في مراهقته، فتنته الكتب فالتوى وقته حولها كما تلتف النار حول فتيلها، وراحت الرواية تقوده إلى الشعر، والشعر يقوده إلى الفكر، والفكر يفتح له دروب النقد. ومع مرور السنوات، لم تكن علاقته بالكتاب مجرّد هواية، بل صارت قدراً معرفياً، وورطةً جميلةً في “زيت الكتب وسراجها”، كما يقول، ورطةً لا خلاص منها ولا رغبة في الخلاص. وها هو اليوم، على مشارف السبعين، ما يزال يرى في القراءة مشروع حياة، وفي الكتابة خلاصاً من العتمة، وفي المعرفة شكلاً من أشكال الطمأنينة.

بدأ مقداد مسعود النشر منتصف سبعينيات القرن العشرين، وبرز منذ وقت مبكر شاعراً وناقداً معاً. وفي عام 1974 فاز بالجائزة الأولى في النقد الأدبي في المسابقة التي تقيمها مديرية تربية البصرة عن مقالته الموسومة: «الإشارات والرموز في الجريمة»، ثم نالت المقالة ذاتها الجائزة الأولى على مستوى العراق ضمن مسابقة وزارة التربية. وفي العام نفسه عمل في المكتب الصحفي لجريدة طريق الشعب في البصرة، مشرفاً على صفحة الطلبة والشباب، ضمن المكتب الصحفي الطلابي.

في شباط عام 1976 نشر أول مقالة نقدية له بعنوان «الموت والمغني» في مجلة الطليعة الأدبية، وكانت قراءة في مجموعة القاص والروائي محمد عبد المجيد «موت المغني الذي ذكرنا برائحة البنفسج». ثم توالت مقالاته في صحف ومجلات مثل الراصد والمرفأ، الأخيرة التي كان يرأس تحريرها الإعلامي إحسان وفيق السامرائي. غير أن الظروف السياسية أجبرته عام 1978 على التوقف عن النشر، لا عن الكتابة، فظل يكتب في صمت حتى عام 1993 حين عاد بقوة إلى الصحافة والمجلات العراقية والعربية، فنشرت له الأقلام والأديب العراقي وآفاق عربية، كما نشرت له صحف ومجلات عربية وعالمية مثل القدس والعرب اللندنية، وألواح الإسبانية، وأصوات اليمنية.

وبعد ربيع 2003، أسهم في إصدار جريدة الحقيقة، لسان حال اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في البصرة، مواصلاً في الوقت نفسه عمله في طريق الشعب.

أما منجزه الإبداعي، فيكاد يشبه مكتبةً قائمةً بذاتها. من دواوينه ومؤلفاته:

الزجاج وما يدور في فلكه، المغيب المضيء، الإذن العصية واللسان المقطوع، زهرة الرمان، من الأشرعة يتدفق النهر، القصيدة بصرة، زيادة معنى العالم، شمس النارنج، حافة كوب أزرق، ما يختصره الكحل يتوسع فيه الزبيب، بصفيري أضيء الظلمة، يدي تنسى كثيراً، هدوء الفضة، أرباض، جياد من ريش نسور، الأحد الأول، قسيب، قلالي، أيميسال وتأنيث الكرسي، نزهات في نسوية التاريخ: كناية الديالكتيك… وغيرها من العناوين التي تكشف شغفه باللغة بوصفها طاقة كشفٍ لا مجرد أداة تعبير.

في شعره، يظل العراق حاضراً بوصفه ذاكرةً جريحة، وواقعاً مشبعاً بالتناقضات، وتاريخاً لا يهدأ. نصوصه ليست احتفاءً رومانسياً بالأرض، بل مواجهةً صريحةً مع الخراب والخذلان والقلق الوجودي. وفي النقد، يمزج بين المنهج التاريخي والحسّ الجمالي، فيقرأ النصوص داخل سياقها الاجتماعي والثقافي، دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ للمناهج الصارمة. هو ناقد يصغي إلى النص قبل أن يحاكمه، ويتعامل معه بوصفه كائناً حيّاً، لا وثيقةً جامدة.

ينتمي فكرياً إلى التيارات اليسارية، المناهضة للاحتلال والاستبداد، ويظهر ذلك جلياً في شعره ونقده معاً. لكنه لا يجعل من الإيديولوجيا قيداً يخنق الجمالي، بل يحرص على أن تبقى القصيدة نصاً مفتوحاً على الإنسان قبل أن تكون بياناً سياسياً.

في كتابه الشعري–النثري «رأيته يغسل الماء» تتجلى رؤيته الكونية المكلومة. هناك لا نقرأ نصوصاً متفرقة، بل نشهد تشريحاً شعرياً للوجود تحت وطأة القهر. الحياة في هذه النصوص تتكئ على هواء الهجير، وتنتفخ كطبل، وتتدلّى من قدميها عند الجزار. شخصياته تصطدم بجدران لا تُرى، وتعيش اغتراباً مضاعفاً عن الزمن والمكان، حتى إن ساعة المكتبة ترفضهم، وشمس الشوارع لا تحتضنهم. الألم هنا لا يصرخ، بل يهمس، والمقاومة لا تثور، بل تغني في الصمت.

وقد كتب الدكتور علاء العبادي عن نص «رأيته» بوصفه لوحةً فنيةً ترسم العنف الداخلي للإنسان الغاضب الذي يحطم الجمال والعلم والمعرفة دون سبب عقلاني. ذلك الكائن الذي يكسر الزجاج، ويحرق المكتبات والأشجار والمتاحف، ويستهدف الحياة في رمزيتها الكاملة، لكنه في نومه فقط يسمح للعالم أن يستعيد جماله. وهنا تتكشف المفارقة: وعيٌ تدميريّ في اليقظة، ولا وعيٌ يعرف قيمة الجمال في الحلم. ومن هذا التوتر يولد عمق النص ومرارته.

أما الأستاذ عبد الأمير الديراوي فيراه شاعراً وناقداً وإعلامياً لا يحمل معول الهدم، بل معول البناء، صريحاً، صادقاً، يحوّل النصوص التي يقرأها إلى حدائق مزهرة، ويغمره الفرح وهو يقوّم تجارب الآخرين، لأن هدفه ليس الإدانة، بل الكشف.

وفي حواراته، يكشف مقداد مسعود عن فلسفة خاصة في القراءة والكتابة. يقول إن الكتب أنقذته من حياته، وإن القراءة ليست سلاحاً بل صديقاً، وإنها أدخلته “قعر الجوزة” وجعلته ملكاً على الرحاب اللامحدودة. وهو يرى أن الناقد الحقيقي يجب أن يخلع جبة القاضي، وأن يجالس النص مجالسة تعارف، لا تحقيق. القراءة عنده نزهة سعيدة في فضاء النص، وتمرين على أن نعيش الحياة شعرياً، حتى في كتب الاقتصاد والعلوم والتاريخ.

هكذا يتجلى مقداد مسعود:

شاعرٌ يرى في القصيدة مصير العالم، وناقدٌ يرى في النص حياةً أخرى، ومثقفٌ يساريّ لم يساوم على قناعاته، وإعلاميّ ظلّ وفيّاً للثقافة بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة. إنه واحد من أولئك الذين صنعوا من الكتاب بيتاً، ومن القراءة وطناً، ومن اللغة سراجاً لا ينطفئ.

المقالة منشورة في صحيفة (التآخي) 29 كانون الثاني 2026