في قصيدة "أشجارها: فناجين منكفئة" من مجموعة (المغيّب المضيء)، نقف أمام نص يحفر في طبقات الوجود المأزوم، حيث يتداخل الذاتي بالجمعي، والمقدس بالمدنس، واليومي بالميتافيزيقي. العنوان وحده يحمل ثنائية عضوية كونية (الأشجار) تتحول إلى أدوات يومية هشة (فناجين) في حالة انكفاء وانغلاق. إنها استعارة كبرى لواقع عراقي وعربي يعيش حالة من الانكماش على الذات . والأشجار هنا، رمز الامتداد والحياة، تتحول إلى فناجين محدودة الحجم، ثم هذه الفناجين في حالة انكفاء، أي انغلاق على الذات. هذا التحول من الامتداد إلى الانكماش، من العضوي إلى المصنوع، من الحياة إلى الجماد، يلخص المأساة التي يعالجها النص. الفناجين أيضًا تحيل إلى طقوس يومية (القهوة) لكنها هنا فارغة من محتواها، منكفئة على لا شيء.

     يمنح الشاعر قصيدته بنية متكسرة تعكس مضمونها. المقاطع الستة ليست فواصل اعتباطية، بل هي محطات وجودية، كل منها يضيء زاوية من زوايا التجربة. اللغة الشعرية تمتاز بمكثفاتها العالية، حيث تختزل المشاهد الكونية في صور يومية صادمة: "زرقة السماء / على مشارف التابوت / اكتشفتُ المتحرك الأكبر / : رغوة الصابون". هذا الانتقال من السماوي إلى اليومي (رغوة الصابون) ليس مجرد مفارقة، بل هو إعلان عن سقوط الميتافيزيقي في حمأة المادة.

     في المقطع الأول، يقدم الشاعر ذاتًا ممزقة تتوزع بين صورتين: "على الجدار / صورتان لصوتي". الصورة الأولى "التقطتها شظية، باضتها خوذة" - هنا تتداخل عناصر الحرب (الشظية، الخوذة) مع فعل الولادة (باضتها) في صورة سريالية تعيد إنتاج الذات عبر العنف. أما الصورة الثانية فهي "ولادة قيصرية تنتظرها / بحبله يتدلى التلفون". الولادة القيصرية كناية عن الخروج القسري إلى الوجود، بينما التلفون المعلق يرمز لانقطاع التواصل، لصوت لا يصل.

     يتكرر حضور "حجر الله" في بداية المقطعين الأول والثالث، مشكلاً إطارًا تأسيسيًا للانطلاق: "من حجر الله / إلى الظلمة: أطلقني". هذا الانطلاق من المقدس إلى الظلمة يشبه السقوط الوجودي، أو الخروج من جنة الأمان إلى صحراء الاغتراب. لكن المقدس نفسه يتشظى في النص: هناك "الصليب" الذي يتوسط الدائرة، وهناك "الفتاوى" التي تفترس الذات: "قلت لليل: يا ذئب قف / فافترستني الفتاوى". الفتاوى هنا ليست مجرد نصوص دينية، بل قوى افتراس اجتماعي تلتهم الفرد حين يحاول التمرد أو حتى مجرد التعبير.

     يرسم الشاعر صورة مرعبة للمدينة في المقطع الثالث: "هنا / ترقد المرأة الواقفة". هذه المرأة التي ترقد وهي واقفة هي صورة التناقض الحي، كناية عن حياة تشبه الموت. المدينة "تمضغ أولادها الطيبين" في مشهد يخلو من أي رومانسية. حتى النهر "لا يخجل من عريه" - فالطبيعة نفسها فقدت حياءها في هذا المشهد المتفسخ. ليس هناك شمس ولا قمر ولا نجوم، فقط "المزبلة" التي تدفئها الشمس. هذا المشهد الكارثي يُختتم بسؤال صادم: "للعصفور / من أين صلافة الكونكريت؟". الكونكريت (الخرسانة) ترمز للتحول الصلد القاسي للواقع، والعصفور يمثل الهشاشة المهددة. السؤال استفهام عاجز عن تفسير كيف تحولت الحياة إلى هذه الصلابة.

     يتكرر نفي أدوات الهوية والحماية: "لا قبعة / لا معطف". هذا العري الرمزي يعري الذات أمام العالم. في المقطع الرابع، تتصاعد لائحة النفي: "لا مأوى / لا مسدس". ثم نصل إلى صورة الذروة: "بالشوكة والسكين / ماتناولت: أحلامها". أدوات الطعام (الشوكة والسكين) تتحول إلى أدوات حرمان، فلا الأكل يتم، ولا الأحلام تتحقق. ثم ينتقل النص إلى اتهام القصيدة نفسها: "فاتهموها بالقصيدة". الشعر هنا ليس مجرد تعبير، بل تهمة تستوجب العقاب. القصيدة متهمة "بلزوجة الدهاليز" أي بعلاقاتها السرية، أو بشمسها المختلفة: "التصقت بشمسها".

     في المقطع الخامس، تظهر "الشجرة" ككائن حي يعاني لكنه يصمد: "هذه الشجرة / لن تذبل / لن تتكرش / لن تنهار". النفي هنا يأتي بصيغة المستقبل النافي للانهيار. الأفعال الثلاثة (تذبل، تتكرش، تنهار) تمثل درجات التلاشي: الذبول الجسدي، التجعد (تكرش) الذي يحيل إلى الشيخوخة والعجز، ثم الانهيار الكلي. الشجرة تنفي هذه المصائر الثلاثة، إنها صورة الصمود رغم كل شيء. لكن هذا التأكيد يأتي بعد وصف دقيق لمعاناتها: "الأخضر اللزج: يتسايل / على جناح الشجرة / : يتراكم". هناك إفراز مؤلم، ربما هو الدم أو العرق أو مجرد سائل الحياة الذي يُستنزف.

     يبرز "التلفون" في النص كعنوان دال. في المقطع الأول "بحبله يتدلى التلفون" مشنوقًا أو معلقًا في الفراغ، وفي المقطع الأخير "للذكرى / ذكرياتي: بالبراءة متهمة". التلفون وسيلة التواصل التي تتحول إلى أداة للعزلة، والذاكرة التي يفترض أنها تحفظ الماضي تتحول إلى متهمة. هناك لعبة مركبة بين الحضور والغياب، بين الصوت والصمت، بين الذاكرة والنسيان.

 يلفت الانتباه استخدام الشاعر للمسافات والنقط ( : ) بشكل متكرر. هذه ليست مجرد علامات ترقيم، بل هي فراغات دالة تخلق توقفات درامية، وكأن النص يلهث أو يتأمل. في كثير من المقاطع، يأتي السطر الشعري ثم نقطتان ثم جملة مكثفة: "استبقا: تباطأ الغلام" أو "تذوقتُ: زرقة السماء". النقطتان هنا تخلقان علاقة تفسيرية أو تأكيدية، لكنها تفسير لا يوضح بقدر ما يزيد الغموض شعريًا.

     يمتاز النص بقدرته على تحويل اليومي إلى مطلق. "رغوة الصابون" تتحول إلى "المتحرك الأكبر"، أي بديل عن المحرك الأول الأرسطي. "فناجين منكفئة" تصبح وصفًا للأشجار. "البيوت على رؤوس الأصابع" صورة معمارية مستحيلة تجسد حالة الترقب الدائم. هذه التحولات تجعل من المألوف غريبًا، ومن العادي استثنائيًا، وهي من أبرز آليات الشعرية المعاصرة.

     يتحرك النص بين رغبة في الإطلاق (من حجر الله، إلى الظلمة: أطلقني) وتقييد قاسٍ (اتهموني، نسبوها، فافترستني الفتاوى). هذه الجدلية تخلق توترًا دراميًا يشد النص. كل محاولة للخروج والتحرر تواجه باتهام أو افتراس. حتى الشمس التي تمنح الدفء لا تدفئ سوى المزبلة. الأفق نفسه "يتقفص" أي يتحول إلى قفص.

     هناك لعبة زمنية في النص بين "الذكرى" (الماضي) و"الحلم" (المستقبل) و"اليقظة المدببة" (الحاضر). الذكريات متهمة، والأحلام لم تتحقق، واليقظة مؤلمة (مدببة كالسكاكين). "أحلامها: على يقظة مدببة / : وقتتها" - الوقت نفسه يُقتل أو يُعدم في هذه اليقظة المدببة.

     رغم أن النص لا يصرح بالهوية المكانية، إلا أن تفاصيله تحيل إلى الواقع العراقي: الخوذ، الشظايا، الفتاوى، الكونكريت، الدهاليز. هذا النص يلتقط روح عراق ما بعد 2003، حيث التفكك الاجتماعي، والعنف الطائفي، واغتيال الأحلام. "المدينة وهي تمضغ أولادها الطيبين" صورة دموية لبلد يلتهم أبناءه. لكن النص لا يقع في فخ التوثيق المباشر، بل يرتفع إلى مستوى الرمزية الكونية.

     في سياق متصل، يحضر صراع الشاعر مع السلطة بكل أشكالها (دينية، اجتماعية، سياسية) في أكثر من مقطع. اتهام القصيدة، الافتراس بالفتاوى، النسبة إلى "مشعلي الحرائق"، كلها إشارات إلى وضع المثقف في مجتمع يتهم الشعر ويحرق منابعه. "على عمود نور اتكأت / : الى مشعلي الحرائق / نسبوها" - الاستنارة (عمود النور) تتحول إلى تهمة، والاتكاء على المعرفة يُفسر كتعاون مع قوى التدمير.

     ويميل النص إلى السريالية في كثير من مقاطعه: "باضتها خوذة"، "ولادة قيصرية تنتظرها بحبله يتدلى التلفون"، "البيوت على رؤوس الأصابع". هذه السريالية ليست هروبًا من الواقع، بل محاولة لاختراق سطحه إلى أعماقه الأكثر رعبًا. السريالية هنا أداة معرفية، تكشف ما لا تراه العين المجردة.

     تنتشر في النص إشارات الماء: "النهر"، "المطر"، "رغوة الصابون"، لكن هذا الماء لا يحيي. النهر لا يخجل من عريه، والمطر يأتي مع "ليل مسلح" ومع "اتهام". الماء هنا فقد قدرته على الخصب، كما فقدت الشمس قدرتها على الدفء إلا للمزبلة. هذا العالم مقلوب، فيه الحياة تشبه الموت، والموت يتسلل إلى كل شيء.

     يتحرك ضمير المتكلم بين "أنا" و"هي" (أشجارها، أحلامها) و"هم" (فتشوني، جردوني، انتزعوا). هذا التعدد يعكس تشظي الهوية، حيث يصعب على الذات أن تثبت نفسها أمام الآخرين. الآخر هنا قوى نزع وتجريد، بينما الذات تحاول أن تحافظ على "خيولها" (أحلامها، طاقاتها) لكنها تفشل: "جردوني / وانتزعوا / خيولي".

     رغم خصوصية المرجعيات العراقية، يظل النص مفتوحًا على تأويلات إنسانية أوسع. إنه يصور معاناة الإنسان تحت وطأة سلطات متعددة: سلطة المجتمع، سلطة الدين، سلطة الحرب، سلطة الذاكرة نفسها. "الغلام" الذي "تباطأ" يمثل تردد الإنسان بين الخلاص والضياع.

     ينتهي النص بـ"للذكرى / ذكرياتي: بالبراءة متهمة". إنها نهاية مفتوحة، تعيدنا إلى البداية. الاتهام مستمر، والبراءة مشكوك فيها، والذكرى (ذاكرة الشعب أو الشاعر) تحاكم. لكن هذا القفل ليس نهائيًا، فهناك دائمًا إمكانية العودة إلى "حجر الله" وإعادة محاولة الإطلاق.

     في النهاية، تقدم قصيدة "أشجارها: فناجين منكفئة" نفسها كفعل مقاومة. إنها تكتب ضد النسيان، ضد الاتهام، ضد الانهيار. الشجرة التي "لن تذب / لن تتكرش / لن تنهار" هي القصيدة نفسها، وهي الذات الشاعرة، وهي أخيرًا الحياة التي تصر على البقاء رغم كل شيء. الفناجين المنكفئة قد تبدو هشة، لكنها تحمل في داخلها بقايا قهوة مرة، طعم اليقظة، وأثر شفاه ارتوت منها ثم انطفأت. هذا النص يذكرنا بأن الشعر، في أقصى لحظات عريه وعزلته، يظل قادرًا على أن يكون شهادة على زمنه، وأن يكون أيضًا، كما يقول أدونيس، "كتابة ضد السلطة، كل سلطة، بما فيها سلطة اللغة المألوفة".

     إنها قصيدة تضعنا أمام مرايا مكسورة، كل شظية منها تعكس وجهًا من وجوه مأساتنا الجماعية. لكن في تكسيرها هذا، ربما تكمن ولادة جديدة، انتظار خروج قيصري آخر، قد تخرج منه الذات إلى ضوء مختلف، إلى شمس تدفئ الجميع، لا المزبلة وحدها

 

(أشجارها فناجين منكفئة)

   (1)

   مِن حِجر الله

إلى الظلمة: أطلقني

على تلك الشجرة : الأخيرة ُ هي شمعتي

بيننا البين

مَن يؤثل خطوتي في الضلال؟

على الجدار

صورتان لصوتي

أحداهما : التقطتها شظية ٌ، باضتها خوذة ٌ

الثانية : ولادة قيصرية تنتظرها

بحبله

يتدلى

التلفون.

مَن يمتطي الخشبة َ

استبقا : تباطأ الغلامُ

         فهمتْ بالعائذ

(2)

لا قبعة َ

لا معطف لذكرياتي

عبر دائرة ٍ

يتوسطها صليب

 تذوقت ُ: زرقة َ السماء

على مشارفِ التابوت

اكتشفتُ المتحرك الأكبر

مركبتنا ضحية حيلة سينمية

ذات غيمة

كما تنظف سمكة ً

فتشوني

ما يجعلهم بساقٍ واحدة ٍ يقفزون

: ما وجدوا

جردوني

وانتزعوا خيولي

....................

مِن حلمي استيقظ

 لأزوده

بالوردة المسلحة

(3)

مِن حجر الله: أطلقني

هذه الشمسُ

لا تدفئ سوى المزبلة

هنا

ترقدُ المرأة ُ الواقفة.

لا شمسَ

لا قمرَ

لا نجومَ

لا النهرُ يخجلُ مِن عريه

لا المدينة ُ وهي تمضغُ

أولادها الطيبين.

قلتُ لليل: يا ذئب قف

.................

..................

للعصفور

من أين صلافة الكونكريت؟

(4)

لا قبعة، لا معطف

أشجارها: فناجين منكفئة

لا مأوى، لا مسدس

بالشوكة ِ والسكين

ما تناولت: أحلامها

ولا تصفحت الطهورَ الترابَ

بالقفاز.