
كتابتي من نتاج قراءتي الثانية لرواية عباس بيضون (الشافيات/ دار الساقي/ بيروت/ ط1/ 2014) ومقالتي
تتوقف عند شخصية جلال فقط.
(*)
السطر الأوّل في الرواية، بصيغة خبر يعلنه سائق السيارة لراكب لم تتضح ملامحه للقارئ بعد، ونحن قراء الرواية، نحصل على الخبر من الراكب/ السارد : (كان السائق يقول إنهم أحرقوه عمداً ليحصلوا على ثمنه مضاعفاً ثلاث مرات) في السطر الثامن يبوح للقراء، وليس للسائق بالسر التالي( هبّت النار بالمركب أمام عيني) ويخبرنا السارد( جلال) وهو الشخصية الرئيسة في الرواية، انه طار من قبرص وجاء ربما ليعالج قضية المركب، لكن سبقوه مشعلو الحرائق (اندلع لسان نار في الوسط وارتفع، حرّكه الهواء فماج ثم انتصب بمحاذاته لسان آخر، لم يطل الأمر حتى اشتعل الوسط برّمته..) وهذا يعني لي كقارئ أن المتكلم في النص هو صاحب المركب، وهذا الأمر لا يعرفهُ القارئ إلاّ في الصفحة (210) لما (جلال) الذي هو صاحب المركب والشخصية الرئيسة في الرواية،
يزور صديق طفولته ُ (عدنان عليّان) ويخبرنا عن وجيز ما جرى أثناء الزيارة.. تسأله زوجة عدنان (سألتني عن طلاقي. قلت إن كاميليا طلقتني. لم تعلق. كان حريق المركب أيضا وصل إليها. لِم لا وعدنان لا يخفاه شيء. قلت لها إنهم أحرقوه لأني لم أعطه لهم ليهربوّا فيه المخدرات) القارئ هنا حصل على نصف المعلومة. ويطالب بالمزيد، وسيمتثل السارد لقارئ الرواية في هذا الخصوص. ثم يخبرنا(جلال): (كنت سمعت بأنهم يدسّون بين علب التبغ المشحونة في المركب بضع وحدات محشوة بالهيرويين والكوكايين، شحنة مثل كهذه لا تمر إلا بتواطؤ مع المافيات التي تجعل المباحث تغضّ النظر.../ 317) هذه المعلومة المخيفة والمؤدية إلى تشويه سمعة (جلال) تعطي للحريق الذي أصاب مركبه
نوعا من التطهير بالنار لذات (جلال) فهو يخبرنا(أستعيد الآن صورة المركب المشتعل، النيران التي تأكل المركب كانت بمعنى تحررني، تطفئ قلقي/ 317) وهذه الحالة التي فيها (جلال) تختلف عن حالته وهو يرى المركب يحترق في بداية الرواية من الرواية (ارتفعت النار في وسط المركب، شعرت أني أستحقها لكني قبل أن أكمل ضاع مني ما استحققته، وفتشت عنه وسط النار، النار تتدفق أمامي ولا أستطيع أن أحوّل بصري عنها، أشعر أنها لي، أنها أنا، أشعر أنها تأكل أفكاري، أحاسيسي، أنها تشتعل من ذلك اليبس الذي في داخلي، أنها تجعلني أجرد ّ وفارغاً/6- 7)
(*)
يخبرنا ( جلال) وهو في بيت صديق طفولته (عدنان عليّان)
وجرى الحديث عن انتهاء الحرب في لبنان، أثناء الحديث تتداعى ذاكرة (جلال) (عند المركب الملتهب، النار التي في وسطه باقية كرصاصة في رأسي، المركب الذي أفرغ كل البضائع المهربة على مرفأ الأوزاعي../ 302)
(*)
ونحن نقترب من نهاية الرواية، بالتدريج نعرف أسباب حرق مركب (جلال) حين يخبره، ربان المركب بالكلام التالي ( سليم قال لي إن البحارة الأربعة يريدون أن يكونوا شركاء وأنهم يتصلون بأنفسهم بالمافيات وأنهم هددوا بإغراق المركب أو إحراقه إذا حاول هو إيذاءهم قالوا إنهم يريدون حصصا متساوية له من أرباح المخدرات، إنهم يخاطرون أكثر منه ولهم نفس حقوقه/ 325) وحين اختار الربان سليم أربعة آخرين، صار الطاقم من فريقين متخاصمين. هنا خوفا على نفسه، هرب جلال إلى قبرص، وحين يعود جلال إلى المرفأ، يخبرنا (قدّر لي أن أشهد النار تندلع في المركب، أن أراها تشبّ وتنتشر بدون أن يتصرف أحد إزاءها. لقد تُركت تأكل المركب. نفذ البحارة وعيدهم./226) ويتساءل جلال عن السبب (هل كان ذلك فقط نزاعاً بين بحارة؟ أما كان في الحقيقة نزاعاً بين مافيات؟) ثم يعود جلال إلى اللازمة نفسها (قلت ُ في نفسي إنهم هكذا حرروني من المركب)
نلاحظ ان السارد توقف طويلا عند حادثة حرق المركب، ذكرها ذكرا ملتبسا لدى القارئ في الصفحة الأولى من الرواية ومر عليها في الصفحة الثالثة، وتركها وأخذنا إلى جوانب أخرى من الرواية، وعادت لحادثة المركب في المائة الثالثة من الرواية، وكان السارد ماهراً في تقطيع مشهد المركب، والعودة إليه، وفي كل عودة نكتشف مساحة ً جديدة عن المركب والوضع اللبناني آنذاك، وهذه مهارة سردية تكشف عن القدرات الإبداعية عند الشاعر والروائي عباس بيضون
(*)
جلال: هو الشخصية المحورية في (الشافيات) هاجر من قرية (الصنوبرية)، قبل أربعين عاما، لماذا عاد إليه بعد أن حرقوا مركبه؟ وقد اخبرنا أن عائلة البحار المفقود، لم يطالبه بأي شيء بعد حرق المركب؟ هل لأنه أفلس؟ واختلف مع الحزب؟ ولم يبق له مأوى؟ من المتسبب في السرد السالب لحياة جلال؟ اختلافاته مع الآخرين؟ كيف هان على أبويه تركه وهو طفل عند جدته؟ ليس بالمال المرسل من أبيه في كولومبيا إليه، يستحق الأب أن يكون أبا. ومن حق جلال، وهو ابنهما البكر أن يسأل (ثماني سنوات لم تسنح لوالديّ فرصة للتفكير في أمري. ثماني سنوات بقيا يراسلان جدّي ويرسلان إليهما مبالغ متفاوتة لنفقات تربيتي وتعليمي/ 57).. حين يبلغ جلال الثانية عشرة يطلب منه أبوه أن يلتحق به في (مدلين) يخبرنا جلال (رفضت أنا وبعناد، لا أعرف دافعي لذلك. كنت آنذاك على عتبة المراهقة، بل كنت مراهقا) يتساءل إذا كان أبوه حقّا ً أباه، وإذا كانت أمه حقّا أمه، يقلق على مكانه في العائلة، يخشى أن لا يكون له مكان. يشك في حب أبويه وحب أخوته له وهنا تبرز مؤثرية الزمن على جلال وبشهادته (كنت خلال هذا الوقت استهلكت ذكرياتهما، استهلكت لومي الضمني لهما لأنهما تركاني خلفهما، استهلكت صورتيهما، أنا نفسي لم أعد أدري إلى من أتكلم/ 58) وبمرور الزمن صارت رسائلهما وأشرطتهما تتباعد
وبسبب هذا التباعد في التواصل، ينفجر جرحٌ نرجسي في ذات جلال:(لقد قبلا وجودي بعيداً. لا أعرف إذا كان مازالا يؤمنان بي. أنا نفسي لم أعد أؤمن بهما) من جهة ثانية جلال يعترف (كنت إذن ابن جديّ أكثر من ابن أبوي/ 164) وهو جانب ثان يعرف جيداً (لم تكن جدتيّ أما حقيقة، إنها أسن من أن تكون أمّي. جدّي أسن من أن يكون أبي.../ 164) وتميز بين أطفال القرية، أن جده لم يرفع يده ُ عليه، ولا زعقت جدته في وجهه. وبمرور السنوات يخبرنا جلال (صار الحزب عائلتي) ويقصد الحزب الشيوعي اللبناني. وبغياب أبويّ جلال لم يعد البيت هو المكان الذي يجب أن نقبل فيه
وهنا يقترب جلال من أحاسيس (ميرسو) في رواية ألبير كامو (الغريب) يخبرنا جلال (حتى حين أكون وحدي فأنا أفكر كأي شخص آخر/ 166) وفي ص199 يخبرنا جلال عن نفسه (لقد تقبلت دائماً ما أختاره الآخرون لي) حياته في لبنان من اختيار جدته، ارتباطه بالحزب اختيار صديقه بشير، أشياء أخرى اختيار كاميليا، زوجته التي طردته من حياتها وله أبنة منها. في ص290 و(جلال) يعترف (أنا سلبي إلى حد ما) وهو يشخص السبب حين يعترف(لعل لتربيتي بعيداً عن أهلي دخلا في ذلك) أليس غياب الأبوين، انتزع منه ثقته بذاته؟
(*)
أفضل من يحلل شخصية(جلال): ابنته (هدى) في رسالتها إلى أبيها، وهي تشخّص غياب الوعي بذاته، هذا الغياب يؤدي إلى غيابه في حياته، تبدأ البنت رسالتها (بابا. لا أعرف إذا كنت موجودا في يوم من الأيام)!! ثم تسأل أباها
(هل كنت موجوداً عندما التقيت بأمي أم أنها هي التي أوجتك) هنا سؤالي كقارئ : هل كان جلال ميتاً في حياته؟
أعني هل كان جلال يجسّد الوجود في ذاته؟ أعني بذلك الوجود غير الواعي، مثل وجود الأشياء؟ تواصل بنته هدى مخاطبته برسالتها (أنت تكتب إلي رسالة كل أسبوع. تصلني في اليوم نفسه ولا تنتظر جواباً. أنت تكتب إلى نفسك. ربما لتتأكد من وجودك. أنت لم تسقط لكنك بقيت كما كنت طوال حياتك تتأمل في الفراغ/ 327) نكتفي بهذا القدر من رسالة (هدى) فهذا الجزء يفكك شخصية والدها جلال، ويعين بعض القراء على فهم جلال الذي كان للأسف دائما مجرد إطار لصوّر الآخرين..







