وأرى أن الكاتب في جوهره مواطن كوني، ينتمي إلى الإنسانية، ويكتب دفاعاً عن الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية والكرامة أينما كانت.
نشر في المدى البغدادية 17 آذار 2026







