لماذا ساد ذلك الاهتمام العربي الرسمي والثقافي، الاستثنائي على ما نحسب، بالشاعر محمد مهدي الجواهري، على مدى ستة عقود، وللفترة من اواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى اواسط العقد التاسع منه تحديدا؟!.. وفي  بلدان جمهورية الانظمة، وكذلك ملكيــة، وغيرهما..

   سؤالٌ نعرف أن الاجابة عليه معروفة، ولكننا نريد ان نوثق من خلال ذلك  بعض محطات ومؤشرات، كما خلاصات عن ذلك الشاعر، الذي أستضيف وحلّ واقام في اربعة عشر بلدا عربيا هي، بحسب الترتيب الزمني لاول زيارة: سوريا، لبنان، فلسطين، مصر، الكويت، تونس، المغرب، الامارات، قطـر، الجزائر، اليمن، ليبيـا، الاردن.. والسعودية..

    يقيناً ان ثمة الكثير من التفاصيل والوقائع التي رافقت زيارات الجواهري، لتلكم البلدان الاربعة عشر، وسواء كانت استضافة رسمية، او مشاركة في هذه الفعالية أو تلك المناسبة، وغيرها.. ولكن هدف هذا التوثيق ليس سوى مؤشرات، ورؤوس اقلام ، وحسب، مع الاستدراك للتنويه الى اننا وثقنا في فترات سابقة لتفاصيل بعض "مقامات" الجواهري ذات العلاقة (1) وسنؤكد على بعضها مجددا في تناولنا التالي:

1/ في سوريا

 تعود اولى زيارات الجواهري لسوريا الى منتصف الثلاثينات الماضية في رحلات سياحة واصطياف.. وحتى عام 1944 حين شارك ممثلا للعراق في مهرجان ذكرى "ابي العلاء المعري" والقى خلاله رائيته الشهيرة.  ثم لاجئا سياسيا خلال عامي 1956-1957 ثم مشاركا في مؤتمر الادباء العرب الثامن عام 1971 وبعدها مقيما، بضيافة الرئيس حافظ الاسد لنحو خمسة عشر عاما ولحين رحيله الى الخلود عام 1997 حين وُريّ الثرى في متربة السيدة "زينب" عند ضواحي العاصمة دمشق.. وكان قد منح اواسط عام 1995 وسام الاستقلال  السوري الرفيع..  

   اما قصائده التي كتبها عن دمشق وسوريا، فكثيرة ومتعددة، وأولاها عام 1921 .. كما  من ابرزها تلك التي نظمها عام 1979 والقاها في حفل تكريمي أقيم على شرفه، مخاطبا دمشق، ومن ابياتهــا :

دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقة، ولمةً والعيــــون السود، والأرقا

وأنتِ لم تبرحي في النفسِ عالقة، دمي ولحميّ والأنفاس والرمقا

2/ وفي لبنان ..

   وعلى غرار سوريا، كان لبنان من اوائل البلدان العربية التي زارها الجواهري، مصطافا، اواسط الثلاثينات الماضية، ومن ثم تتالت لاحقا  المشاركات والزيارات الرسمية، ومنها عام 1950 في تأبين رئيس الوزراء اللبناني عبد الحميد كرامي، ثم في تكريم الاخطل الصغير عام 1961 .. ومن قصائده في حب لبنان واهله، جاء في لاميته المطولة عام 1947 :

ناغيـّــت لبناناً بشعريّ جيلا، وضفرتـــه لجبينه اكليلا..

وحسان لبنان منحتُ، قصائدى، فسحبنهنَ كدلّهن ذيولا

3/ وفلسطين

   في عام 1945 يزور الجواهري مدينة (يافـا) الفلسطينية تلبية لدعوة ثقافية رسمية،  ويلقي هناك خلال احتفال احتفائي اقيم له بالمناسبة قصيدة جديدة، ومن ابياتها:

بيافا يومَ حـط بها الركابُ، تمطر عارضٌ ودجا سحاب

"فلسطينٌ" ونعــمَ الأم هذي، بناتكِ كلها خودٌ كعــابُ

     وبهدف المزيد من التوثيق نشير الى ان للشاعر الكبير، ومنذ عشرينات القرن الماضي،  قصائد ومواقف ثرة حول فلسطين، وقضية الصراع العربي –الاسرائلي. وهناك اكثر من دراسة وتوثيق وتأرخة لكتاب ومثقفين عراقيين وعرب عن "فلسطينيات" الجواهري، منشور العديد منها على شبكة الانترنيت ..

4/ في مصـر

 كانت اول زيارة للجواهري الى مصر عام 1951 للمشاركة في مؤتمر ثقافي نظمته جامعة الدول العربية في القاهرة، وقد أعلن د. طه حسين، وزير التعليم في حينها، بأن الجواهري هو ضيف رسمي على البلاد... وجاء مطلع قصيدته  الرائية الشهيرة، خلال المؤتمر ذي الصلة:

يا مصرُ تستبقُ الدهورُ، وتعثرٌ، والنيل يزخر والمسلة تزهــرُ

وبنوكِ والتاريخ في قصبيهما، يتسابقان فيصهرونَ، ويصهرُ

     ثم تبيّن لنا الوقائع ايضا ان الجواهري قد دعيّ رسميا عام 1971 للمشاركة في الاحتفال التأبيني المهيب للزعيم جمال عبد الناصر في الذكرى السنوية الاولى لرحيله. وقد القى هناك فريدة جديدة تليق بالراحل الكبير.. اما الزيارة الرسمية الاخرى للجواهري فكانت للمشاركة في مئوية مجلة"الهلال" عام 1992 وقد القى خلالها ايضا قصيدة بالمناسبة.

5/ وفي الكويـت

  زار الجواهري الكويت عام 1959 للمشاركة في مؤتمر الادباء العرب، مترئسا وفد العراق الى المؤتمر... وفي كانون الاول 1979 يتوجه الجواهري مرة جديدة  لزيارة الكويت، وبرفقته زوجته آمنة، تلبية لدعوة ثقافية، شمل برنامجها امسية حاشدة القى فيها مختارات من شعره القديم / الجديد، مع تحية شعرية، من ابياتها:

يميناً ان لي نفساً تغنى، بكم حباً وتستهوى وتصبــى

سأحفظُ عهدكم لأجدّ عهدا، وأرهن عندكم لأعودَ قلبا

6/ وتونــس

شارك الجواهري، رئيسا لوفد العراق الى المؤتمر التاسع لاتحاد الأدباء والكتاب العرب عام  1973  في العاصمة التونسية. ولقد كان من "رصيده" الشعري اللافت هناك قصيدته عام 1943 وجاء فيها:

سقى تونساً ما يدفــعُ الخطب انها، بخضرتها تكفي الذي يدفعُ الجدبــــا

وحيّا القبابَ البيض روحٌ كأهلها، رقيق الحواشي يمسحُ الماء والعشبا

7/ وفي المغــرب

لبى الجواهري عام 1974 دعوة رسمية رفيعة الى المغرب، ثم قبل بعدها  استضافة ملكية رفيعة في مدينة "طنجة " الساحلية لعدة اشهر، وكتب عنها مقطوعة شعرية جميلة، ومنها:

 لله دركِّ "طنــجُ" من وطــــنٍ، وقفَ الدلالُ عليه والغنـــجُ..

مرجٌ من "البحرين" فوقهما، ضوءُ النجوم يرفّ والسرجُ

    كما كتب الجواهري هناك والقى لامية غاضبة، الى جانب مقطوعات اخرى. وقد شهد برنامج الزيارة تكريمه بوشاح (الكفاية الفكرية) الرفيع، برسم العاهل المغربي الملك الحسن الثاني.

8/ والامارات

  كانت الزيارة الاولى لدولة الامارات العربية عام 1979 تلبية لدعوة رسمية من وزارة الثقافة والاعلام، وقد القى خلال  حفل مهيب أقيم على شرفه في العاصمة (أبي ظبي) دالية جديدة، سياسية بارعة، ومما جاء فيها، مخاطبا الحضور الحاشد في الامسية:

أ فتيّانَ الخليـــجِ وربّ ذكرى، تعــــادُ ولا يمـــلّ المستعيدُ

بكم والصفـوة الواعين تاهت، بأجمل واحة قفراء بيــــــدُ

  ثم تلت تلك الزيارة زيارة ثانية الى الامارات، ودبي تحديدا عام 1992 ليتسلم  هناك ( جائزة "سلطان العويس" للأنجاز الثقافي والأدبي) في اجواء احتفائية فخمة.

9/ وفي قطــر

في اوائل عام 1980 قام الجواهري بزيارة الى  العاصمة  القطــرية – الدوحة،  تلبية لدعوة من وزارة الاعلام، استغرقت عدة ايام، وكان من ابرز برنامج الزيارة تنظيم حفل مهيب احتفاء بالشاعر الكبير القى خلاله مقاطع مختارة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية..

10/  والجزائـر

    وفي خواتم العام 1980 يقوم الجواهري بزيارة شخصية الى الجزائر، حيث كان نجله الاصغر، كفــاح يعمل هناك . وخلال اقامته في الجزائر نظمت له عدة امسيات مع نخب اكاديمة وثقافية:  جزائرية، وعراقية، ومن ابرز الذين وقفوا على شؤونه خلال الزيارة محمد حسين الاعرجي الذي كان استاذا في كلية الاداب بالعاصمة..

... ونظن بأن من المناسب في هذا المقام ان نشير  الى ان  الجواهري نظم قصيدة عام 1956 تأييدا لنضال الجزائر، وجاء فيها:

جزائــرُ يا كوكبَ المشرقين، دجا الشرقُ من كربةٍ، فأطلعي

ويا عقـبَ العربِ المغربين، اعيدى صدى "عقبةٍ" تسمعي..

11/ واليمــن

   يلبي الجواهري عام 1982 دعوة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية، في حينها، ومن ضمن برنامج الزيارة تنظيم حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، عصماء جديدة، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ- موطن الثلج، كما أسماها فقال:

من موطنِ الثلج زحافــــاً الى عدنِ، تسري بي الريــحُ في مهــــرٍ بلا رســنِ ..

من موطن الثلج من خضرِ العيون به، لموطن السحر، من سمـراء "ذي يزنِ"

12/ وفي ليبيـــا

 وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسمياً رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احداها زعيم البلاد حينئذ: معمر القذافي.. ومما يذكر في هذا السياق ان الجواهري كان قد نظم قصيدة عن ليبيا، ليلة القصف الامريكي على طرابلس الغرب عام 1986 ومن ابياتها:

يا امتي يا عصبةَ الأممِ، لا تغضبي- يا ثلجُ- من ضرمي ..

 في ليبيا حمـــمٌ، وعندهـــمُ، ما شاءت الشهواتُ من حممِ

13/ والاردن

   يقوم الجواهري في النصف الثاني من عام 1992 بتلبية دعوة رسمية رفيعة من الاردن، بضيافة عاهله الملك الحسين بن طلال، الذي رسمَ بتقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى .. وقد القى هناك في حفل مهيب اقيم في عمان، لامية فريدة، تـمّ لاحقاً تلحينها وغنائها في سيمفونية باهرة، ومن ابياتها:

يا ابنَ الهواشمِ من قريشٍ أسلفوا، جيلاً بمدرجة الفخار، فجيلا..

يُدني البعيد من القريب سماحةً،  ويؤلفُ الميئـــوس والمأمولا...

 14/ والسعوديـة

  يلبي الجواهري دعوة رسمية الى الرياض،  بمناسبة الدورة السنوية لمهرجان "الجنادرية" الثقافي عام 1995 برعاية الأمير، ولي العهد السعودي آنذاك  (ثم الملك لاحقا) عبد الله بن عبد العزيز، الذي أبرز أهتمامه الاسثنائي بالشاعر الكبير، وأستقبله بشكل منفرد، مع نجله كفاح،. الى جانب الاهتمام اللافت به من نخب ومجالس ادبية، في الرياض وكذلك في جــدّة.

خلاصات ومؤشرات ..

1/ هكذا كانت اذن بعض محطات الجواهري في اربعة عشر بلدا عربيا. اما البلدان الاخرى التي لم تسنح الفرصة لزيارتها، فهناك العديد من الوقائع والاحداث التي (قد) تعوض عن ذلك، مثل لقاءاته مع نخبة شعراء وكتاب وشخصيات عامة اخرى من تلك البلدان، في المؤتمرات والفعاليات التي ضمتهم والجواهري. ويدور الحديث هنا عن  عمان والبحرين وموريتانيا.. والسودان بشكل خاص. ونذكر هنا للتوثيق ان اطروحة دكتوراه موسومة " صورة العراق في شعر الجواهري"  اتممها: الباحث احمد الذهب في الخرطوم/ جامعة السودان العالمية في عام 2010..

2/ وعلى ذكر اطروحات الدكتوراه، ورسائل الماجستير، التي منحتها جامعات عربية مرموقة لباحثين ودارسين عن شعر ومنجز الجواهري، وحياته، نشير الى ان هناك، على الاقل: تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير. (2)

3/ ومما لا شك فيه فان استضافات البلدان العربية للجواهري، ومشاركاته في ندواتها ومناسباتها المتنوعة، حتمت ان تتكون، وتتوطد، علاقات احترام وتقدير، وصداقات مميزة مع مثقفي تلك البلدان وشخصياتها العامة، ومن بينهم على سبيل المثال لا للحصر، الاساتذة  والذوات الافاضل – مع حفظ الالقاب والمواقع: بدوي الجبـل وعمر ابو ريشة، ونجاح العطار، ونبيه رشيدات، وصابر فلحوط، في سوريا. بشارة الخوري -الاخطل الصغير،  والياس ابو شبكة، وسعيد عقل وحسين مروة وكريم مروة، في لبنان. طه حسين ويوسف ادريس ومحمود امين العالم، في مصر. والحاج محمد أبا حنيني، في المغرب. واحمد السقاف في الكويت.. وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر كما اشرنا.

4/ ان من المهم الاشارة في هذا التوثيق التنويه الى انه قد ترافق - الى جانب ما سبق التطرق اليه اعلاه-  الكثير من الاهتمامات الثقافية والسياسية، الرسمية والخاصة، بالشاعر الخالد، كالندوات والمقابلات التفزيونية والحوارات وغيرها، هي موثقة في العشرات من الاصدارات والصحف والمجلات، ووسائل الاعلام الاخرى..

5/ كما ينبغي التوثيق ايضا الى وقوع  بعض "منغصات" و" تداعيات" خلال عدد من الزيارات  الجواهرية سابقة الذكر في هذه التأرخة، وهي بحد ذاتها تحتاج لمادة، أومتابعة، أخرى عسى ان نتمكن من انجازها في فترة لاحقة.. 

اخيــرا ..

 لا نزيد كثيرا فنجهد القراء والمتابعين، ونكتفي بالقول ان ما تم حصره، وتوثيقه، يسند ويعمق ما جاءت به دراسات ومقالات وبحوث عربية  عن الجواهري تناولت  جمعاً من مواقف وثوابت  الشاعر العظيم، ورؤاه لكثير من قضايا وشؤون- كما شجون- البلدان العربية وشعوبها، على طريق التنوير والتوعية والدفاع المشروع، مثل القضية الفلسطينية، والتطلع الى الوحدة والتحرر، والارتقاء والنهوض الاجتماعي .. وفي الديوان العامــر ثمة جمع كبير من قصائد الشاعر الكبير عن تلكم الشؤون والشجـــون وما ترتب بسببهما، وعليهما، فضلا عن منجـــزه الثقافي والادبي والصحفي ذي الصلة.. وما من غرابة هناك في كل ما تقــدم من ايجازات، وبحسب ما يؤكده مختصون وباحثون أجلاء، أن الجواهري تعدى عراقيته الى فضاءات أمته، بل والأنسانية: ولعاً وقناعة "بكل الناس من أشرق كالشمسِ، ومن اظلم كالماسْ" ودفاعاً عنهم وتنويراً لهم على امتداد ثمانية عقود من العطاء ... * رواء الجصاني شباط/ 2021..

** احالات وهوامش -----------------------------------------------------------------

* المصادر : من ديوان الجواهري/ طبعة بيروت عام 2000 ومن جزأي ذكرياته/ دمشق 1989-1990.. ومن ارشيف ووثائق الجواهري الخاصة..

1/ ثمة تفاصيل عن شؤون و"مقامات" الجواهري في عدد من البلدان العربية مثل سوريا، لبنان، اليمن، مصر المغرب... احتواها كتابنا "الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر في بغداد وبراغ عام 2016.. وقسم منها مازال منشورا في مواقع عديدة على  شبكة الانترنيت . 

2/ للمزيد ثمة مادة بعنوان "الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير" منشورة على شبكة الانترنيت منذ عام 2019 ..

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل